وفد سعودي باكستاني تركي في طهران لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026.10.26 - 16:03
Facebook Share
طباعة

تستضيف العاصمة الإيرانية طهران اجتماعاً يضم مسؤولين أمنيين وعسكريين من السعودية وتركيا وباكستان، في تحرك دبلوماسي يأتي وسط تصاعد التوتر الإقليمي وتزايد المخاوف من تجدد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويشارك في اللقاء وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، في إطار تحرك مشترك يرتبط باتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي أُبرمت بين الدول الثلاث خلال الشهر الماضي، وفقاً لما أورده التقرير.

تتجاوز أهمية الاجتماع مستوى التمثيل الرفيع، إذ تتداخل على طاولته ملفات اليمن، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، واحتمالات اتساع الصراع العسكري. وبينما تطرح طهران فكرة إنشاء منظومة أمنية تقودها دول المنطقة، تشير تقديرات خبراء إلى أن الزيارة قد تتضمن مساعي لاحتواء التصعيد واستكشاف فرص التفاهم بشأن الأزمات القائمة.

 

تبلورت فكرة اللقاء خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران الأسبوع الماضي، حين أبلغ المسؤولين الإيرانيين قرار الرياض وأنقرة وإسلام آباد إرسال وفد مشترك. ونقل نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني أن المبادرة تهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي بعيداً عن التدخل الخارجي.

 

واعتبر باقري كني، في تصريحات للتلفزيون الإيراني، أن التحرك يتيح للدول المشاركة بحث ترتيبات أمنية تعتمد على قدرات المنطقة، معرباً عن أمله في الاستفادة من التجربة الإيرانية في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية لبناء إطار يضمن الاستقرار والتنمية.

 

أجندة المحادثات

 

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن اللقاء يمثل خطوة نحو تأسيس منظومة أمنية إقليمية، مشيراً إلى أن طهران تدعو منذ سنوات إلى تولي دول المنطقة مسؤولية أمنها بعيداً عن القوى الخارجية.

وأضاف، خلال مؤتمره الصحفي، أن التطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، ولا سيما الأشهر الثمانية الأخيرة، أظهرت إمكانية تعزيز الثقة والتعاون بين دوله.

وأوضح بقائي أن الوفود ستلتقي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، لبحث القضايا المشتركة وتحديد أولويات النقاش. وتشمل الملفات المطروحة التطورات في فلسطين ولبنان، إلى جانب تداعيات العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران وانعكاساتها على أمن المنطقة.

 

من الجانب السعودي، أكد وكيل وزارة الخارجية رائد قرملي، عبر منصة «إكس»، أن وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان سيرأس وفد المملكة في اللقاءات مع المسؤولين الإيرانيين. وأوضح أن التحرك يندرج ضمن جهود الدول المعنية لخفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية.

 

اليمن في حسابات الوفد

 

يرى خبراء أن الأزمة اليمنية قد تكون من أبرز الملفات المطروحة، في ظل تعثر الحلول العسكرية واستمرار تداعيات الصراع على أمن المنطقة. وتشير هذه القراءة إلى احتمال سعي الدول المشاركة إلى توظيف قنوات التواصل مع طهران لدفع مسار التفاوض وإنهاء الحرب.

كما أن انعقاد الاجتماع في العاصمة الإيرانية وعلى هذا المستوى من التمثيل يسلط الضوء على استمرار حضور طهران في الحسابات الأمنية والسياسية الإقليمية، رغم الضغوط التي تواجهها.

 

ويلفت مراقبون إلى التباين بين الموقف السعودي السابق من محادثات استضافتها صلالة بمشاركة إيران ودول خليجية والعراق، وبين الحضور المباشر في طهران. وقد تؤدي تركيا وباكستان دوراً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مستفيدتين من قنوات التواصل القائمة مع الجانبين، بينما يمكن للرياض تقديم ضمانات أو حوافز اقتصادية تساعد على التوصل إلى تفاهمات.

 

كذلك، قد تدخل المخاوف المرتبطة بالمشاريع الإقليمية المتنافسة، بما فيها ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا المعروف باسم «آيمك»، ضمن حسابات الدول المشاركة. غير أن هذه المسائل تظل ضمن القراءات المحتملة لأهداف التحرك، في ظل عدم إعلان جميع بنود جدول الأعمال بصورة تفصيلية.

 

بناء الثقة وتجنب الحرب

 

استبعدت قراءات عسكرية أن تكون الزيارة موجهة لتقديم تهديد أو إنذار إلى طهران، معتبرة أنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة لأهمية إنشاء ترتيبات أمنية تقوم على التعاون المباشر.

ومن المرجح أن تتناول المحادثات تداعيات أي مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لما قد تسببه من أضرار مباشرة للدول المجاورة، وفي مقدمتها السعودية.

 

وتواجه الرياض ضغوطاً مرتبطة بالملف اليمني، ما يجعل توفير بيئة إقليمية أكثر استقراراً أولوية بالنسبة إليها. وفي هذا السياق، قد يشكل بناء الثقة مع طهران والحصول على تطمينات منها وسيلة لتقليص المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها دول المنطقة إذا اندلعت مواجهة عسكرية جديدة.

وتبرز هنا أهمية البعد الوقائي للاجتماع، إذ لا يقتصر الاهتمام على معالجة الأزمات القائمة، بل يمتد إلى الحد من الأضرار المحتملة على أمن الخليج والبنية التحتية والمصالح الاقتصادية.

 

رسائل من واشنطن أم مبادرة إقليمية؟

 

يرى مراقبون أن توقيت اللقاء يمنحه أهمية سياسية خاصة، في ظل المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. ويتمحور السؤال الأساسي حول طبيعة الرسائل التي يحملها الوفد: هل يركز على الأزمة اليمنية، أم يسعى إلى منع تجدد الصدام الأميركي الإيراني عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة؟

وقد يعني تصدر الملف اليمني الأولويات أن التحرك يستجيب لمخاوف سعودية من تداعيات الحرب، ويسعى إلى تفعيل التفاهمات الدفاعية بين الدول المشاركة في اتفاقية مكة. وفي هذه الحالة، قد تتضمن المناقشات رسائل إلى طهران بشأن دورها الإقليمي وعلاقتها بجماعة أنصار الله.

 

أما إذا كان الهدف احتواء التوتر بين واشنطن وطهران، فقد يمثل الاجتماع محاولة لتقريب المواقف وتفادي صراع واسع يمكن أن يلحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والمصالح الاقتصادية على ضفتي الخليج.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الملف اليمني قد يحظى باهتمام بارز، بالنظر إلى المصالح السعودية المرتبطة به، فضلاً عن الطابع الدفاعي للاتفاقية، الذي يمنح اللقاء أبعاداً تتجاوز مسارات الوساطة الدبلوماسية التقليدية.

 

حسابات استراتيجية بعيدة المدى

 

تكشف قراءات سياسية أن التحرك قد يحمل تداعيات على المدى القصير والمتوسط والبعيد، تبدأ بمحاولة الحد من فرص التصعيد، وتمتد إلى بحث ترتيبات أمنية أكثر استدامة في المنطقة.

فعلى المدى القصير، قد يسهم التواصل بين الدول المشاركة في تقليص فرص التصعيد العسكري خلال مرحلة حساسة. وتربط بعض التحليلات هذا المسار بالحسابات السياسية الإسرائيلية والانتخابات، لكن الأطراف المعنية لم تعلن أن ذلك يمثل هدفاً رسمياً للاجتماع.

 

أما على المدى المتوسط، فتتيح المحادثات فرصة لمناقشة الأزمة اليمنية وتداعياتها، في ظل عدم التوصل إلى تسوية نهائية. ويُنظر إلى إنهاء الحرب باعتباره مصلحة إقليمية بالنظر إلى انعكاساتها الأمنية والاقتصادية على الدول المعنية.

وعلى المدى البعيد، تبرز أهمية بناء منظومة أمنية تعتمد على قدرات دول المنطقة بدلاً من الركون الكامل إلى القوى الخارجية. وترى هذه القراءات أن السعودية وتركيا وباكستان لديها دوافع لتعزيز التعاون المباشر مع إيران، بهدف تقليل المخاطر الناجمة عن أي مواجهة واسعة.

 

كما قد تعمل الدول الثلاث على تشجيع التوصل إلى تفاهمات بين طهران وواشنطن، انطلاقاً من إدراكها أن اتساع الصراع سيعرض دول المنطقة لخسائر كبيرة. وتظل هذه السيناريوهات ضمن التقديرات التحليلية، وليست إعلاناً عن اتفاقات جرى التوصل إليها.

اختبار للتعاون الإقليمي

 

يضع الاجتماع اتفاقية مكة أمام اختبار عملي، في ظل اختلاف حسابات الدول المشاركة وتداخل مصالحها الأمنية مع ملفات اليمن وإيران والعلاقة مع الولايات المتحدة. ويتوقف أثر اللقاء على قدرة الأطراف على الانتقال من تبادل المواقف إلى تفاهمات واضحة بشأن مصادر التوتر وآليات التعامل معها.

 

وتشمل المسارات المحتملة احتواء التصعيد العسكري، والبحث عن تسوية للأزمة اليمنية، وتوسيع التعاون الأمني بين دول المنطقة. غير أن تحديد النتائج الفعلية يتطلب انتظار ما سيصدر عن المشاركين من بيانات، وما إذا كانت المناقشات ستفضي إلى خطوات عملية.

وفي غياب إعلان رسمي عن اتفاقات نهائية، تبقى التقديرات المتعلقة بحمل الوفد رسائل أميركية أو السعي إلى انتزاع تنازلات من إيران في إطار التحليلات المطروحة، لا حقائق مؤكدة بشأن أهداف الزيارة.

ويؤكد انعقاد اللقاء استمرار قنوات التواصل بين طهران والرياض وأنقرة وإسلام آباد في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. أما قدرة هذا التحرك على تخفيف التوتر ومعالجة الملفات العالقة، فسترتبط بمضمون التفاهمات التي يمكن التوصل إليها، ومدى استعداد الأطراف لتحويل المبادرات

الدبلوماسية إلى إجراءات ملموسة.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7

اقرأ أيضاً