حذر رئيس الوزراء القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم من مخاطر الاكتفاء بهدنة مؤقتة في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، معتبرًا أن غياب اتفاق واضح يعالج أسباب الصراع قد يضع المنطقة أمام جولة جديدة من التصعيد. وجاءت تحذيراته بالتزامن مع تحركات إقليمية في طهران، بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان، لبحث سبل خفض التوتر ودعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة.
وأكد بن جاسم أن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب تمثل فرصة للتوصل إلى تسوية تضع حدًا للمواجهات وتمنع تجددها، معربًا عن أمله في أن تنجح الاتصالات السياسية في الوصول إلى اتفاق صريح يتجاوز حدود التهدئة المرحلية. وشدد على أن وقف إطلاق النار لفترة محدودة لا يضمن الاستقرار ما لم يترافق مع معالجة الملفات التي أدت إلى اندلاع المواجهة.
وأشار المسؤول القطري السابق إلى أن الهدن المؤقتة قد تؤجل الانفجار بدلًا من منع وقوعه، خصوصًا إذا استمرت الخلافات الأساسية من دون حلول واضحة. وحذر من أن بقاء الأزمة مفتوحة على الاحتمالات العسكرية قد يجعل المنطقة عرضة لتطورات مفاجئة يصعب احتواء تداعياتها، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية واتساع نطاق التوتر.
ودعا بن جاسم الأطراف المعنية إلى تغليب العقل والواقعية ومصلحة المنطقة على الحسابات السياسية الآنية، مؤكدًا أن دول الشرق الأوسط تتحمل جانبًا كبيرًا من كلفة استمرار الحروب، سواء على مستوى الأمن والاستقرار أو الاقتصاد وحركة التجارة والاستثمار. وشددت رسالته على أهمية التوصل إلى تسوية مستدامة تمنع عودة المواجهات وتحد من انعكاساتها على شعوب المنطقة.
اجتماع رباعي في طهران لبحث خفض التصعيد
تزامنت تصريحات بن جاسم مع اجتماع رباعي عُقد في العاصمة الإيرانية طهران، الاثنين، بمشاركة مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان، في إطار المشاورات المتعلقة بالتطورات الإقليمية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار.
وضم الاجتماع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى جانب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولين إيرانيين. وتركزت المحادثات على تداعيات الحرب، وإمكانات خفض التصعيد، ودعم المسارات السياسية التي يمكن أن تحد من مخاطر اتساع المواجهة.
وتأتي مشاركة هذه الدول في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قنوات اتصال إقليمية قادرة على تقريب وجهات النظر، في ظل استمرار التوتر بين طهران وواشنطن وتل أبيب، وما يرافقه من مخاوف بشأن أمن المنطقة واستقرار الممرات الحيوية فيها.
تحمل التحركات الدبلوماسية أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول المجاورة لإيران، التي قد تتأثر مباشرة بأي تصعيد عسكري جديد، سواء من خلال اتساع نطاق العمليات أو اضطراب حركة التجارة والطاقة أو ارتفاع المخاطر الأمنية. كما تتيح المشاورات فرصة لبحث سبل منع انتقال
المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى.
الرياض تدعم الحلول الدبلوماسية
أفادت وزارة الخارجية السعودية بأن زيارة الوفد إلى طهران تأتي ضمن الجهود الرامية إلى خفض التصعيد بين أطراف الأزمة، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، إلى جانب دعم الوساطة التي تضطلع بها قطر وباكستان.
وأعربت الرياض عن تطلعها إلى أن تسهم هذه التحركات في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة ويحول دون العودة إلى التصعيد العسكري، في موقف يؤكد أهمية استمرار التواصل السياسي لمعالجة الخلافات وتجنب اتساع نطاق الصراع.
وتبرز الوساطة الإقليمية باعتبارها أحد المسارات المطروحة لاحتواء الأزمة، خصوصًا مع تداخل الملفات الأمنية والسياسية وتعقّد فرص التوصل إلى تفاهم شامل. غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من الاتصالات الأولية إلى تفاهمات واضحة بشأن وقف المواجهات والحد من أسباب تجددها.
كما أن دعم الحوار لا يقتصر على التوصل إلى وقف مؤقت للعمليات العسكرية، بل يشمل البحث في ضمانات تحول دون انهيار أي اتفاق لاحق، وتوفير آليات للتعامل مع الخلافات التي قد تظهر خلال تنفيذه. فغياب هذه الضمانات قد يعيد الأطراف إلى دائرة التصعيد، حتى بعد التوصل
إلى تفاهمات أولية.
مخاوف من امتداد الحرب إلى ساحات أخرى
تتزامن التحركات السياسية مع مخاوف من تجدد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد يترتب على ذلك من اتساع نطاق العمليات العسكرية وارتفاع مستوى التوتر في الشرق الأوسط. ولا تقتصر تداعيات الحرب على أطرافها المباشرة، إذ يمكن أن تمتد إلى دول أخرى بفعل تشابك المصالح والتحالفات وتعدد بؤر التوتر.
في هذا السياق، تتداخل الأزمة مع التطورات في اليمن، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالهجمات التي تشنها جماعة أنصار الله على السعودية. ويضيف هذا الملف بُعدًا آخر إلى المشهد الإقليمي، في ظل المخاوف من ارتباط مسارات التصعيد ببعضها، بما يصعّب جهود الفصل بين الأزمات أو احتواء كل منها بصورة منفردة.
كما يثير استمرار التوتر مخاوف بشأن أمن الملاحة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والطاقة، وهي قطاعات تتأثر بأي اضطراب واسع في المنطقة. وقد يؤدي تجدد العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الدول المتضررة، فضلًا عن تعقيد جهود التعافي والاستقرار في عدد من الساحات الإقليمية.
وتفرض هذه المخاطر على الأطراف الإقليمية تكثيف الاتصالات وتنسيق المواقف لتجنب انتقال الأزمة إلى مواجهة أوسع. فاستمرار الصراع من دون مسار سياسي واضح قد يفتح المجال أمام حسابات متبادلة وردود فعل يصعب التنبؤ بمداها، خصوصًا في ظل تعدد الأطراف المعنية وتشابك الملفات الأمنية.
الهدنة المؤقتة أمام اختبار التسوية الدائمة
تعكس تحذيرات بن جاسم مخاوف من أن تتحول الهدنة إلى فترة انتظار تسبق جولة جديدة من المواجهات، بدلًا من أن تكون مدخلًا إلى إنهاء الحرب. ويكمن التحدي الأساسي في تحويل التهدئة إلى اتفاق مستقر يحدد الالتزامات المتبادلة، ويضع أسسًا لمعالجة الخلافات، ويحد من احتمالات العودة إلى استخدام القوة.
تحتاج أي تسوية قابلة للاستمرار إلى تفاهمات واضحة بشأن وقف العمليات العسكرية، وضمان الالتزام بالاتفاق، وفتح قنوات اتصال تتيح معالجة الخروقات قبل تحولها إلى تصعيد جديد. كما أن استمرار الوساطات الإقليمية والدولية قد يساعد في توفير مساحة للتفاوض، شريطة أن تقترن الاتصالات بإجراءات عملية تترجم التعهدات إلى نتائج ملموسة.
في المقابل، فإن تعثر الجهود السياسية قد يبقي المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، لا تقتصر آثارها على الأطراف المتحاربة، بل تمتد إلى دول الجوار والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وتزداد أهمية تجنب هذا السيناريو في ظل تعدد بؤر التوتر وصعوبة عزل تداعيات أي مواجهة عن بقية الملفات الإقليمية.
في المحصلة، تضع التحذيرات من تحول الهدنة إلى «قنبلة موقوتة» مسألة التسوية الدائمة في صدارة الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب. وبين التحركات الرباعية في طهران ومساعي الوساطة التي تدعمها دول المنطقة، يبقى التحدي في ترجمة الاتصالات السياسية إلى اتفاق واضح يحد من مخاطر تجدد المواجهة، ويمنح الشرق الأوسط فرصة لاستعادة الاستقرار بعيدًا عن دوامة التصعيد المتكرر.