من هدم المنازل إلى تفريغ الأحياء.. ماذا تريد إسرائيل من عملية الخليل؟

2026.10.30 - 21:27
Facebook Share
طباعة

عملية تتجاوز الملاحقة الأمنية
تتواصل العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، وسط اتساع نطاق الإجراءات التي تشمل هدم المنازل وتهجير السكان وفرض القيود على حركة الفلسطينيين، في تطورات تثير تساؤلات بشأن الأهداف السياسية والميدانية للعملية، وما إذا كانت تتجاوز ملاحقة منفذي الهجمات إلى محاولة فرض واقع جديد داخل المدينة.
وتشير قراءات سياسية وأكاديمية إلى أن توسيع العمليات، وتفجير منازل منفذي عملية فرش الهوى، وما رافق ذلك من إخلاء للأحياء السكنية، يعكس توجهاً لاستخدام الضغط الجماعي وسيلة للردع، بالتوازي مع توسيع نطاق السيطرة العسكرية على مناطق فلسطينية.


هدم ورسائل ردع
وكانت القوات الإسرائيلية قد فجّرت منزلي الشهيدين حمودة وأحمد الجعبة، اللذين نُسبت إليهما عملية فرش الهوى، التي قُتل فيها جنديان إسرائيليان. ويرى مراقبون أن تنفيذ الهدم بعد نحو أسبوع من العملية يحمل رسالة تتجاوز عائلتي المنفذين، لتطال البيئة الاجتماعية المحيطة بهما.
ويعتبر محللون أن هدم المنازل والعقوبات المفروضة على السكان قد تُستخدم لإشاعة الخوف والضغط على الفلسطينيين، في حين تُقدَّم هذه الإجراءات إسرائيلياً ضمن سياق الرد على الهجمات وملاحقة المسؤولين عنها.
ولا تقتصر الرسائل، وفق قراءة مراسلين ومحللين، على الفلسطينيين، بل تمتد إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يمكن للحكومة توظيف مشاهد الهدم والاقتحامات لإظهار تشددها في التعامل مع التهديدات الأمنية، وتعزيز صورتها أمام جمهور اليمين بوصفها قادرة على حماية إسرائيل.


آلاف تحت التهجير
وتصاعدت الإجراءات الإسرائيلية في الخليل منذ 23 تشرين الأول الجاري، عقب عملية فرش الهوى، لتشمل أحياء متعددة في المدينة، وسط تداعيات إنسانية واسعة على السكان.
وأعلنت بلدية الخليل تهجير 4969 فلسطينياً ينتمون إلى 780 عائلة، فيما وثّق نادي الأسير اعتقال 110 فلسطينيين منذ بدء العملية. وتعكس هذه الأرقام حجم التأثير الذي خلّفته الإجراءات العسكرية على الحياة اليومية، في ظل تقييد الحركة وإخلاء مناطق سكنية وتعطيل مصالح السكان.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة مخاوف الفلسطينيين من انتقال أنماط الهدم والحصار والتهجير التي شهدها قطاع غزة إلى مدن ومخيمات الضفة الغربية، ولا سيما في ظل تجارب سابقة شهدتها مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم.


تآكل الصلاحيات الفلسطينية
وفي قراءة سياسية أوسع، يرى المحلل حسام شاهين أن ما يجري في الخليل يحمل رسالة تتجاوز حدود المدينة، مفادها أن الإجراءات الإسرائيلية التي طُبقت في مناطق أخرى قد تتكرر في الضفة الغربية، بما يشمل الاقتحامات الواسعة وإخلاء الأحياء وفرض السيطرة العسكرية.
ويشير شاهين إلى أن دخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق مصنفة ضمن المنطقة «أ»، وفق تقسيمات اتفاق أوسلو، يعكس تراجعاً عملياً للقيود التي يفترض أن تحكم السيطرة الإسرائيلية، ويضع الصلاحيات الفلسطينية على الأرض أمام تحديات متزايدة.
وبحسب تقديره، تستثمر الحكومة الإسرائيلية الهجمات الفلسطينية لتبرير توسيع إجراءاتها الميدانية، وتحويل مواقفها السياسية إلى خطوات تشمل هدم المنازل وإخلاء المناطق السكنية والتحكم بحركة السكان.
ويحذر المحلل من أن اتساع نطاق الإجراءات يجعل العائلات والأحياء السكنية تتحمل تبعات أفعال ينفذها أفراد، الأمر الذي يوسع دائرة العقاب لتشمل السكان وممتلكاتهم وحقهم في البقاء داخل منازلهم.


السيطرة على الجغرافيا
من جهته، يرى الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية رائد نعيرات أن العقاب الجماعي يمثل أحد الأهداف الرئيسية للعملية، من خلال تحميل الفلسطينيين كلفة جماعية، ودفعهم إلى حالة من الإنهاك والخوف، بما ينعكس على قدرتهم على الصمود.
ويضع نعيرات التهجير في إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، مشيراً إلى أن استهداف مناطق داخل مدن مصنفة ضمن المنطقة «أ» يفرض واقعاً من العسكرة والسيطرة المباشرة، ويحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة شؤونها.
ويستند الخبير إلى تقرير للجيش الإسرائيلي يشير، بحسب قراءته، إلى محدودية الجدوى الأمنية للعملية، معتبراً أن النتائج السياسية والميدانية قد تتجاوز المبررات العسكرية المعلنة، خصوصاً مع إخلاء المناطق السكنية وتوسيع القيود على حركة السكان.


حسابات سياسية وانتخابية
ويربط نعيرات تسارع هذه الإجراءات بالحسابات السياسية داخل إسرائيل، ولا سيما المرحلة التي سبقت الانتخابات، حين يمكن للتصعيد الأمني أن يتحول إلى ورقة تستثمرها القوى اليمينية في استقطاب الناخبين.
ويضيف أن هناك هدفاً استراتيجياً يتمثل في تثبيت وقائع ميدانية يصعب على أي حكومة لاحقة تغييرها، من خلال التحكم بالأرض والموارد والمعابر، وتوسيع نطاق القيود المفروضة على الفلسطينيين.
وتنعكس هذه السياسات، وفق الخبير، على تفاصيل الحياة اليومية، من تعطيل التعليم واللجوء إلى التعليم الإلكتروني، إلى تقطيع أوصال المدن وإضعاف النشاط الاقتصادي، بما يحد من مقومات الحياة الطبيعية ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.


ضغوط تتجاوز حدود الخليل
وتشير مجمل هذه القراءات إلى أن تداعيات العملية الإسرائيلية في الخليل لا تتوقف عند حدود المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى مستقبل السيطرة على الأرض وطبيعة الوجود الفلسطيني في المدينة والضفة الغربية عموماً.
وبينما تبرر إسرائيل عملياتها باعتبارات أمنية، يرى محللون أن اتساع نطاق الهدم والتهجير والاعتقالات يثير تساؤلات جدية بشأن التناسب بين الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية، وسط دعوات إلى تحرك عربي ودولي يتجاوز بيانات الإدانة إلى استخدام أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية للضغط من أجل وقف هذه الإجراءات.


اختبار للموقف الدولي
يبقى مستقبل الأوضاع في الخليل مرتبطاً بمدى استمرار العمليات الإسرائيلية وحجم الضغوط الدولية لوقف تداعياتها على المدنيين. ويحذر محللون من أن غياب التحرك الفاعل قد يتيح ترسيخ وقائع جديدة على الأرض، ويزيد من صعوبة استعادة الحياة الطبيعية في الأحياء المتضررة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع سياسة الهدم والتهجير إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6

اقرأ أيضاً