صعّدت مؤسسة كهرباء لبنان إجراءاتها لتحصيل المستحقات المالية المتراكمة، واضعة المخيمات الفلسطينية أمام مهلة تمتد إلى 20 يوماً لتسوية ديونها، تحت طائلة قطع التغذية الكهربائية في حال عدم السداد. وتأتي الخطوة بالتزامن مع مفاوضات تجريها المؤسسة مع الجانب الفلسطيني عبر لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، في مسعى للتوصل إلى تسوية تضمن تحصيل المستحقات واستمرار الخدمة.
لا تقتصر أهمية القرار على تحديد مهلة زمنية واضحة، بل تتمثل أيضاً في توسيع نطاق إجراءات التحصيل لتشمل جهات تراكمت عليها مستحقات لسنوات، في وقت تواجه فيه المؤسسة ضغوطاً مالية متزايدة لتأمين الفيول وتشغيل معامل الإنتاج وتغطية نفقات التشغيل والخدمات.
وسبق أن لوّح وزير الطاقة والمياه السابق وليد فياض بقطع الكهرباء عن المخيمات الفلسطينية، لكن الخطوة الحالية تكتسب أهمية إضافية مع تحديد مجلس إدارة المؤسسة مهلة واضحة للتسديد. وتؤكد مصادر المؤسسة لصحيفة «النهار» أن قرار القطع لا يزال قائماً في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مشددة على أن استمرار توفير الكهرباء من دون تحصيل المستحقات يفاقم الأعباء المالية التي تتحملها.
وتوضح مصادر في مجلس الإدارة أن الديون المتراكمة على المخيمات تعود إلى سنوات سابقة، ولم تُسدّد وفق التعرفة القديمة. وتبدي المؤسسة استعدادها للتنازل عن المستحقات القديمة، مقابل تسديد الفواتير الجديدة المحسوبة وفق التعرفة المعتمدة منذ عام 2022، في إطار تسوية تتيح إغلاق الملفات السابقة والبدء بالدفع الفعلي.
وتجري اتصالات مع رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، السفير رامز دمشقية، بهدف ترتيب اجتماع مع ممثلين عن حركتي «فتح» و«حماس»، لبحث آلية معالجة المبالغ المتراكمة. كما لا تستبعد المؤسسة الاتفاق على خطط تقسيط طويلة الأجل، على غرار التسويات المعتمدة مع الإدارات العامة، شرط الالتزام بمواعيد الدفع.
ومن بين الخيارات المطروحة تقسيط المستحقات على فترة قد تصل إلى عشر سنوات، على أن يبدأ التسديد فوراً. وترى المؤسسة أن أي اتفاق يجب أن يتضمن التزاماً واضحاً بالدفع، لأن استمرار التأخر يحرمها من إيرادات تحتاج إليها لتأمين الوقود وتغطية نفقات الإنتاج.
أما في حال تعثر المفاوضات ورفض التسديد، فقد تلجأ المؤسسة إلى قطع التغذية عن المخيمات بعد انتهاء المهلة المحددة، ما سيدفع السكان إلى الاعتماد بصورة أكبر على المولدات الخاصة، مع ما يترتب على ذلك من أعباء مالية إضافية وفق التعرفة التي يحددها أصحاب المولدات.
50 مليون دولار من مستحقات الإدارات العامة
يمتد تحرك كهرباء لبنان إلى الإدارات والمؤسسات العامة التي تراكمت عليها ديون كبيرة. وتفيد المؤسسة بأن الجهات الرسمية سددت حتى الآن نحو 50 مليون دولار، من أصل مستحقات إجمالية تقدر بنحو 300 مليون دولار، فيما تستمر متابعة الملفات وإعداد لوائح بالجهات المتأخرة عن الدفع، تمهيداً لاستكمال الإجراءات اللازمة.
وبحسب مصادر مجلس الإدارة، سددت مؤسسة الجيش مستحقاتها، فيما خفّض مطار بيروت الدولي ديونه من نحو 34 مليون دولار إلى 22 مليوناً، لا تزال متوجبة عليه. كذلك تبلغ المستحقات العائدة لوزارة الأشغال العامة والنقل نحو 10 ملايين دولار، فيما تصل ديون وزارة الاتصالات إلى قرابة 5 ملايين دولار.
في المقابل، سددت رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية المستحقات المتوجبة عليهما بالكامل، وفق المعلومات التي أوردتها المصادر.
وتشدد المؤسسة على أن تسديد الفواتير مسؤولية تقع على جميع الجهات المستفيدة من الكهرباء، محذرة من أن استمرار تقديم الخدمة من دون تحصيل قيمتها يضعها أمام أعباء مالية يصعب تحملها. وتقدر المستحقات الشهرية المتوجبة على الإدارات العامة بنحو 12 مليون دولار، ما يعني أن المبالغ غير المحصلة قد ترتفع إلى 24 مليون دولار إذا تراكمت فواتير شهرين من دون سداد، مع استمرار الزيادة بمرور الوقت.
ديون مؤسسات المياه والبلديات
تشكل مستحقات مؤسسات المياه جانباً أساسياً من أزمة التحصيل، نظراً إلى حجم المبالغ المتراكمة عليها. وتقدر ديون مؤسسة مياه لبنان الجنوبي بنحو 70 مليون دولار، مقابل 20 مليوناً لكل من مؤسستي مياه لبنان الشمالي ومياه البقاع.
أما مستحقات مؤسستي مياه بيروت وجبل لبنان، فتتراوح بين 10 و12 مليون دولار، فيما تبلغ ديون بلدية بيروت وحدها نحو مليون دولار.
وتشير المصادر إلى أن بعض البلديات والجهات العامة بدأ تسديد ما يتوجب عليه، في حين لا تزال مؤسسات أخرى متأخرة عن الدفع. وتتابع كهرباء لبنان هذه الملفات مباشرة مع الإدارات المعنية، من دون الدخول في سجالات علنية أو تسمية الجهات المتخلفة، مؤكدة أن كل جهة معنية تدرك حجم ديونها.
أزمة التحصيل تهدد تأمين الفيول
يرتبط تحصيل المستحقات بصورة مباشرة بقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على شراء الفيول واستمرار إنتاج الطاقة. فالمؤسسة تحتاج إلى السيولة لتغطية الرواتب والأجور، وتسديد مستحقات مقدمي الخدمات، وتمويل تشغيل المعامل، وتأمين شحنات الوقود اللازمة لتوليد الكهرباء.
وفي هذا السياق، تكشف المصادر أن كلفة باخرة الفيول المتوقع وصولها في العشرين من الشهر تبلغ نحو 60 إلى 61 مليون دولار، فيما لم يكن المبلغ اللازم لفتح الاعتماد المصرفي قد تأمّن حتى وقت التصريحات. وتشير التقديرات إلى أن المخزون المتوافر يكفي حتى التاسع عشر من الشهر المقبل، ما يجعل تأمين التمويل في الوقت المناسب ضرورة لتفادي تأخير وصول الشحنة وتفريغها.
وتوضح المصادر أن وصول الباخرة إلى المرفأ لا يعني إمكانية تفريغ حمولتها تلقائياً، إذ يتطلب الأمر فتح الاعتماد المصرفي اللازم لتغطية تكلفتها. وتطلب المؤسسة شحنات الوقود شهرياً وفق احتياجات التشغيل، لكنها تحتاج إلى توافر الأموال في المواعيد المحددة، ولا يمكنها انتظار تسديد جميع الجهات لمستحقاتها من دون تأمين التمويل الضروري.
التسوية بين إسقاط الديون والتقسيط
تضع المهلة المحددة المخيمات الفلسطينية أمام خيارين أساسيين: تسوية المستحقات وفق الشروط التي تطرحها المؤسسة، أو مواجهة احتمال قطع التغذية الكهربائية. وتتمثل أبرز مخارج الحل في استعداد كهرباء لبنان للتنازل عن الديون القديمة، مقابل تسديد المستحقات الجديدة المحسوبة وفق التعرفة المعتمدة منذ عام 2022، والتي تقدر بنحو 50 مليون دولار.
كما يشكل تقسيط المبالغ المستحقة على فترة طويلة قد تصل إلى عشر سنوات خياراً مطروحاً لتخفيف عبء الدفع الفوري، شرط بدء التسديد والالتزام بالخطة المتفق عليها.
وتتجاوز الأزمة ملف المخيمات، لتكشف حجم الضغوط المالية التي تواجهها المؤسسة نتيجة تراكم الديون على الإدارات العامة ومؤسسات المياه والبلديات، بالتزامن مع ارتفاع الحاجة إلى السيولة لتأمين الوقود وتشغيل معامل الإنتاج. وفي ظل اقتراب موعد شحنة الفيول، يبقى تحصيل المستحقات وتأمين الاعتمادات المالية عاملين أساسيين لاستمرار التغذية الكهربائية وتجنب مزيد من الضغوط على القطاع.
أبرز الأرقام
- 50 مليون دولار: مستحقات المخيمات الفلسطينية وفق التعرفة المعتمدة منذ عام 2022.
- 12 مليون دولار شهرياً: قيمة المستحقات المتوجبة على الإدارات والمؤسسات العامة.
- 50 مليون دولار: المبالغ التي سددتها الإدارات والمؤسسات العامة من أصل نحو 300 مليون دولار.
- 22 مليون دولار: الديون المتبقية على مطار بيروت الدولي، بعدما كانت نحو 34 مليوناً.
- 10 ملايين دولار: مستحقات وزارة الأشغال العامة والنقل.
- 5 ملايين دولار: مستحقات وزارة الاتصالات.
- 70 مليون دولار: مستحقات مؤسسة مياه لبنان الجنوبي.
- 60 إلى 61 مليون دولار: الكلفة المقدرة لشحنة الفيول المنتظرة.