زينة البحيري توثق ذاكرة الحرب اللبنانية بالفحم والحجارة

2026.10.28 - 15:54
Facebook Share
طباعة

تحوّل الفنانة التشكيلية اللبنانية زينة البحيري الفحم والحجارة ومخلفات الدمار إلى أعمال فنية تحمل قصص الحرب والمرأة والذاكرة، في تجربة تجمع بين التعبير الفني وتوثيق آثار الصراعات على الإنسان والمكان. فمن طفولتها في بلدة عرسال، وصولاً إلى تمثيل لبنان في معرض الفنون ضمن المهرجان الدولي للشباب في روسيا، سعت البحيري إلى تقديم تجربة فنية تستمد عناصرها من البيئة اللبنانية، وتعيد توظيف آثار الدمار في لوحات تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية.

 

لا تقتصر تجربة البحيري على استخدام المواد التقليدية في الرسم، إذ توظف الفحم والحجارة الملونة التي جمعتها من الطرقات ومحيط منزلها، لتمنح هذه العناصر الطبيعية حضوراً أساسياً في أعمالها. وتحمل تلك المواد ارتباطاً مباشراً بالمكان الذي نشأت فيه، كما تمنح لوحاتها طابعاً بصرياً يستند إلى البيئة المحلية وتراث بلدة عرسال.

 

حافظت الفنانة على شغفها بالرسم بالتوازي مع مسيرتها الأكاديمية، فتخرجت في اختصاصي الفنون التشكيلية والفيزياء من الجامعة اللبنانية، قبل أن تواصل دراستها في مرحلة الماجستير، رغم مشقة التنقل اليومي بين عرسال وبيروت. وشكّل هذا المسار امتداداً لرحلتها الفنية، التي تجمع بين الدراسة والممارسة والتعبير عن القضايا المحيطة بها.

 

مع اتساع تجربتها، انتقلت البحيري من استلهام الطبيعة إلى استخدام مخلفات الدمار بوصفها جزءاً من المادة الفنية نفسها. وأصبحت الحجارة التي تحمل آثار القصف والخسائر أكثر من مجرد عناصر تشكيلية، إذ تحولت إلى شواهد مادية على ما خلّفته الحرب من دمار في المنازل، وما تركته من أثر في ذاكرة السكان وحياتهم اليومية.

 

أيقونة الوجود.. المرأة في مواجهة الدمار

 

تجسد لوحة «أيقونة الوجود» جانباً بارزاً من هذه التجربة، إذ تظهر امرأة تحمل طفلها وتتمسك بأرضها وبيتها رغم الدمار المحيط بها. واستخدمت البحيري في العمل حجارة جمعتها من منازل تعرضت للقصف في الضاحية الجنوبية لبيروت، ووضعتها في أسفل اللوحة لتصبح جزءاً من تكوينها الفني، حاملة آثار الأماكن التي جاءت منها.

 

تتجاوز رمزية المرأة في اللوحة حدود المشهد الفردي، لتعبّر عن القدرة على الصمود والنهوض ومحاولة إعادة بناء الحياة بعد الحرب. أما الطفل، فيحمل دلالة الاستمرار والتشبث بالأرض، بينما تستحضر الحجارة المنازل التي دُمّرت والعائلات التي واجهت خسارة المكان. ووفق التقرير، احتفظ بعض تلك الحجارة بآثار دماء، ما يمنح استخدامها بُعداً يتصل بالذاكرة المادية للعنف وآثاره الإنسانية.

 

بهذا التكوين، تجمع الفنانة بين الصورة والمواد المستمدة من واقع الحرب، فلا تكتفي بتصوير الدمار، بل تُدخل بعض آثاره الفعلية في العمل، لتصبح اللوحة مساحة تلتقي فيها الذاكرة الشخصية والجماعية مع التعبير الفني.

 

المعتقلات والنساء في مواجهة الأحكام الاجتماعية

 

تمتد الموضوعات التي تتناولها البحيري إلى قضايا النساء اللواتي واجهن الاعتقال، ثم اصطدمن بأحكام اجتماعية استمرت حتى بعد الإفراج عنهن. وتسعى من خلال أعمالها إلى مساءلة النظرة التي تربط تجربة الاعتقال أو النضال بالعار، وإبراز حق النساء في الدفاع عن قضاياهن بعيداً عن الوصم الاجتماعي.

وتمنح هذه الأعمال مساحة لقضايا قد تتراجع أمام الصور النمطية والأحكام المسبقة، من خلال تقديم المرأة بوصفها صاحبة تجربة وموقف، لا مجرد موضوع للحكم والإدانة. كما تطرح تساؤلات حول مسؤولية المجتمع في التعامل مع النساء بعد الاعتقال، ومدى قدرته على تجاوز التصنيفات التي تلاحقهن وتؤثر في فرص اندماجهن من جديد.

 

ولا تنفصل المقاربة عن اهتمام الفنانة بتجارب النساء خلال الحروب والأزمات، إذ تحاول توظيف الفن للكشف عن الأعباء الاجتماعية والنفسية التي تتحملها النساء، إلى جانب الخسائر المادية التي تصيب المجتمعات المتضررة.

 

نقد اللامبالاة الدولية تجاه الحروب

يحتل نقد الصمت الدولي تجاه الحروب والمجازر جانباً آخر من أعمال البحيري، التي تستخدم الرموز الفنية للتعبير عن اللامبالاة بمعاناة الشعوب. وبدلاً من الاكتفاء بتوثيق مشاهد الدمار، تحاول أعمالها دفع الجمهور إلى التفكير في موقفه من الأحداث التي يشاهدها، وفي المسافة التي تفصل بين متابعة المآسي الإنسانية والتفاعل معها.

وتطرح هذه الأعمال سؤال المسؤولية تجاه معاناة الآخرين، في ظل تكرار مشاهد الحرب والدمار في المجال العام. كما تسعى إلى تحويل المتلقي من مشاهد سلبي إلى طرف يتأمل ما وراء الصورة، من خسائر بشرية واجتماعية وآثار قد تستمر سنوات بعد انتهاء المواجهات.

 

التراث اللبناني بوصفه ذاكرة حية

 

إلى جانب الحرب وقضايا النساء، تخصص البحيري مساحة من أعمالها للتراث اللبناني، مستلهمة تفاصيل منزل جدتها والبيوت القديمة في محاولة لاستعادة ملامح الحياة الاجتماعية التي شكّلت جزءاً من ذاكرتها. وتمنح هذه الأعمال المكان التقليدي حضوراً يتجاوز الجانب الجمالي، ليصبح وسيلة لاستحضار الروابط العائلية وتفاصيل الحياة اليومية والهوية المحلية.

 

ويأتي الاهتمام بالتراث مكملاً لأعمالها التي تتناول الدمار، إذ تقف البيوت القديمة في تجربتها الفنية على الطرف المقابل للمنازل المهدمة: الأولى تستدعي الذاكرة والانتماء، والثانية تحمل آثار الفقد والخسارة. وبينهما تتشكل رؤية فنية تربط الإنسان بالمكان، وتؤكد أن تدمير المنازل لا يقتصر على فقدان المباني، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة والذكريات التي احتضنتها.

 

الفن اللبناني أمام جمهور دولي

 

مثّلت مشاركة البحيري في معرض الفنون ضمن المهرجان الدولي للشباب في روسيا محطة مهمة في مسيرتها، إذ أتاح عرض أعمالها أمام مشاركين من دول متعددة تقديم تجربة فنية لبنانية تتناول الحرب والمرأة والذاكرة والتراث. وتعتز الفنانة باختيارها لتمثيل لبنان في هذا المحفل، الذي وفّر فرصة للتعريف بأعمالها والقضايا التي تحملها.

وتكتسب المشاركة أهمية من قدرة الفن على نقل التجارب المحلية إلى جمهور من خلفيات ثقافية مختلفة، من خلال لغة بصرية تتجاوز الحدود الجغرافية. فالحجارة والفحم والبيوت المدمرة ليست مجرد عناصر مرتبطة بمكان محدد، بل يمكن أن تستحضر لدى المتلقي أسئلة أوسع عن الحرب والفقد والصمود والحق في الاحتفاظ بالذاكرة.

 

تواصل زينة البحيري توظيف المواد الطبيعية ومخلفات الدمار في محاولة لحفظ قصص الأشخاص والأماكن المتضررة، ومنح النساء مساحة للتعبير عن تجاربهن، إلى جانب التعريف بالتراث اللبناني. وفي تجربتها، يتحول ما تبقى من المنازل المدمرة إلى مادة فنية تستعيد الذاكرة وتواجه النسيان، فيما يصبح الرسم وسيلة لإبقاء آثار الحرب حاضرة في الوعي، لا بوصفها مشاهد عابرة، بل تجارب إنسانية تركت بصمتها في حياة الأفراد والمجتمعات.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5

اقرأ أيضاً