تتباين ساعات التقنين الكهربائي بين أحياء العاصمة السورية دمشق ومناطق ريفها، من أحياء لا يتجاوز انقطاع التيار فيها ثلاث ساعات يومياً، إلى بلدات تصل فيها فترات القطع إلى تسع أو عشر ساعات متواصلة، في تفاوت يثير تساؤلات بشأن آليات توزيع الكهرباء وعدالة التغذية، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء المالية على السكان.
ولا تقتصر تداعيات الانقطاع الطويل على الاستخدام المنزلي، بل تمتد إلى النشاط التجاري والخدمات اليومية، مع اضطرار السكان وأصحاب المحال إلى الاعتماد على البطاريات ومنظومات الطاقة البديلة والمولدات والاشتراكات الكهربائية، ما يضيف نفقات جديدة إلى ميزانياتهم، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية.
تفاوت ساعات التقنين بين الأحياء
في العاصمة دمشق، يسجل حي مساكن برزة ثلاث ساعات قطع مقابل ثلاث ساعات وصل، بينما تصل مدة الانقطاع في حي التضامن إلى ست ساعات متواصلة مقابل ثلاث ساعات من التغذية الكهربائية. وفي أحياء دمشق القديمة، تتراوح فترات القطع بين خمس وست ساعات متواصلة.
أما في ريف دمشق، فتتسع الفوارق بين المناطق؛ إذ تتراوح ساعات انقطاع الكهرباء في مدينة جرمانا بين ست وسبع ساعات مقابل ثلاث ساعات وصل، مع تسجيل أعطال متكررة أحياناً. ويسجل التقنين في مدينتي التل وضاحية الشام ست ساعات قطع.
وتفرض فترات الانقطاع الطويلة على السكان تنظيم أعمالهم المنزلية وفق ساعات التغذية المحدودة، خصوصاً ما يتعلق بغسل الملابس وشحن الأجهزة وتشغيل المعدات المنزلية، التي يضطرون أحياناً إلى استخدامها خلال ساعات الليل أو الفجر.
أصحاب المحال يتحملون تكاليف إضافية
يمتد تأثير التقنين إلى أصحاب المحال التجارية والمهن التي تعتمد على الكهرباء، إذ يضطر العاملون فيها إلى تشغيل المولدات أو الاشتراك بخدمات الأمبيرات لتجنب توقف أعمالهم خلال فترات الانقطاع.
وتؤدي قلة ساعات التغذية إلى زيادة تكاليف تشغيل المحال، في ظل تراجع القدرة الشرائية للسكان وانخفاض حركة البيع والشراء، ما يضع أصحاب الأعمال أمام أعباء مزدوجة تتمثل في ارتفاع نفقات التشغيل وتراجع الإيرادات.
وفي جديدة عرطوز، تزداد حدة المشكلة مع وصول ساعات القطع إلى تسع أو عشر ساعات يومياً، مقابل ساعتين إلى ثلاث ساعات من التغذية الكهربائية.
ويتزامن الانقطاع في البلدة غالباً مع ساعات العمل النهارية، ما يضطر أصحاب المهن، ولا سيما المحال التي تعتمد على الأجهزة الكهربائية، إلى تشغيل مصادر بديلة خلال فترات الذروة. لكن الاشتراك بالأمبيرات لا يوفر حلاً مستقراً دائماً، إذ تتعرض الكهرباء المولدة لانقطاعات أحياناً
أيضاً.
وتتضاعف الأعباء المالية مع الجمع بين فواتير الكهرباء الرسمية وتكاليف الاشتراكات البديلة، إذ سجلت بعض المحال فواتير وصلت إلى مليون و800 ألف ليرة سورية جديدة، إضافة إلى 600 ألف ليرة بدل اشتراك بالأمبيرات، رغم محدودية استخدام الخدمة البديلة خلال الشهر.
ويثير استمرار هذا الوضع مخاوف أصحاب الأعمال من ارتفاع النفقات خلال الأشهر المقبلة، مع تراجع ساعات الوصل وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، ما ينعكس على أسعار الخدمات وقدرة المحال على مواصلة نشاطها.
صحنايا تشتكي من تراجع التغذية
وفي مدينة صحنايا، تصل ساعات انقطاع الكهرباء إلى نحو ثماني ساعات مقابل ساعتين من الوصل، فيما قد تتجاوز فترات القطع عشر ساعات في بعض الأيام.
ويشهد واقع التغذية الكهربائية في المدينة تراجعاً ملحوظاً، مع اختلاف ساعات الوصل من يوم إلى آخر؛ إذ تصل أحياناً إلى أربع ساعات، بينما لا تتجاوز ساعة واحدة في أيام أخرى، من دون انتظام واضح في مواعيد عودة التيار.
ويزيد ارتفاع فواتير الكهرباء من أعباء السكان، خصوصاً مع عدم استقرار التغذية، إذ يضطر كثيرون إلى دفع تكاليف إضافية لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الطاقة، رغم محدودية ساعات الاستفادة من الشبكة العامة.
مناطق تحظى بتغذية أفضل
في المقابل، تختلف ساعات التقنين في بعض أحياء العاصمة، إذ لا تتجاوز مدة انقطاع الكهرباء في مشروع دمر ثلاث ساعات يومياً، وهو واقع مشابه لحي التجارة، حيث تقتصر فترات القطع على المدة نفسها.
ويكشف اختلاف برامج التقنين بين أحياء دمشق ومناطق ريفها عن تفاوت واضح في ساعات التغذية، حتى بين مناطق متقاربة جغرافياً. ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة في توزيع الطاقة، ومدى مراعاة احتياجات المناطق المختلفة عند تحديد برامج التقنين.
الشركة السورية للكهرباء تشرح أسباب زيادة التقنين
أرجعت الشركة السورية للكهرباء، في بيان نشرته الأربعاء، زيادة ساعات التقنين إلى مجموعة من العوامل التي أدت إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهربائية، وانعكست مباشرة على برامج التغذية في مختلف المناطق.
وأوضحت الشركة أن تراجع القدرة التوليدية المتاحة يرتبط بأعمال صيانة دورية وطارئة في عدد من مجموعات التوليد، إلى جانب استمرار خروج مجموعات في محطة تشرين عن الخدمة، ونقص إمدادات الغاز الأذربيجاني المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء.
وأكدت أن الفرق الفنية والهندسية تواصل العمل على مدار الساعة لإنجاز أعمال الصيانة وإعادة مجموعات التوليد المتوقفة إلى الخدمة في أسرع وقت ممكن، بهدف تحسين التغذية الكهربائية تدريجياً، وفق الموارد والإمكانات المتاحة.
وسبق أن أعلنت الشركة، في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، زيادة مؤقتة في ساعات التقنين نتيجة انخفاض طارئ في كميات الكهرباء المنتجة.
وأشارت، في منشور عبر صفحتها على «فيسبوك»، إلى خروج أربع مجموعات توليد عن الخدمة في عدد من المحطات، مؤكدة أن الفرق الفنية تعمل على إصلاح الأعطال وإعادة المجموعات إلى العمل تباعاً، بما يساعد على رفع القدرة الإنتاجية وتحسين استقرار التغذية.
كما أكدت أنها تتابع تطورات وضع التوليد، وستعمل على إعادة ساعات الوصل إلى مستوياتها المعتادة فور تحسن القدرة الإنتاجية.
مطالب بتوضيح آليات توزيع الكهرباء
وبينما تفسر الشركة السورية للكهرباء زيادة التقنين بانخفاض الإنتاج وأعمال الصيانة ونقص إمدادات الغاز، يظل التفاوت بين أحياء دمشق وريفها محور تساؤلات السكان، خصوصاً في المناطق التي تصل فيها ساعات الانقطاع إلى عشر ساعات يومياً، مقابل ثلاث ساعات فقط في مناطق أخرى.
وفي ظل ارتفاع تكاليف الاشتراكات البديلة وفواتير الكهرباء، لا تقتصر مطالب السكان على زيادة ساعات التغذية، بل تشمل توضيح المعايير التي تستند إليها الشركة في توزيع الطاقة، وضمان قدر أكبر من العدالة بين المناطق.
ومع استمرار مشكلات التوليد والإمدادات، تبقى الأسر وأصحاب المحال أمام أعباء يومية ومالية متزايدة، في انتظار تحسن القدرة الإنتاجية وعودة التغذية إلى مستويات أكثر استقراراً.