حتى الموتى بلا أمان... اعتداءات متكررة تهدد مقدّسات لبنان

2026.11.01 - 17:23
Facebook Share
طباعة

لم تعد الاعتداءات على المقابر وأماكن العبادة في لبنان تقتصر على تخريب الحجر أو تشويه المعالم، بل باتت تمسّ مشاعر العائلات وحقها في الحفاظ على حرمة موتاها وذكرياتهم. ما شهدته مقبرة القديسين في حارة الفوار، من تحطيم للتماثيل والعبث بالقبور ومحتوياتها، يتجاوز حدود الاعتداء على الممتلكات، ليطال مكاناً يفترض أن يبقى بمنأى عن الانتهاك، وأن يحظى بالحماية والاحترام.

 

خلف كل قبر عائلة تحمل حكاية وذكرى، وخلف كل شاهد حجري اسم لشخص ترك غيابه أثراً في حياة أحبائه. لذلك، لا يتوقف الضرر عند حدود الأضرار المادية، بل يمتد إلى ذوي الموتى الذين يجدون أنفسهم أمام مشهد يمسّ أكثر الأماكن ارتباطاً بذكرياتهم. فالمقبرة ليست مجرد مساحة للدفن، بل مكان لاستحضار الغائبين، وحرمتها جزء من كرامة الأحياء قبل الموتى.

باشرت القوى الأمنية تحقيقاتها لكشف ملابسات الاعتداء وتحديد المسؤولين عنه، وسط مطالبات بمحاسبة المتورطين ومنع تكرار الحادثة. غير أن ما جرى يطرح تساؤلات تتجاوز هوية الأشخاص الذين دخلوا المقبرة فجراً، وتتصل بمدى قدرة الجهات المعنية على حماية المدافن والمقدّسات قبل وقوع الاعتداءات، بدلاً من الاكتفاء بالتحرك عقب انتشار صور الأضرار.

 

لم تكن حادثة حارة الفوار معزولة عن وقائع أخرى شهدتها مناطق لبنانية خلال العام الجاري، إذ سُجلت اعتداءات طالت كنائس ومدافن ومزارات في القبيات وعجلتون وطرابلس وزوق مصبح والبرامية والمنية. ورغم اختلاف طبيعة الأفعال والظروف المحيطة بكل حادثة، فإن تكرارها يفرض التعامل مع حماية هذه المواقع باعتبارها مسؤولية عامة تستوجب إجراءات وقائية ومتابعة جدية.

لا تسمح الوقائع بالجزم بوجود جهة واحدة تقف خلف الاعتداءات أو مخطط منظم يجمع بينها، لكنها تكشف الحاجة إلى تعزيز حماية دور العبادة والمقابر، ومتابعة التحقيقات حتى الوصول إلى نتائج واضحة. فالمشكلة لا تكمن في غياب الاستنكار، بل في تحوّله أحياناً إلى نهاية التحرك؛ إذ تتوالى المواقف عقب كل حادثة، ثم ينحسر الاهتمام ويبقى المتضررون أمام آثار الاعتداء وقلق تكراره.

 

من الإنصاف الإشارة إلى التوقيفات التي أعلنتها الأجهزة الأمنية في عدد من الملفات المرتبطة بهذه الاعتداءات، باعتبارها خطوات في مسار كشف الحقيقة. غير أن المطلوب استكمال التحقيقات وإحالة المتورطين إلى القضاء، مع إطلاع الرأي العام على نتائج القضايا ضمن ما يسمح به القانون، حتى لا تبقى الحوادث المتكررة بلا إجابات واضحة أو محاسبة فعلية.

تتطلب مواجهة هذه الانتهاكات أيضاً خطاباً مسؤولاً يرفض التعميم والتحريض. فالغضب من الاعتداء لا يبرر توجيه الاتهامات إلى طائفة أو جنسية أو منطقة بأكملها، بل ينبغي أن تنحصر المسؤولية بمن ارتكب الفعل أو شارك فيه أو حرّض عليه، وفق ما تثبته الأدلة. وتبقى حماية حرمة الآخرين واجباً مشتركاً، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والمناطقية، وهو ما أكدته مواقف دينية رافضة للاعتداء على مدافن الروم الأرثوذكس في طرابلس، بينها موقف مفتي طرابلس والشمال.

 

تتعرض أماكن العبادة والمقابر في لبنان أيضاً لأضرار جراء الاعتداءات الإسرائيلية، في انتهاك يطال مواقع تحمل قيمة دينية وتاريخية واجتماعية لدى سكان المناطق المستهدفة. ورغم اختلاف طبيعة المسؤوليات والظروف بين هذه الاعتداءات والحوادث الداخلية، فإن حرمة المساجد والكنائس والمدافن تظل مبدأ يستوجب الحماية، ولا يجوز اختزال الأضرار التي تصيبها في تفاصيل عابرة ضمن أخبار الدمار.

 

في حارة الفوار، قد يكون ترميم التماثيل وإصلاح القبور المتضررة ممكناً، لكن استعادة الطمأنينة تحتاج إلى أكثر من إصلاح الحجر. المطلوب كشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتورطين، إلى جانب وضع تدابير تضمن حماية المقابر والكنائس والمزارات في مختلف المناطق اللبنانية.

فصون المقدّسات لا يتحقق ببيانات الإدانة وحدها، بل يحتاج إلى إجراءات أمنية فاعلة، وتحقيقات جادة، ومحاسبة قضائية، وخطاب اجتماعي يرفض الفتنة والتفرقة. حرمة الموتى مسؤولية الدولة والمجتمع، وقيمة الاستنكار لا تُقاس بارتفاع الأصوات عقب الاعتداء، بل بما يتبعه من خطوات تمنع تكراره وتحفظ كرامة الأحياء وذكريات الراحلين.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4

اقرأ أيضاً