حرية التعبير أمام اختبار جديد
لم تعد حرية التعبير في سوريا، بعد سقوط النظام السابق، تقتصر على اتساع مساحة انتقاد السلطات ونشر الآراء، بل أصبحت تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في وضع حدود واضحة بين التعبير المشروع والتحريض على الأفراد والجماعات، في مجتمع لا تزال انقساماته عميقة وآثار سنوات الانتهاكات حاضرة في ذاكرته الجماعية.
ومع تنامي استخدام منصات التواصل الاجتماعي، اتسع انتشار خطاب الكراهية والتشهير والمعلومات المضللة، ما أعاد فتح النقاش حول مسؤولية الدولة والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية والمجتمع في مواجهة هذه الظاهرة، من دون تحويل القوانين والإجراءات التنظيمية إلى أدوات جديدة لتقييد الحريات.
وتكشف النقاشات الدائرة في هذا الملف أن المعالجة لا تتوقف عند وجود نصوص قانونية، بل ترتبط بمدى وضوحها وآليات تطبيقها، وبقدرة المؤسسات على حماية الأفراد من التحريض، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تغذي الكراهية، وفي مقدمتها آثار الانتهاكات والإفلات من العقاب وتعثر مسارات العدالة الانتقالية.
تشريعات قائمة ومراجعة مؤجلة
برزت هذه الإشكاليات خلال ندوة حوارية نظمتها منظمة «العدالة للجميع» في دمشق، الاثنين 2 تشرين الثاني، تحت عنوان «خطاب التحريض والكراهية في سوريا: بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية والمجتمعية»، بمشاركة قضاة ومحامين ومسؤولين في وزارة الإعلام وخبراء في الحوكمة والإعلام، إلى جانب مختصين في سياسات منصات التواصل الاجتماعي.
وتركز جانب من النقاش على استمرار العمل بقانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، الصادر خلال فترة حكم النظام السابق، في وقت تتزايد فيه المطالب بمراجعته بما يتناسب مع التحولات السياسية والقانونية التي شهدتها البلاد.
وأوضح رئيس النيابة العامة الاستئنافية بدمشق، القاضي عبد الرحمن البكري، أن القوانين السابقة لا تزال نافذة استناداً إلى المادة 51 من الإعلان الدستوري، إلى حين إصدار تشريعات جديدة أو تعديل القوانين القائمة، وهو ما يعني استمرار تطبيق القانون المذكور.
لكن البكري أشار إلى وجود مواد تحتاج إلى مراجعة، ولا سيما المادة المتعلقة بـ«النيل من هيبة الدولة»، معتبراً أن صياغتها لا تتضمن تعريفات وضوابط كافية تحدد نطاق الأفعال التي يمكن تجريمها، ما قد يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة تمس حقوق الأفراد وحرياتهم.
ودعا إلى إعادة صياغة هذه المادة ضمن مراجعة شاملة للقانون، بما يضمن تحديد الأفعال الجرمية بوضوح، ويمنع استخدام النصوص القانونية على نحو يقيّد الانتقاد أو يحد من حرية التعبير.
وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل على إعداد مشروع قانون جديد للجرائم المعلوماتية بمشاركة لجنة من المختصين، من دون تحديد موعد لعرضه على مجلس الشعب، داعياً إلى الإسراع في إنجازه وإتاحة المجال أمام تقديم المقترحات بشأنه.
التوقيف ليس استجابة تلقائية
لا تقتصر التحديات على صياغة التشريعات، بل تشمل أيضاً طريقة التعامل مع الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالمنشورات على الإنترنت، خصوصاً في ظل اتساع مساحة التعبير بعد سنوات من القيود.
وفي هذا السياق، شدد المحامي عبد الرحمن العبد الله، عضو مجلس فرع دمشق لنقابة المحامين، على ضرورة عدم تحويل الشكاوى المرتبطة بالمنشورات إلى سبب للتوقيف التلقائي، موضحاً أن استدعاء الشخص والتحقيق معه وفق الإجراءات القانونية يختلف عن توقيفه لمجرد تقديم شكوى بحقه.
وأشار إلى تعميم وزير العدل المتعلق بعدم التوقيف إلا في الجرائم الخطيرة، معتبراً أن تطبيقه يسهم في الحد من التوسع في إجراءات التوقيف، مع الحفاظ على حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء.
ودعا إلى تقديم الشكاوى خطياً إلى النيابة العامة ومتابعتها عبر المسار القانوني، بدلاً من المطالبة بتوقيف أصحاب المنشورات فوراً، مؤكداً أن تحديد ما إذا كان المحتوى يندرج ضمن حرية التعبير أو يشكل فعلاً جرمياً يعود إلى القضاء.
كما لفت إلى أن المنشور المسيء لا يشكل بالضرورة جريمة تحريض على الكراهية أو العنف، إلا أن الدعوة إلى الاعتداء أو استهداف سلامة الأشخاص وسمعتهم قد تنقل المحتوى إلى نطاق أفعال تستوجب المساءلة القانونية.
من جهته، أوضح البكري أن التعميم رقم 26 لعام 2026 ينظم إجراءات التعامل مع المشتبه بهم في قضايا الجرائم المعلوماتية، بحيث تُعرض الضبوط على النيابة العامة مباشرة بعد تنظيمها، لتحديد الإجراء المناسب، بما في ذلك التوقيف أو طلب الخبرة الفنية.
وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو ضبط التعامل مع الشكاوى والحد من اتخاذ التوقيف إجراءً أولياً، غير أن فاعليتها تبقى مرتبطة بوضوح القوانين وضمان تطبيقها بصورة متساوية، بما يحمي الحقوق الفردية ويمنع استخدام الإجراءات القضائية لإسكات الأصوات المنتقدة.
مدونة السلوك.. تنظيم مهني
بالتوازي مع مراجعة الإطار القانوني، تعمل وزارة الإعلام على وضع مدونة للسلوك المهني، بهدف تعزيز معايير النشر والتحقق من المعلومات ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل، في ظل اتساع تأثير المنصات الرقمية وصناع المحتوى.
وقال مدير الشؤون الصحفية في الوزارة، عمر شيخ أحمد، إن الحكومة تبنت شعار «إعلام حر ومسؤول»، وبدأت العمل على إعداد المدونة بالتعاون مع مؤسسات إعلامية مستقلة وخاصة وصحفيين وإعلاميين حكوميين وصناع محتوى، موضحاً أن دور الوزارة اقتصر على الإشراف والرعاية اللوجستية للورشات، من دون التدخل في صياغة مضمونها.
وأضاف أن أكثر من 900 صحفي شاركوا في إعداد المدونة، التي تتألف من 112 صفحة، وشملت ورش العمل 13 محافظة، باستثناء السويداء، إلى جانب مناطق شرق الفرات التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية».
وتضم المدونة فصلاً خاصاً بمكافحة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، إلى جانب معايير الدقة والمصداقية والتحقق من المعلومات، كما تتناول صناعة المحتوى خارج المؤسسات الصحفية التقليدية.
وبحسب الإحصائية التي عرضها شيخ أحمد، فإن اثنتين فقط من أصل 521 مؤسسة إعلامية مرخصة تمتلكان مدونة سلوك، في مؤشر على محدودية انتشار الأطر المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.
وأشار إلى أن الإعلام الحكومي وقّع المدونة، وأن الوزارة بدأت العمل على تطبيقها داخل المؤسسات، بالتزامن مع إطلاق برامج تدريبية تستهدف الصحفيين وصناع المحتوى.
صناع المحتوى في دائرة المسؤولية
تتجاوز جهود تنظيم العمل الإعلامي المؤسسات الصحفية التقليدية، مع اتساع دور صناع المحتوى في تشكيل الرأي العام، وارتفاع تأثير المنصات التي تعتمد في انتشار المواد على المشاهدات والإعجابات والتفاعل.
وأوضح شيخ أحمد أن بعض مساحات صناعة المحتوى أصبحت تركز على الانتشار والتفاعل أكثر من الالتزام بالتحقق والمعايير المهنية، ما يزيد مخاطر تداول المعلومات المضللة والخطابات التحريضية.
ولفت إلى أن المدونة تتضمن ملحقاً خاصاً بصناعة المحتوى، في محاولة لتوسيع نطاق المعايير المهنية ليشمل العاملين خارج المؤسسات الإعلامية، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى من التدريب بدأت بنحو 300 صحفي، فيما تستهدف الوزارة الوصول إلى أكثر من 3 آلاف صحفي وصانع محتوى خلال عام 2027.
وشدد على أن قيمة الحوارات والورشات لا تقاس بعدد المشاركين أو التوصيات الصادرة عنها، بل بقدرتها على الوصول إلى المؤسسات المعنية وتحويل مخرجاتها إلى خطط واستراتيجيات ومسودات قوانين وقرارات قابلة للتطبيق.
منصات التواصل.. معايير تتجاوز الحدود
لا تقع مسؤولية ضبط الخطاب على المؤسسات الحكومية والإعلامية وحدها، إذ تؤدي منصات التواصل دوراً محورياً في تحديد طبيعة المحتوى المسموح بنشره، وفق سياسات داخلية تختلف في بعض جوانبها عن التشريعات المحلية.
وشرح سليم سروة، المختص السابق في إدارة المخاطر الدولية لدى شركة «ميتا»، أن المنصات تعتمد سياسات تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والمعايير الدولية، وتعمل على تحديثها تبعاً للتغيرات والسياقات المختلفة.
وأوضح أن التحريض على العنف يختلف عن خطاب الكراهية في معايير هذه المنصات؛ إذ يرتبط التحريض بوجود دعوة إلى فعل محدد وهدف وسياق يمكن من خلاله تقدير طبيعة التهديد، بينما يقوم خطاب الكراهية على استهداف أشخاص أو جماعات بسبب انتماءاتهم.
وأشار إلى وجود فارق بين انتقاد الأفكار والمعتقدات والتوجهات السياسية، وبين استهداف أتباعها بوصفهم جماعات أو أفراداً، موضحاً أن انتقاد فكرة أو معتقد لا يُصنف بالضرورة خطاب كراهية، في حين قد يؤدي تعميم صفات مهينة أو تحريضية على أتباع جماعة معينة إلى إدراج المحتوى ضمن هذا النوع من الخطاب.
وأضاف أن سياسات المنصات تتغير تبعاً للسياقات، مستشهداً بإدراج اللاجئين والمهاجرين ضمن الفئات التي تتناولها سياسات الحماية بعد موجات اللجوء إلى أوروبا والولايات المتحدة.
كما أشار إلى أن المنصات قد تلتزم بالقوانين المحلية في الدول التي تعمل فيها، وقد تحجب محتوى ضمن نطاق جغرافي محدد استجابة لمتطلبات قانونية، مستشهداً بتجربتي ألمانيا والعراق.
ويطرح هذا الدور تحدياً إضافياً في سوريا، حيث يتطلب الحد من التحريض مراعاة طبيعة المحتوى وسياقه، مع تجنب الخلط بين النقد السياسي والفكري من جهة، واستهداف الأفراد والجماعات أو الدعوة إلى العنف من جهة أخرى.
العدالة الانتقالية.. معالجة جذور الانقسام
إلى جانب الجوانب القانونية والإعلامية، برزت خلال الندوة أهمية معالجة الأسباب التي تغذي خطاب الكراهية، وفي مقدمتها آثار العنف والانتهاكات التي تعرضت لها جماعات سورية خلال السنوات الماضية، وما خلفته من شعور بالظلم وانعدام الثقة.
وربط خبير الحوكمة والإعلام زيدون الزعبي بين انتشار خطاب الكراهية وصعوبة معالجة هذه الانتهاكات، معتبراً أن إنكار معاناة الضحايا أو التقليل منها قد يسهم في تعميق الكراهية، حتى عندما يصدر تحت عنوان الدفاع عن الدولة أو تبني موقف سياسي معين.
وأشار إلى أن إنكار الأحداث والانتهاكات التي تعرضت لها جماعات في الساحل والسويداء، أو التشكيك في معاناة ضحاياها، لا يمكن اختزاله في اختلاف عادي في وجهات النظر، نظراً إلى تأثيره في شعور المتضررين وذاكرتهم.
وأكد أن القانون وحده لا يستطيع معالجة جميع أشكال الكراهية، لأن بعضها يتشكل عبر مواقف وسلوكيات اجتماعية لا تصل بالضرورة إلى مستوى الجريمة، ما يستدعي سياسات تربوية وإعلامية وثقافية ومجتمعية موازية.
ودعا إلى توسيع دور وزارات الأوقاف والإعلام والثقافة، إلى جانب المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، في وضع برامج تسهم في الحد من الإقصاء والتحريض وتعزز القدرة على التعامل مع الاختلاف.
من جهته، ربط المحامي عبد الرحمن العبد الله تحقيق السلم الأهلي بتفعيل مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والاعتراف بالجرائم وجبر الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالضحايا.
واعتبر أن استمرار الإفلات من العقاب يترك آثار الانتهاكات من دون معالجة، ويغذي مشاعر الظلم والرغبة في الانتقام، مشيراً إلى أن المحاسبة والاعتراف والتعويض تشكل عناصر أساسية في استعادة الثقة.
ولا يقتصر جبر الضرر، وفق هذا الطرح، على التعويض المادي، بل يشمل الاعتراف بمعاناة الضحايا وعدم تجاهل ما تعرضوا له، بما يعزز شعورهم بأن حقوقهم لم تُمحَ من الذاكرة العامة.
ويضع هذا التصور العدالة الانتقالية في قلب معالجة خطاب الكراهية، باعتبارها مساراً يرتبط باستعادة الثقة بين السوريين، على ألا تتحول الدعوات إلى الصفح والمصالحة إلى مطالبة الضحايا بتجاوز الانتهاكات من دون اعتراف أو مساءلة أو جبر للضرر.
الحوار المجتمعي.. ما وراء النصوص القانونية
في ظل تعدد مصادر خطاب الكراهية وتداخل أسبابه، دعا الزعبي إلى إعادة إطلاق مساحات الحوار المجتمعي التي شهدتها المرحلة الأولى بعد سقوط النظام، معتبراً أن توقفها يترك المجال أمام استمرار الصور النمطية والأحكام المسبقة، ويضعف قدرة المجتمع على فهم اختلافاته.
وقال إن هذه الحوارات لا ينبغي أن ترتبط بمبادرة طرف واحد، وإن كانت السلطة تتحمل مسؤولية أساسية في تهيئة الظروف اللازمة لها، مشيراً إلى أن اللقاءات التي نظمتها وزارة الإعلام خلال السنة الأولى بعد سقوط النظام كانت لها مخرجات مهمة، لكنه رأى أنها توقفت بعد إعداد مدونة السلوك.
وشدد على أن وجود مدونة مهنية لا يغني عن استمرار الحوار، لأن وضع المعايير لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح قادراً على التعامل مع اختلافاته أو تجاوز الأحكام المسبقة.
كما لفت إلى أن بعض الأشخاص قد يمارسون سلوكيات تنطوي على إقصاء أو تمييز من دون إدراك لطبيعتها أو آثارها، ما يجعل التوعية المجتمعية ضرورة موازية للملاحقة القانونية، ولا سيما في الحالات التي لا تصل إلى مستوى الجريمة.
ويتقاطع ذلك مع رؤية وزارة الإعلام بشأن إشراك منظمات المجتمع المدني والصحفيين وصناع المحتوى والمؤسسات الحكومية في حوارات تنتج توصيات قابلة للتنفيذ، بدلاً من أن تنتهي بانتهاء الفعاليات.
معادلة صعبة بين الحريات والمساءلة
تواجه سوريا تحدياً يتجاوز تحديث قانون الجرائم المعلوماتية أو اعتماد مدونة للسلوك المهني، إذ يتعلق ببناء إطار يحمي حرية التعبير ويمنع التحريض في الوقت نفسه، ضمن مجتمع لا تزال آثار الانتهاكات والانقسامات حاضرة في حياته العامة.
وبين استمرار التشريعات السابقة، والعمل على قانون جديد، ومحاولات تنظيم الأداء الإعلامي، ومسؤولية منصات التواصل، تبرز الحاجة إلى ضمانات تحول دون توظيف مكافحة الكراهية لتقييد النقد أو ملاحقة الآراء المخالفة.
وتشير مداخلات المشاركين في الندوة إلى أن المواجهة تتطلب مسارات متوازية تشمل تشريعات واضحة، وإجراءات قضائية متناسبة، ومعايير مهنية قابلة للتطبيق، إلى جانب معالجة آثار الانتهاكات وتفعيل الحوار المجتمعي.