انتخابات مفصلية في أميركا.. هل يفرض الناخبون رقابة جديدة على ترامب؟

2026.11.03 - 15:28
Facebook Share
طباعة

استحقاق يتجاوز المنافسة الحزبية
تتجه الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفي لـ الكونغرس وسط منافسة محتدمة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، في استحقاق تتجاوز أهميته تحديد الأغلبية البرلمانية، ليشكل اختباراً مباشراً لسياسات الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الثانية، ومؤشراً على مدى استعداد الناخبين لمنح إدارته تفويضاً إضافياً أو فرض قيود على تحركاتها.
ويتنافس الحزبان على جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، ونحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، بينما تجري الانتخابات في ظل استياء متزايد من تكاليف المعيشة والتضخم، وتداعيات الحرب الأميركية مع إيران على أسعار الطاقة، فضلاً عن الخلافات بشأن الهجرة والسياسات الاقتصادية ومستقبل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس.
وتشير البيانات الأولية إلى ارتفاع المشاركة في التصويت المبكر مقارنة بانتخابات التجديد النصفي عام 2022، فيما تضع استطلاعات الرأي ومؤشرات التوقعات الديمقراطيين أمام فرصة لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، مقابل معركة أكثر تعقيداً في مجلس الشيوخ.


57 مليون صوت مبكر
أظهرت بيانات جمعتها جامعة فلوريدا أن نحو 57 مليون أميركي أدلوا بأصواتهم قبل يوم الانتخابات، وفق الأرقام المتاحة حتى الاثنين، في مؤشر على حجم المشاركة المبكرة في الاستحقاق.
وفي 27 ولاية تتوافر فيها بيانات تسجيل الناخبين وفق الانتماء الحزبي، شكّل الديمقراطيون نحو 43% من الأصوات المبكرة، سواء عبر التصويت الحضوري أو بطاقات الاقتراع البريدية المعادة، مقابل 32% للجمهوريين.
لكن هذه النسب لا تحسم اتجاهات التصويت النهائي، إذ لا تعكس بالضرورة التوزيع الكامل للناخبين، كما أن الأكثر التزاماً حزبياً يميلون عادة إلى المشاركة المبكرة. ومع ذلك، تتقاطع الأرقام مع مؤشرات أخرى تظهر تحسناً في وضع الديمقراطيين في عدد من السباقات المتقاربة.
وتأتي الانتخابات في وقت يواجه فيه ترامب تراجعاً في معدلات التأييد الشعبي، على خلفية تقييم أدائه الاقتصادي وإدارته الحرب مع إيران، رغم الجولات الانتخابية المكثفة التي أجراها خلال الشهر الماضي لدعم مرشحي الحزب الجمهوري.
مجلس النواب يميل إلى المنافسة الديمقراطية
تبدو معركة مجلس النواب إحدى أبرز ساحات الاستحقاق، إذ تشير استطلاعات الرأي وأسواق التوقعات إلى امتلاك الديمقراطيين فرصاً لاستعادة السيطرة على المجلس، مع استمرار الغموض بشأن حجم الأغلبية التي قد يحققونها.
ويتوقع تقرير «كوك بوليتيكال ريبورت»، وهو مركز غير حزبي متخصص في متابعة الانتخابات، أن يتمكن الديمقراطيون من كسب ما بين 12 و25 مقعداً إضافياً، فيما تتركز المنافسة في دوائر انتخابية بولايات نيويورك وميشيغان وفلوريدا وتكساس.
ومع ذلك، تبقى النتائج مفتوحة على احتمالات متعددة، خصوصاً في ظل إخفاق استطلاعات الرأي في توقع بعض نتائج الانتخابات السابقة، إلى جانب التفوق المالي للجمهوريين، الذي قد يمنح مرشحيهم قدرة أكبر على الإنفاق في الدوائر المتقاربة.


مجلس الشيوخ.. أربع خطوات نحو الأغلبية
تبدو حسابات مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الديمقراطيين، الذين يحتاجون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية لاستعادة السيطرة عليه.
وتتركز معظم المقاعد التي يستهدفها الحزب في ولايات فاز بها ترامب خلال انتخابات عام 2024، باستثناء ولاية مين، ما يجعل مهمة الديمقراطيين مرتبطة بقدرتهم على توسيع المنافسة إلى مناطق لم تكن تُعد تقليدياً من ساحات المواجهة الرئيسية.
لكن الاستياء من الأوضاع الاقتصادية أتاح لهم فرصاً في ولايات مثل ألاسكا وأيوا وكانساس وأوهايو وتكساس، حيث يشغل الجمهوريون المقاعد المتنافس عليها حالياً. وفي المقابل، تشهد ميشيغان سباقاً متقارباً على مقعد يشغله ديمقراطي، ما يضيف تعقيداً إلى حسابات الحزبين.


ميشيغان.. أزمة سياسية تربك حملة عبدول السيد
تعد ميشيغان من أبرز ساحات المنافسة، في ظل المواجهة بين المرشح الديمقراطي عبدول السيد والجمهوري مايك روجرز، وما رافقها من خلافات داخل المعسكر الديمقراطي.
وكان السيد قد فاز بترشيح الحزب بعد منافسة داخلية مع هيلي ستيفنز، المدعومة من المؤسسة الحزبية، قبل أن تعلن الأخيرة تأييدها لروجرز قبل أيام من الانتخابات، في خطوة أثارت ارتباكاً داخل صفوف الديمقراطيين.
ويحاول روجرز استقطاب الناخبين اليهود الذين لديهم تحفظات على مواقف السيد بشأن إسرائيل، فيما شن ترامب هجمات متكررة على المرشح الديمقراطي، مستخدماً أوصافاً مرتبطة بخلفيته الدينية، في خطاب أثار جدلاً بشأن توظيف الهوية الدينية في المنافسة الانتخابية.
في المقابل، ركز السيد حملته على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتداعيات الرسوم الجمركية، مستهدفاً استقطاب الناخبين من الطبقة العاملة البيضاء وسكان المناطق الريفية.
وشهد السباق إنفاقاً انتخابياً كبيراً، كما شارك الرئيس الأسبق باراك أوباما والسيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز في فعاليات داعمة للسيد. وأظهر متوسط استطلاعات موقع «ريال كلير بوليتيكس» تقدمه بنحو أربع نقاط مئوية، وهي نتيجة تعكس قياساً للرأي العام وقت إجراء الاستطلاعات، لا نتيجة انتخابية محسومة.


مين وتكساس وألاسكا.. سباقات مفتوحة
في ولاية مين، تتركز المنافسة على مقعد السيناتور الجمهورية سوزان كولينز، التي تشغل المنصب منذ خمس دورات، وتعد الولاية الوحيدة التي خسرها ترامب في انتخابات 2024 ويمثلها سيناتور جمهوري.
وشهد المعسكر الديمقراطي تغيراً في مرشحه بعد انسحاب غراهام بلاتنر في يوليو الماضي، على خلفية اتهامات بالاعتداء الجنسي، ليحل محله رئيس مجلس الشيوخ السابق في الولاية تروي جاكسون.
ويحاول جاكسون تحويل السباق إلى استفتاء على علاقة كولينز بترامب، بينما تركز الأخيرة على إبراز اختلافها مع بعض سياسات الرئيس، وقدرتها على جلب التمويل الفيدرالي إلى الولاية، إضافة إلى دورها في تقليص الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الكندية.
أما في تكساس، فيواجه الجمهوري كين باكستون منافسة من الديمقراطي جيمس تالاريكو، في سباق يحظى باهتمام خاص، نظراً إلى أن الولاية لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1988، كما فاز فيها ترامب بفارق يقارب 14 نقطة مئوية في انتخابات 2024.
ويواجه باكستون انتقادات مرتبطة باتهامات سابقة بالاحتيال في الأوراق المالية والرشوة وإساءة استخدام السلطة، رغم إسقاط تهم الاحتيال لاحقاً وتبرئته من اتهامات أخرى أمام مجلس الشيوخ في الولاية.
ومنذ أغسطس، لم يتمكن باكستون من التقدم على تالاريكو في متوسط استطلاعات الرأي، لكن الجمهوريين لا يزالون يمتلكون قاعدة انتخابية قوية في الولاية، إلى جانب تدفق التمويل لدعم مرشحهم.
وفي ألاسكا، أثارت تقارير عن محاولة استقطاب مرشح يحمل الاسم نفسه للسيناتور الجمهوري دان سوليفان، بهدف تشتيت الأصوات وإضعاف فرصه، جدلاً سياسياً واسعاً، وسط نفي المرشحة الديمقراطية ماري بيلتولا وحملتها أي صلة بالتحرك.
وأدى الجدل إلى فتح تحقيقات على مستوى الولاية والمستوى الفيدرالي، فيما طالب ترامب بيلتولا بالانسحاب ودعا إلى ملاحقتها جنائياً. وتزيد آلية التصويت التفضيلي المعتمدة في ألاسكا من احتمالات تأخر حسم النتيجة، ما قد يجعل السباق مؤثراً في تحديد الأغلبية داخل مجلس الشيوخ.


الاقتصاد والحرب مع إيران في صدارة الأولويات
تتصدر تكاليف المعيشة والتضخم اهتمامات الناخبين، في وقت تراجعت فيه تقييمات أداء ترامب الاقتصادي، رغم أن هذا الملف كان من أبرز العوامل التي ساعدت على عودته إلى البيت الأبيض.
كما أسهمت الحرب الأميركية مع إيران في رفع أسعار الطاقة والوقود، ما زاد الضغوط على الأسر الأميركية، وألقى بظلاله على عدد من الولايات التي تشهد منافسات حاسمة على مقاعد مجلس الشيوخ.
وسعى ترامب إلى التقليل من المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن يكثف جولاته في الولايات المتأرجحة للترويج لسياساته الاقتصادية، مؤكداً أن أسعار الطاقة ستتراجع بعد الانتخابات، ومتعهداً بمنح الأميركيين شيكات بقيمة خمسة آلاف دولار في حال احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الكونغرس.
ورغم تسجيل الناتج المحلي الإجمالي نمواً قوياً خلال الربع الثالث، بأسرع وتيرة في عام، ارتفع مقياس رئيسي للتضخم في سبتمبر بأكبر معدل خلال ستة أشهر، ما يعزز أهمية المؤشرات الاقتصادية في تحديد توجهات الناخبين، ولا سيما أن أثر الأسعار على الحياة اليومية قد يكون أكثر حضوراً في قرار التصويت من أرقام النمو الإجمالية.


مخاوف من الطعون وتأخر إعلان النتائج
لا تقتصر التحديات التي تواجه الانتخابات على المنافسة بين الحزبين، بل تمتد إلى المخاوف من التشكيك في النتائج، خصوصاً إذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما.
وأثار ترامب هذه المخاوف عندما سُئل في 27 أكتوبر عن موقفه من نتائج الانتخابات في حال خسارة حزبه الأغلبية، فأجاب بأنه سيقبل بها إذا كانت «نزيهة»، وهي صيغة أعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن موقفه من النتائج التي لا تصب في مصلحة الجمهوريين.
كما أثار الرئيس تساؤلات بشأن المدة اللازمة لفرز الأصوات، واعترض مسبقاً على إجراءات انتخابية في ألاسكا، الأمر الذي دفع الديمقراطيين إلى تجهيز فرق قانونية تحسباً لأي طعون محتملة.
وفي السياق ذاته، تحركت وزارة العدل للحصول على سجلات تسجيل الناخبين في عدد من الولايات، ورفعت دعاوى ضد نحو 30 ولاية ومقاطعة كولومبيا، مطالبة بالحصول على قوائم غير منقحة تتضمن بيانات شخصية للناخبين.
وتقول الإدارة الأميركية إن هذه الخطوات تهدف إلى ضمان دقة سجلات الناخبين والتأكد من الالتزام بالقوانين، بينما يتهم مسؤولون ديمقراطيون ومنظمات معنية بحقوق التصويت الحكومة بمحاولة التدخل في انتخابات تديرها الولايات.
ورفض قضاة اتحاديون معظم هذه الدعاوى، كما رفضت المحكمة العليا، الاثنين، طلباً من إدارة ترامب لإلزام ولاية كاليفورنيا باستبعاد آلاف بطاقات الاقتراع لأشخاص تشك الإدارة في جنسيتهم.


ماذا تعني خسارة الأغلبية لترامب؟
تكتسب انتخابات التجديد النصفي أهمية خاصة لأنها تحدد شكل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية. فاحتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ يمنح الإدارة مساحة أوسع لتمرير تشريعاتها وبرامجها، بينما قد يؤدي فقدان الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على البيت الأبيض، وفتح المجال أمام تحقيقات في ملفات تتعلق بأداء الإدارة وقراراتها.
ولا يعني فقدان الأغلبية بالضرورة تعطيل جميع سياسات الرئيس، لكنه قد يرفع كلفة تمرير التشريعات والموازنات، ويمنح المعارضة أدوات أكبر لمساءلة الإدارة وفرض شروطها في الملفات الداخلية والخارجية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6

اقرأ أيضاً