تتصاعد الخلافات السياسية بشأن إدارة قضاء سنجار غربي محافظة نينوى شمالي العراق، مع استمرار التنافس على منصب القائممقام، وسط تباينات بين بغداد وحكومة إقليم كردستان والقوى المحلية حول الجهة التي تتولى إدارة المنطقة، ما يعرقل استكمال ترتيبات الاستقرار ويفتح الباب أمام تجدد التوترات السياسية.
وجاء تحذير حكومة إقليم كردستان، الأربعاء، من تفاهمات تجريها الحكومة الاتحادية بشأن مستقبل الإدارة المحلية في سنجار، ليؤكد اتساع فجوة الخلاف حول آليات حسم الملف، رغم التقدم الأمني الذي أحرزته بغداد في بسط سلطتها على القضاء، الواقع قرب الحدود السورية.
تخضع سنجار حالياً لسلطة الحكومة العراقية عقب اتفاقات استهدفت تفكيك التشكيلات المسلحة المحلية، وتسليم أسلحتها ودمج أفرادها في المؤسسات الأمنية الرسمية، إلى جانب مغادرة المقاتلين غير العراقيين المنطقة. غير أن التقدم في الجانب الأمني لم ينهِ الخلافات بشأن إدارة الشؤون المدنية وتحديد الجهة التي تتولى منصب القائممقام.
وتضم سنجار نواحي وبلدات وعشرات القرى الممتدة باتجاه الحدود السورية، ويسكنها عرب وكرد وأيزيديون ومسيحيون، ما يمنح ملف إدارتها أبعاداً سياسية واجتماعية متداخلة. وكانت الحكومة العراقية قد طرحت في وقت سابق مقترحاً لتولي قائد عسكري المنصب بصورة مؤقتة، لكنه واجه رفضاً من قوى سياسية عدة، خصوصاً أطرافاً كردية ترى ضرورة إشراك ممثلي المنطقة في اختيار إدارتها المدنية.
وقدمت الأحزاب والقوى السياسية عشرة مرشحين لشغل المنصب، لكن مجلس محافظة نينوى لم يحسم الاختيار لأي منهم حتى الآن، وسط خلافات حول معايير التعيين والجهات التي ينبغي أن يكون لها الدور الأبرز في القرار.
وخلال السنوات الماضية، أنشأت وحدات حماية سنجار إدارة مدنية محلية لتسيير شؤون المدينة، في وقت تعثرت فيه مشاريع إعادة الإعمار والتأهيل، وظلت عودة النازحين محدودة بسبب استمرار التحديات الأمنية والسياسية والخدمية. ورفضت بغداد التعامل مع تلك الإدارة باعتبارها غير شرعية، قبل أن تعيد عودة القضاء إلى سلطة الحكومة الاتحادية مسألة تشكيل إدارة محلية معترف بها إلى صدارة النقاش.
وفي بيان صدر فجر الأربعاء، اعترضت حكومة إقليم كردستان على ما وصفته بتفاهمات أحادية تجريها بغداد بشأن سنجار، معتبرة أنها تتعارض مع اتفاق تطبيع الأوضاع الموقع برعاية الأمم المتحدة عام 2020، والذي نص على دور مشترك للحكومتين الاتحادية والإقليمية في معالجة
ملف المنطقة.
وطالبت حكومة الإقليم بإدارة شرعية يمثل أعضاؤها سكان سنجار، في موقف فُهم على أنه رفض لتسمية قائد عسكري لإدارة القضاء مدنياً، أو حسم المنصب من خلال تفاهمات بين الأحزاب من دون مشاركة محلية كافية.
وقال عضو مجلس محافظة نينوى أحمد عبد ربه، في تصريح لصحيفة «العربي الجديد»، إن اليومين الماضيين شهدا تصاعداً في الخلافات بشأن منصب قائممقام سنجار، مشيراً إلى ضغوط تمارسها أطراف سياسية، فضلاً عن تدخلات خارجية، بهدف التأثير في مسار اختيار الإدارة الجديدة.
وأضاف أن الأزمة تجاوزت التنافس على موقع إداري، لتتصل بتشابك المصالح والنفوذ داخل محافظة نينوى، الأمر الذي يزيد صعوبة التوصل إلى تفاهمات تضمن استقرار المؤسسات المحلية وتمنع استمرار الخلافات.
من جهته، حذر قائممقام سنجار السابق والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني محما خليل من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع وإعاقة الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار. وشدد على ضرورة إبعاد إدارة القضاء عن الضغوط السياسية، وعدم استخدام الملف الإداري لتحقيق مصالح حزبية على حساب سكان المنطقة.
وأشار خليل إلى أن استمرار التنافس على النفوذ يهدد بتأخير الملفات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتسهيل عودة النازحين، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن والاستقرار.
وفي تطور موازٍ، اتهم «تحالف القضية الأيزيدية» أطرافاً سياسية بإجراء تفاهمات سرية تهدف، بحسب وصفه، إلى إعادة بسط نفوذها على سنجار وناحية الشمال. وذكر التحالف أن محافظ نينوى عبد القادر الدخيل سبق أن تعهد باختيار إدارة مستقلة للقضاء، لكنه تراجع عن موقفه، وفق البيان، بعد دخول الحزب الديمقراطي الكردستاني في مفاوضات بشأن الملف.
وانتقد التحالف إعادة فتح باب الترشح لمدة يومين بعد إغلاقه، ثم العودة إلى القرار السابق، معتبراً أن هذه الخطوات تثير تساؤلات بشأن وجود تفاهمات لتمرير مرشحين مقربين من الحزب. وحذر من التعامل مع سنجار باعتبارها مجالاً لتقاسم النفوذ بين القوى السياسية المتنافسة.
ولوّح التحالف بتنظيم احتجاجات سلمية واعتصامات وعصيان مدني إذا استمرت محاولات فرض إدارة لا تحظى بقبول الأهالي، داعياً الحكومة الاتحادية إلى تعيين إدارة مستقلة مؤقتة تتولى شؤون القضاء إلى حين إجراء انتخابات مجالس المحافظات المقبلة.
وكان مجلس محافظة نينوى قد أغلق، الخميس الماضي، باب التقديم لمنصب قائممقام سنجار، بعد استمراره خمسة أيام، وفق شروط تضمنت أن يكون المرشح من أبناء المحافظة، وألا يقل عمره عن 30 عاماً، وأن يمتلك خدمة وظيفية لا تقل عن عشر سنوات، مع عدم انتمائه إلى حزب البعث وخلو سجله من قيود جنائية سابقة.
وبينما تسعى بغداد إلى تثبيت سلطتها الإدارية والأمنية في سنجار، لا يزال الخلاف بشأن اختيار القائممقام عقبة أمام استكمال ترتيبات الحكم المحلي. ويظل التوصل إلى صيغة مقبولة من الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان والقوى المحلية عاملاً أساسياً في دفع جهود إعادة الإعمار وعودة النازحين وتحسين الخدمات، بعيداً عن استمرار التنافس السياسي على إدارة القضاء.