إعادة هيكلة المصارف اللبنانية أمام عقبة الـ15%.

2026.11.01 - 07:41
Facebook Share
طباعة

مفاوضات متعثرة
لا تزال إعادة هيكلة القطاع المصرفي في لبنان تواجه خلافات جوهرية بشأن توزيع الخسائر ومتطلبات استعادة الملاءة المالية، في ظل تمسك صندوق النقد الدولي بضرورة رفع نسبة كفاية رأس المال لدى المصارف الراغبة في مواصلة نشاطها إلى 15%، على أن يتحقق ذلك خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.
وكشفت جولة المناقشات التي عُقدت في باريس، بمشاركة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومسؤولين من القطاع المصرفي، عن استمرار التباين بين المقاربة اللبنانية ومتطلبات الصندوق، رغم طرح أفكار وتعديلات تهدف إلى تقريب وجهات النظر بشأن مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.


شرط رأسمالي
جرت الاجتماعات باستضافة شركة «روتشيلد»، الاستشاري الدولي لـ مصرف لبنان، في محاولة لتنسيق المواقف بشأن مشروع القانون الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب في نهاية العام الماضي.
لكن النقاشات لم تُفضِ إلى تغيير ملموس في موقف صندوق النقد، الذي لا يزال يشدد على الحد من استخدام الأموال العامة، والالتزام بتراتبية توزيع الخسائر، بحيث تتحمل الرساميل والمساهمون والملكيات المسؤولية في المراحل الأولى من عملية امتصاص الخسائر.
وفي هذا الإطار، برز شرط رفع نسبة كفاية رأس المال إلى 15%، باعتباره أحد المتطلبات الأساسية لاستمرار المصارف في العمل بعد إعادة هيكلتها. ووفق المعلومات المتداولة في أوساط معنية بالمفاوضات، يتعين بلوغ هذه النسبة خلال خمس إلى سبع سنوات من بدء تنفيذ خطة إعادة الهيكلة.


كلفة مرتفعة
تتجاوز النسبة المطلوبة، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، المستويات المعتادة وفق معايير «بازل 3»، وهو ما يبرره الصندوق بضرورة إثبات جدية المصارف ومصرف لبنان في معالجة آثار الانهيار المالي، وبناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الثقة الدولية.
غير أن تطبيق هذا الشرط يطرح تحديات كبيرة أمام البنوك اللبنانية، التي تواجه صعوبة في إقناع مساهميها بضخ رساميل إضافية بهذا الحجم، خصوصاً قبل اتضاح مسار المفاوضات مع الصندوق، ومدى التزام الحكومة بالإصلاحات الهيكلية، واعتماد خطة مالية متوسطة الأجل، فضلاً عن حسم ملف إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز.
وتشير تقديرات أولية إلى أن الأموال المطلوبة قد تصل إلى ضعف الرساميل الحالية للمصارف، التي تراجعت بشدة بعدما كانت تتجاوز 20 مليار دولار، نتيجة الانهيار المالي وتدهور سعر صرف الليرة. كما أن تأمين هذه المبالغ يتطلب استثمارات ومساهمات نقدية كبيرة أو دخول مستثمرين جدد، وهي خيارات تبدو صعبة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.


فجوة مالية
تزداد صعوبة المهمة مع استمرار تداعيات الحروب وتراجع التدفقات الاستثمارية، إلى جانب الأعباء الكبيرة المرتبطة بإعادة الإعمار، فيما تُقدّر الحكومة الفجوة المالية بنحو 70 مليار دولار.
ويرى مصرفيون أن فرض متطلبات رأسمالية مرتفعة في هذه المرحلة قد يحد من قدرة المصارف على استعادة نشاطها والمساهمة في تمويل التعافي الاقتصادي، نظراً إلى صعوبة تأمين رساميل جديدة بالحجم المطلوب، في ظل ضعف فرص الاستثمار وتراجع الثقة بالقطاع.


خلاف على الخسائر
في المقابل، يتحفظ الجانب المصرفي على المقاربة التي يطرحها صندوق النقد، معتبراً أنها لا تأخذ في الحسبان مسؤولية الدولة عن جانب من الخسائر، ولا سيما ما يتعلق بالالتزامات المالية المرتبطة بمصرف لبنان.
ويشير هذا الجانب إلى أن قرار تعليق سداد سندات اليوروبوندز حرم المصارف والمصرف المركزي من استخدام أصول مالية مهمة، ما يستدعي، وفق وجهة نظره، معالجة أكثر توازناً لمسؤوليات الأطراف المختلفة عن الانهيار.
كما يدعو إلى مراعاة مبدأين متلازمين في عملية إعادة الهيكلة: تحقيق العدالة في توزيع الخسائر، والحفاظ على قدرة المؤسسات المالية على الاستمرار، بما يسمح لها بالمساهمة تدريجياً في سداد حقوق المودعين وفق الآليات المعتمدة.


بين الملاءة والتعافي
يستند المصرفيون أيضاً إلى أن مصرف لبنان كان يفرض قبل الأزمة نسب ملاءة مرتفعة على المصارف، تجاوز متوسطها 15%، فيما كانت إدارات البنوك تعتمد معايير دولية لتقييم كفاية رأس المال وقياس مخاطر الائتمان والسوق والتشغيل والسيولة وغيرها.
وتتولى شركة «روتشيلد» مهام الاستشاري الدولي لمصرف لبنان في الملفات المرتبطة بالقطاع المالي، فيما تضطلع شركة «لازار» بدور استشاري مماثل لدى وزارة المالية.


اختبار صعب
يضع شرط الـ15% مستقبل إعادة هيكلة المصارف أمام اختبار معقد، تتداخل فيه متطلبات تعزيز الملاءة المالية مع الخلاف على تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر. وبين تشدد صندوق النقد ومخاوف المصارف من كلفة الرسملة، يبقى التوصل إلى صيغة توازن بين حماية حقوق المودعين واستمرار المؤسسات المالية أحد أبرز التحديات أمام مسار الإصلاح المالي في لبنان. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7

اقرأ أيضاً