محادثات تتجاوز البروتوكول
تدخل العلاقات اللبنانية–السورية، اليوم الاثنين، مرحلة جديدة من المحادثات المباشرة، مع زيارة وفد حكومي لبناني موسّع إلى دمشق برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، لبحث مجموعة من الملفات الأمنية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية التي ظلت عالقة بين البلدين، وشكّلت على مدى سنوات مصدر توتر في علاقاتهما.
ويضم الوفد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، ووزير العمل محمد حيدر، ووزيرة التربية ريما كرامي، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، في تشكيلة تعكس تعدد القضايا المطروحة وارتباطها المباشر باختصاصات وزارات ومؤسسات رسمية مختلفة.
الحدود والتنسيق الأمني
وتتصدر المحادثات ملفات ضبط الحدود المشتركة، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وتعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين في لبنان وآليات تنظيم عودتهم إلى بلادهم.
وفي تطور لافت، أفادت معلومات صحافية بأن جدول البحث يتضمن أيضاً التطورات الأمنية الأخيرة في لبنان، والمرتبطة بمطلوبين يُعتقد أنهم موجودون داخل الأراضي السورية، ما يضع التعاون الأمني والقضائي بين البلدين أمام اختبار عملي يتعلق بكيفية التعامل مع القضايا العابرة للحدود.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير قنوات تبادل المعلومات والتعاون بين الأجهزة المختصة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بأشخاص مطلوبين أو شبكات يُشتبه في نشاطها بين البلدين.
لكن طرح هذه المسائل على طاولة المحادثات لا يعني التوصل مسبقاً إلى اتفاقات بشأن تسليم مطلوبين أو تنفيذ إجراءات قضائية محددة، إذ تبقى أي خطوات من هذا النوع مرتبطة بالقوانين والإجراءات المعمول بها في البلدين.
الموقوفون السوريون.. ملف معقد
ومن الملفات الأساسية أيضاً قضية الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وهي مسألة تتداخل فيها الاعتبارات القضائية والإنسانية والسياسية، وتحتاج إلى معالجة قانونية تأخذ في الحسبان أوضاع الموقوفين وطبيعة الملفات والأحكام الصادرة بحقهم.
وتتمثل إحدى أبرز العقبات في ضرورة التوفيق بين مطالب الجانب السوري من جهة، واستقلال القضاء اللبناني والالتزام بالإجراءات القانونية المتعلقة بالملاحقات والمحاكمات وتنفيذ العقوبات من جهة أخرى.
عودة النازحين والتحديات الاجتماعية
وعلى المستوى الاجتماعي، تبحث المحادثات ملف عودة النازحين السوريين من لبنان، وآليات التعاون بين المؤسسات المختصة في البلدين، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الدولية المعنية، بما يضمن توافر الظروف اللازمة لعودة آمنة وطوعية ومستدامة.
ولا يقتصر هذا الملف على تنظيم عمليات العودة، بل يشمل تحديات مرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية في مناطق العودة، وتسوية الأوضاع القانونية للعائدين، وتحديد مسؤوليات الحكومتين والمؤسسات الدولية في توفير الدعم اللازم.
العمل والتعليم على جدول البحث
وفي الجانب الاقتصادي والإداري، يُنتظر أن يبحث وزير العمل محمد حيدر القضايا المرتبطة بالعمالة السورية وتنظيم أوضاعها في لبنان، فيما تتولى وزيرة التربية ريما كرامي متابعة الملفات التعليمية المشتركة، بما فيها أوضاع الطلاب والوثائق والشهادات، وفق ما يتم التوافق عليه بين الوزارتين المختصتين.
وبحسب معلومات نشرها تلفزيون سوريا سابقاً، من المقرر أن يعقد الوزراء اجتماعات ثنائية مع نظرائهم السوريين، تليها محادثات موسّعة تهدف إلى تحديد مسارات التعاون والتنسيق وآليات متابعة الملفات المطروحة.
زيارة تمهّد لمسار أوسع؟
وتُطرح الزيارة أيضاً في سياق التحضير لاحتمال قيام رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بزيارة لاحقة إلى دمشق، إلا أن موعد هذه الخطوة وبرنامجها لم يُثبّتا رسمياً حتى الآن.
وتحمل الزيارة دلالة سياسية تتجاوز الملفات التقنية، إذ تعكس توجهاً نحو تنظيم العلاقات بين بيروت ودمشق عبر القنوات الحكومية والمؤسسات الرسمية، بدلاً من حصر التواصل في الاتصالات الأمنية أو المعالجات المنفردة لكل قضية.
الاختبار في التنفيذ لا في الاجتماعات
ورغم اتساع جدول الأعمال وتعدد الملفات، فإن نجاح المحادثات لن يُقاس بحجم الوفد أو عدد الاجتماعات، بل بمدى القدرة على تحويل التفاهمات إلى آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية محددة، واتفاقات تراعي القوانين والسيادة والمصالح المشتركة للبلدين.
وتتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه لقاءات دمشق، ولا سيما في ما يتعلق بالمطلوبين والتنسيق الأمني والموقوفين السوريين وملف النزوح. فالتحدي الأساسي لا يتمثل في إعلان مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية–السورية فحسب، بل في بناء تعاون مؤسساتي قادر على معالجة الملفات العالقة والحد من انعكاساتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية على البلدين.