الانتخابات الأميركية والسياسة الخارجية: من يدفع ثمن الحروب؟

2026.10.27 - 19:48
Facebook Share
طباعة

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في 3 تشرين الثاني 2026، لم تعد السياسة الخارجية ملفاً منفصلاً عن الأزمات الداخلية التي تواجه الأميركيين. فالحرب مع إيران، والإنفاق العسكري، والمساعدات المقدمة لإسرائيل، والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، باتت جميعها مرتبطة بأسئلة مباشرة يطرحها الناخبون حول كلفة القرارات المتخذة في واشنطن، والجهات التي تتحمل أعباءها، ومدى انعكاسها على حياتهم اليومية.

وتأتي الانتخابات في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي تراجعاً في الثقة بإدارة ترامب للملفات الخارجية، بالتوازي مع اتساع النقاش بشأن استمرار العمليات العسكرية الأميركية وأهدافها. وفي حين تدافع الإدارة عن خياراتها باعتبارها ضرورية لحماية المصالح الأميركية وإعادة ترتيب العلاقات الدولية، تتزايد التساؤلات حول النتائج التي حققتها هذه السياسات، ومدى وضوح أهدافها، وما إذا كانت الكلفة المالية والبشرية والاقتصادية تتناسب مع النتائج المعلنة.

ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد الحزب الذي سيسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بل تشمل أيضاً تحديد مدى قدرة الكونغرس على مراقبة قرارات البيت الأبيض، ومراجعة الإنفاق العسكري، وفرض شروط على المساعدات الخارجية. فالرئيس يستطيع اتخاذ قرارات واسعة في السياسة الخارجية، لكن استمرار العمليات العسكرية وتمويلها وتثبيت كثير من خياراتها يرتبط بتوازنات سياسية ومؤسساتية لا يمكن تجاهلها.

وفي هذا السياق، تبرز مفارقة أساسية: بينما تُقدَّم الحروب والتحالفات العسكرية باعتبارها استثمارات في الأمن القومي، يطالب جزء متزايد من الأميركيين بتفسير واضح لكلفتها، وبمعرفة ما إذا كانت هذه الالتزامات الخارجية تأتي على حساب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

 

حرب إيران تكشف اتساع الفجوة بين الإدارة والرأي العام

تحولت الحرب مع إيران إلى أحد أبرز الاختبارات السياسية لإدارة ترامب، ليس بسبب تطوراتها العسكرية وحدها، بل نتيجة الشكوك بشأن مدتها وأهدافها النهائية وتداعياتها الاقتصادية. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت أهمية الأسئلة المتعلقة بما إذا كانت العمليات تحقق نتائج قابلة للقياس، أو تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف والتوتر الإقليمي.

وأظهر استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث، نُشر في 8 تشرين الأول 2026، أن 65% من الأميركيين لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع العمل العسكري الأميركي ضد إيران، مقابل 33% أبدوا موافقتهم. وأُجري الاستطلاع بين 28 أيلول و4 تشرين الأول على عينة من 5062 بالغاً أميركياً.

كما أظهر الاستطلاع أن 77% من المشاركين يتوقعون استمرار العمليات العسكرية ستة أشهر إضافية على الأقل، فيما قال 52% إن ثقتهم بقدرة الإدارة على تحقيق أهدافها في الصراع محدودة أو معدومة. وتراجعت نسبة الذين اعتبروا قرار استخدام القوة العسكرية صحيحاً إلى 34%، مقارنة بمستويات أعلى في بداية المواجهة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأنها لا تعكس اعتراضاً سياسياً من خصوم ترامب وحدهم؛ فقد أشار المركز إلى تراجع التأييد داخل القاعدة الجمهورية أيضاً، وإن ظل الجمهوريون أكثر دعماً للعمليات من الديمقراطيين. وانخفضت نسبة الجمهوريين والمستقلين المائلين إلى الحزب الجمهوري الذين يوافقون على طريقة إدارة الحرب من 69% في آذار إلى 63% في تشرين الأول.

ولا تعني هذه النتائج أن الأميركيين يتبنون موقفاً موحداً من إيران أو يتفقون على شروط إنهاء الحرب، لكنها تكشف عن فجوة بين التبريرات التي تقدمها الإدارة ومستوى الثقة بقدرتها على تحقيق أهدافها. كما تضع البيت الأبيض أمام تحدي تفسير سبب استمرار العمليات، وما الذي يمكن أن يشكل نهاية واضحة لها، وكيف ستُقاس نتائجها بعد انتهاء المواجهة.

وتزداد حساسية الملف مع اقتراب الانتخابات، لأن أي تطور عسكري أو ارتفاع إضافي في تكاليف الطاقة يمكن أن يعيد فتح النقاش بشأن جدوى استمرار الحرب. وفي هذه الحالة، لا يعود القرار العسكري محصوراً بتقديرات المؤسسات الأمنية، بل يصبح جزءاً من المحاسبة السياسية على أداء الإدارة وأولوياتها.

 

انتخابات لا تغيّر الرئيس لكنها قد تحدّ من صلاحياته العملية

تُجرى انتخابات التجديد النصفي في منتصف الولاية الرئاسية، ويُنتخب خلالها جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، ونحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ. ولا تؤدي هذه الانتخابات إلى تغيير الرئيس، لكنها قد تعيد تشكيل البيئة السياسية التي يعمل ضمنها، وتحدد مدى سهولة تمرير الموازنات والتشريعات والقرارات المرتبطة بالسياسة الخارجية.

يمتلك مجلس النواب دوراً محورياً في إقرار الإنفاق والاعتمادات المالية، بينما يشارك مجلس الشيوخ في التشريع والمصادقة على المعاهدات وتعيين كبار المسؤولين والسفراء. ويستطيع المجلسان ممارسة الرقابة من خلال جلسات الاستماع والتحقيقات وطلب الوثائق والإحاطات من مسؤولي الإدارة.

وإذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في المجلسين، فقد تتمكن الإدارة من تمرير أجزاء أكبر من برنامجها، وإن لم يكن ذلك ضماناً لغياب الخلافات داخل الحزب نفسه. أما انتقال السيطرة على أحد المجلسين إلى الديمقراطيين، فقد يفتح المجال أمام رقابة أشد على الحرب مع إيران، ومراجعة المساعدات العسكرية، وطرح شروط جديدة على بعض أوجه الإنفاق الخارجي.

لكن تغيير الأغلبية لا يعني تلقائياً وقف العمليات العسكرية أو إنهاء المساعدات لإسرائيل. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة في إدارة العلاقات الخارجية واستخدام القوات المسلحة، كما أن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب عادة أغلبية الثلثين في كلا المجلسين. ولهذا قد يظهر تأثير الكونغرس في صورة ضغوط على التمويل، أو تحقيقات بشأن القرارات، أو محاولات لفرض قيود تشريعية، بدلاً من تغيير فوري وشامل في السياسة.

وتبرز هنا أهمية الرقابة البرلمانية، خصوصاً عندما تستمر العمليات العسكرية من دون توافق سياسي واسع على مدتها أو أهدافها. فالسؤال لا يتعلق فقط بمن يمتلك الصلاحية القانونية لإصدار القرار، بل أيضاً بمدى خضوع هذا القرار للمساءلة، وبقدرة المشرعين على معرفة تكلفته والنتائج التي حققها.

 

صلاحيات الحرب: من يقرر ومن يتحمل المسؤولية؟

يمنح الدستور الأميركي الرئيس دور القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه يمنح الكونغرس صلاحيات تتعلق بإعلان الحرب وتمويل الجيش وتنظيم القوات المسلحة. وقد أدى التداخل بين هذه الصلاحيات إلى خلافات مستمرة حول حدود قدرة الرئيس على بدء العمليات العسكرية أو استمرارها من دون تفويض تشريعي واضح.

وينظم قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 جانباً من العلاقة بين السلطتين، إذ يهدف إلى إشراك الكونغرس في القرارات المتعلقة بإدخال القوات الأميركية في الأعمال القتالية واستمرارها. إلا أن تطبيق القانون ظل موضع خلاف، خصوصاً عندما ترى الإدارة أن العملية محدودة أو تستند إلى صلاحيات دستورية قائمة، بينما يطالب معارضوها بموافقة تشريعية صريحة.

وخلال عام 2026، ظهر هذا الخلاف في النقاش بشأن الحرب مع إيران. ففي 24 أيلول، رفض مجلس الشيوخ قراراً كان يطالب بإنهاء الحرب أو بالحصول على تفويض من الكونغرس لاستمرارها، بنتيجة 50 صوتاً مقابل 49. وصوّت أربعة أعضاء جمهوريين إلى جانب الإجراء الذي طرحه الديمقراطيون، في مؤشر إلى وجود تحفظات داخل الحزب الحاكم بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية.

ويكشف التصويت أن الاعتراض على طريقة إدارة الحرب لا يقتصر بالضرورة على الحزب المعارض، لكنه يوضح أيضاً صعوبة تحويل الاعتراض إلى تغيير فعلي عندما لا تتوافر أغلبية كافية. وبينما يستمر الجدل بشأن الصلاحيات، تبقى الإدارة في موقع اتخاذ القرارات التنفيذية، في حين يواجه الكونغرس تحدياً في تحويل الرقابة إلى قيود عملية على استمرار العمليات.

ولا تقتصر المساءلة على التصويت على قرارات الحرب. إذ يمكن للجان المختصة طلب معلومات بشأن الأهداف العسكرية، والمدة المتوقعة للعمليات، والمخاطر التي تواجه القوات الأميركية، والتكاليف المباشرة وغير المباشرة. وتصبح هذه الأدوات أكثر أهمية عندما تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج التي يستطيع المسؤولون إثباتها.

 

المساعدات لإسرائيل: نقاش متصاعد حول الأولويات الأميركية

تُعد المساعدات العسكرية لإسرائيل من أبرز الملفات التي تعكس التوتر بين التزامات السياسة الخارجية والمطالب الداخلية في الولايات المتحدة. فعلى مدى عقود، استند الدعم الأميركي إلى اعتبارات استراتيجية وعسكرية، لكنه بات يواجه نقاشاً متزايداً بشأن شروط استخدام الأسلحة، وكلفة استمرار التمويل، وعلاقة هذه المساعدات بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وبالتطورات الأوسع في الشرق الأوسط.

ولا يدور النقاش حول حجم التمويل فقط، بل يشمل أيضاً مدى ارتباط المساعدات بمصالح الأميركيين، وما إذا كان ينبغي أن تكون مشروطة بقيود أو التزامات محددة، وكيف يمكن للكونغرس التأكد من أن الأسلحة المقدمة لا تُستخدم في ظروف تتعارض مع القوانين أو الشروط الأميركية ذات الصلة.

وفي استطلاع نشره مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في 1 تشرين الأول 2026، قال 56% من الأميركيين إنهم يؤيدون خفض المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل أو وقفها بالكامل؛ إذ فضّل 21% خفضها، فيما أيد 35% إنهاءها. وارتفعت نسبة المؤيدين لخفض المساعدات أو وقفها إلى 72% بين الديمقراطيين و64% بين المستقلين، بينما أيد 68% من الجمهوريين الإبقاء على المساعدات أو زيادتها.

وجاءت هذه النتائج ضمن استطلاع شمل 2304 بالغين أميركيين، وأُجري بين 10 و21 تموز 2026. وأشار المجلس إلى أن النظرة الأميركية إلى إسرائيل تراجعت إلى أدنى مستوى في سلسلة استطلاعاته، مع تسجيل تغيرات لدى المستقلين والديمقراطيين، فضلاً عن تراجع أقل حجماً بين الجمهوريين.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يحظى بالمستوى نفسه من التوافق الشعبي الذي اتسمت به مراحل سابقة، وأن استمرار المساعدات بات موضوعاً قابلاً للجدل الانتخابي، خصوصاً في ظل الحرب الإقليمية والتداعيات الإنسانية للصراعات. لكن الانقسام الحزبي لا يزال واضحاً، كما أن المواقف العامة لا تتحول بالضرورة إلى تشريعات ما لم تتوافر أصوات كافية داخل الكونغرس.

وتبرز المسألة بصورة أكثر وضوحاً عندما يُقارن الإنفاق الخارجي بالمطالب المتعلقة بتكاليف المعيشة والخدمات العامة. فبالنسبة إلى الناخبين الذين يطالبون بتقليص المساعدات أو فرض شروط عليها، لا يتعلق الأمر بالضرورة برفض كل علاقة مع إسرائيل، بل بالاعتراض على استمرار التمويل العسكري في ظل نتائج يرون أنها لا تتناسب مع الكلفة السياسية والإنسانية والمالية.

وفي المقابل، يتمسك مؤيدو المساعدات باعتبارات تتعلق بالأمن والتحالفات والتعاون العسكري. لكن استمرار هذا التباين يجعل الملف أكثر عرضة للمراجعة السياسية، ويفتح الباب أمام نقاش بشأن شروط التمويل والرقابة على استخدام الأسلحة، حتى إذا لم يتوصل الكونغرس إلى اتفاق بشأن وقف المساعدات بصورة كاملة.

 

أوكرانيا وأوروبا: الالتزامات الخارجية في مواجهة الحسابات الداخلية

يمثل الدعم الأميركي لأوكرانيا والعلاقة مع الحلفاء الأوروبيين اختباراً آخر للسياسة الخارجية في موسم الانتخابات. فقد سعت إدارة ترامب إلى إعادة تقييم الالتزامات الأميركية وربط بعض أشكال الدعم بمطالب تتعلق بتقاسم الأعباء والإنفاق الدفاعي، بينما يرى مؤيدو استمرار المساعدات أن طريقة التعامل مع روسيا تؤثر في الأمن الأوروبي وفي طبيعة التوازنات الدولية.

ولا يقتصر الخلاف على قيمة المساعدات، بل يشمل نوعها وشروط تقديمها، والجهة التي تتحمل مسؤولية استمرار الدعم، ومدى وضوح الأهداف السياسية التي يُفترض أن يحققها. كما يطرح تساؤلات حول قدرة الحلفاء الأوروبيين على تحمل أعباء أكبر إذا قلصت واشنطن التزاماتها، وحول النتائج التي قد تترتب على تغيير الأولويات الأميركية.

وتكشف هذه الملفات أن المساعدات الخارجية لا تُناقش بمعزل عن المصالح الاقتصادية والأمنية، لكنها أيضاً ليست بمنأى عن الحسابات الحزبية. فكل تغيير في حجم التمويل أو وجهته يمكن أن يتحول إلى موضوع للمساءلة داخل الكونغرس، خصوصاً إذا رأى المشرعون أن الإدارة تعيد ترتيب البرامج من دون معلومات كافية أو من دون احترام الغرض الذي خُصصت الأموال من أجله.

وفي تقرير صدر في 30 أيلول 2026، تناول مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي التغييرات الواسعة التي طاولت برامج المساعدات الخارجية بعد القرارات التنفيذية التي بدأت في عام 2025. وذكر التقرير أن نحو 6780 من أصل 7510 منح واتفاقيات كانت تديرها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أُنهيت بين كانون الثاني 2025 وآذار 2026، استناداً إلى بيانات قدمتها وزارة الخارجية.

كما أشار التقرير إلى وجود نواقص في الإرشادات المكتوبة التي يفترض أن تساعد على ضمان اتساق القرارات المتعلقة بالمساعدات وفاعليتها. ولا يحسم ذلك الخلاف بشأن جدوى البرامج الملغاة أو المستمرة، لكنه يسلط الضوء على أسئلة تتعلق بآليات اتخاذ القرار، وشفافية التنفيذ، والقدرة على تقييم النتائج بعد إعادة توزيع الموارد.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما تتزامن مراجعة المساعدات مع استمرار الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط. فالمسألة تصبح مرتبطة بكيفية توزيع الموارد بين الالتزامات الخارجية، وما إذا كانت القرارات تستند إلى استراتيجية واضحة أم إلى أولويات تتغير تبعاً للظروف السياسية.

 

الرسوم الجمركية: كلفة السياسة الخارجية تصل إلى المستهلك

لم تعد السياسة الخارجية الأميركية مقتصرة على الحروب والتحالفات، بل أصبحت الرسوم الجمركية جزءاً أساسياً من أدوات الضغط التي تستخدمها إدارة ترامب في تعاملها مع الشركاء التجاريين. وقد أدت هذه السياسة إلى نزاعات قانونية وتجارية، وأثارت نقاشاً بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية، فضلاً عن آثارها في الشركات والمستهلكين.

وفي 20 شباط 2026، أصدرت المحكمة العليا الأميركية حكماً قيّد استخدام الإدارة لصلاحيات الطوارئ الاقتصادية التي استندت إليها في فرض مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية. ولم يُنهِ الحكم جميع صلاحيات الرئيس المتعلقة بالتعريفات، لكنه حدّ من الأساس القانوني الذي استُخدم في فرض مجموعة من الإجراءات، ما دفع الإدارة إلى البحث عن مسارات قانونية أخرى.

وتظهر أهمية هذا الملف في أن الرسوم التي تُقدم باعتبارها وسيلة للضغط على الدول الأخرى قد تتحول أيضاً إلى عبء على الشركات المستوردة والمستهلكين المحليين، بحسب كيفية انتقال تكاليفها عبر سلاسل التوريد. كما أن عدم اليقين بشأن استمرار الرسوم أو تعديلها يجعل التخطيط التجاري أكثر صعوبة، وقد يدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمارات أو إعادة تنظيم مصادر الاستيراد.

وتتصل هذه التداعيات مباشرة بالنقاش الانتخابي، لأن الناخبين لا يقيمون السياسة الخارجية من خلال نتائجها الدبلوماسية وحدها، بل أيضاً عبر أثرها على أسعار السلع والطاقة والقدرة الشرائية. وعندما تتزامن الرسوم مع حرب تؤثر في أسواق الطاقة، يصبح من الصعب فصل السياسة الخارجية عن المشكلات الاقتصادية اليومية.

 

الرأي العام: اعتراض على الكلفة قبل الاتفاق على البديل

أظهر استطلاع نشرته وكالة أسوشيتد برس ومركز «نورك» للأبحاث في 22 تشرين الأول 2026 أن نحو 70% من الناخبين المسجلين يريدون من الكونغرس المقبل إعطاء أولوية لإنهاء الحرب مع إيران، بينما قال نحو 80% إن خفض تكاليف المعيشة يجب أن يكون من أولوياته الأساسية. وفي المقابل، أبدى نحو 40% تأييدهم لجعل التحقيق في إدارة ترامب أولوية رئيسية للكونغرس.

وتشير هذه النتائج إلى أن الاعتراض على الحرب يرتبط بمطالب داخلية أوسع، ولا يقتصر على الخلافات الحزبية بشأن الرئيس. فجزء من النقاش يتمحور حول ما إذا كان استمرار العمليات العسكرية يبرر ما يترتب عليه من أعباء، وما إذا كان ينبغي توجيه مزيد من الاهتمام إلى الأسعار والميزانية والخدمات التي تمس حياة الأميركيين بصورة مباشرة.

لكن الرأي العام لا يقدم بالضرورة بديلاً موحداً للسياسة القائمة. فقد يطالب الناخبون بإنهاء الحرب، من دون الاتفاق على شروط التسوية أو على دور الولايات المتحدة بعد توقف العمليات. وقد يؤيدون خفض المساعدات لإسرائيل، مع اختلافهم حول ما إذا كان ينبغي تقليصها تدريجياً أو وقفها كلياً. كما قد يرفضون ارتفاع الإنفاق العسكري، لكنهم يختلفون حول حجم الدور الذي يجب أن تؤديه واشنطن في الخارج.

ولهذا، لا يمكن التعامل مع الاستطلاعات بوصفها تفويضاً سياسياً واضحاً لإجراء واحد، لكنها تظل مؤشراً على حدود الدعم الشعبي للقرارات الحالية. وتزداد أهميتها عندما تتقاطع مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة بقدرة الإدارة على تحقيق أهدافها، لأن هذه العوامل تجعل السياسة الخارجية جزءاً من المحاسبة الانتخابية بدلاً من بقائها ملفاً بعيداً عن اهتمامات الناخبين.

 

ما الذي يمكن أن يتغير بعد الانتخابات؟

يتوقف حجم التغيير المحتمل على توزيع المقاعد في مجلسي الكونغرس، ومدى قدرة المشرعين على بناء توافق يتجاوز الانقسام الحزبي. فإذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على المجلسين، فقد تستمر الإدارة في تمرير أجزاء واسعة من برنامجها، وإن كانت الخلافات داخل الحزب قد تفرض تعديلات على بعض الملفات.

أما إذا انتقلت السيطرة على أحد المجلسين إلى الديمقراطيين، فقد تتوسع التحقيقات بشأن الحرب مع إيران، وتزداد محاولات فرض شروط على الإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية، وتواجه الإدارة صعوبة أكبر في تمرير بعض التشريعات والموازنات. وقد يصبح الكونغرس منصة أكثر نشاطاً لمراجعة قرارات البيت الأبيض، حتى إذا لم يتمكن من وقف العمليات العسكرية بصورة مباشرة.

وفي ملف إسرائيل، قد تتجه النقاشات إلى شروط استخدام الأسلحة وآليات الرقابة على المساعدات، بدلاً من الاقتصار على الخلاف بشأن مبدأ الدعم. وفي ملف إيران، قد تتركز الضغوط على مدة العمليات والأهداف النهائية وكلفة استمرارها. أما في أوروبا، فقد تدور المناقشات حول توزيع المسؤوليات المالية والعسكرية بين واشنطن وحلفائها.

ومع ذلك، لن تكون الانتخابات العامل الوحيد الذي يحدد المسار. فالتطورات العسكرية وأسعار الطاقة والمفاوضات الدولية والعلاقات مع الصين وروسيا يمكن أن تفرض تغييرات على أولويات الإدارة والكونغرس. وقد يؤدي تصعيد جديد إلى تعزيز الدعم للعمليات، أو إلى زيادة الاعتراض عليها إذا ارتفعت الكلفة ولم تتضح النتائج.

 

الخلاصة: من يحدد الأولويات ومن يتحمل الكلفة؟

تكشف انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 عن اتساع النقاش الأميركي بشأن العلاقة بين الالتزامات الخارجية والأولويات الداخلية. فالحرب مع إيران تواجه رفضاً واسعاً وفق استطلاعات حديثة، والمساعدات العسكرية لإسرائيل باتت موضع خلاف شعبي متزايد، فيما تثير الرسوم الجمركية وإعادة ترتيب برامج المساعدات أسئلة حول الكلفة والرقابة والنتائج.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستنهي حروبها أو تعيد صياغة تحالفاتها بمجرد تغير الأغلبية في الكونغرس. لكن الانتخابات قد تحدد مدى قدرة الإدارة على مواصلة سياساتها من دون رقابة أشد، أو على تمرير تمويل إضافي، أو على تجاهل المطالب المتعلقة بتفسير الأهداف وتحديد سقف زمني وتوضيح النتائج.

وتبرز في هذا السياق فجوة بين الخطاب الذي يربط الإنفاق العسكري بالأمن القومي، وبين مطالب قطاعات من المجتمع الأميركي التي تريد معرفة ما إذا كانت هذه النفقات تحقق نتائج ملموسة، ولماذا تستمر الالتزامات الخارجية بينما تتصاعد الضغوط الاقتصادية في الداخل. كما يكشف الجدل بشأن المساعدات لإسرائيل أن التحالفات التي اعتُبرت لفترة طويلة خارج نطاق الخلاف الانتخابي أصبحت أكثر عرضة للمساءلة، وإن بقيت الانقسامات الحزبية واضحة.

في النهاية، لا تختصر الانتخابات الأميركية السياسة الخارجية في اختيار حزب بديل، بل تحدد من يمتلك القدرة على مراقبة القرارات، ومراجعة الإنفاق، وفرض شروط على استمرار السياسات القائمة. وبين صلاحيات الرئيس ودور الكونغرس وضغط الرأي العام، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الإدارة ستقدم مساراً واضحاً يربط الأهداف المعلنة بالنتائج والتكاليف، أم أن القرارات الخارجية ستواصل إنتاج أعباء داخلية تتزايد المطالب بمراجعتها.

 

 

المصادر والمراجع
1. مركز بيو للأبحاث، 8 تشرين الأول 2026 — استطلاع حول رفض الأميركيين طريقة إدارة ترامب للعمل العسكري ضد إيران وتوقعاتهم باستمرار الصراع:
https://www.pewresearch.org/short-reads/2026/10/08/iran-conflict-remains-deeply-unpopular-as-many-americans-expect-it-to-go-on-for-months/

2. مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، 1 تشرين الأول 2026 — استطلاع حول أثر السياسة الخارجية لإدارة ترامب في الأوضاع الاقتصادية ومواقف الأميركيين من المساعدات العسكرية لإسرائيل:
https://globalaffairs.org/survey-americans-feel-economic-pinch-trumps-foreign-policy-ahead-midterm-elections

3. أسوشيتد برس ومركز نورك، 22 تشرين الأول 2026 — أولويات الناخبين بشأن كلفة المعيشة والحرب مع إيران ودور الكونغرس المقبل:
https://apnews.com/article/441515a34e4b28c812f694754ac0582a

4. مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي، 30 أيلول 2026 — تقرير حول التغييرات في برامج المساعدات الخارجية وإجراءات إدارتها والرقابة عليها:
https://www.gao.gov/products/gao-26-108607

5. رويترز، 24 أيلول 2026 — تصويت مجلس الشيوخ على قرار يتعلق بصلاحيات الحرب مع إيران:
https://www.investing.com/news/politics-news/us-democrats-tee-up-preelection-war-powers-vote-as-some-republicans-break-with-trump-on-iran-4915043

6. المحكمة العليا الأميركية، 20 شباط 2026 — حكم بشأن حدود استخدام صلاحيات الطوارئ الاقتصادية لفرض التعريفات الجمركية:
https://www.supremecourt.gov/opinions/25pdf/24-1287_4gcj.pdf

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


الانتخابات الامريكية

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4

اقرأ أيضاً