صراع مفتوح على احتمالات متعددة
حذّرت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية من احتمال انزلاق إسرائيل إلى مواجهة طويلة الأمد مع إيران، تتخذ شكل جولات عسكرية متكررة قد تمتد لسنوات، في ظل مؤشرات على احتفاظ طهران بجزء مهم من قدراتها العسكرية، وقدرتها على إعادة بناء ترسانتها ومنشآتها رغم الضربات التي تعرضت لها.
ويطرح التحليل، الذي أعدّه الكاتب الإسرائيلي تسفيكا حاييموفيتش، تساؤلات بشأن جدوى تكرار العمليات العسكرية، بعدما مضت ستة أشهر على إعلان القضاء على التهديد الإيراني، فيما تشير التقديرات الواردة فيه إلى أن القدرات الإيرانية لم تُدمّر بالكامل. ويرى الكاتب أن التحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بموعد استئناف القتال فحسب، بل بقدرة إسرائيل على تحمّل دورة متكررة من المواجهات دون استنزاف جيشها واقتصادها ومجتمعها.
حرب بلا نهاية واضحة
يحذّر التحليل من التعامل مع أي مواجهة مقبلة باعتبارها مجرد «جولة» جديدة يمكن احتواؤها ثم تجاوزها، معتبراً أن نقل هذا المفهوم إلى الصراع مع إيران قد يترتب عليه ثمن باهظ عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً ودولياً.
ويشير الكاتب إلى أن مصطلح «الجولات» ارتبط سابقاً بإدارة المواجهات مع حركة «حماس»، لكنه لم يكن توصيفاً معتاداً للمواجهة مع الحزب اللبناني. أما تطبيقه على إيران، فيعني، بحسب تقديره، قبول احتمال تجدد الحرب كل ستة أشهر أو عام، وهو سيناريو يصعب على إسرائيل تحمّل تبعاته على المدى الطويل.
ويستند هذا التحذير إلى أن الحروب المتكررة لا تقتصر آثارها على الخسائر الميدانية، بل تمتد إلى استنزاف الموارد المالية والعسكرية، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وزيادة الضغوط الاجتماعية، فضلاً عن تداعياتها على علاقات إسرائيل الدولية.
طهران تعيد بناء قدراتها
يسلّط التحليل الضوء على قدرة إيران على استعادة جزء من إمكاناتها العسكرية بوتيرة أسرع مما كانت تتوقعه إسرائيل، مشيراً إلى أن طهران عملت على ترميم صناعتها العسكرية خلال أسابيع أو أشهر، رغم تقديرات سابقة تحدثت عن إعادتها سنوات إلى الوراء بفعل العملية الإسرائيلية المسماة «زئير الأسد».
ويعتبر الكاتب أن هذا المسار يثير تساؤلات بشأن مدى دقة التقديرات الإسرائيلية المتعلقة بحجم الأضرار التي لحقت بالقدرات الإيرانية، ومدى استدامة نتائج العمليات العسكرية. كما يستشهد بتجربة قطاع غزة، حيث يرى أن حركة «حماس» استعادت مظاهر من السيطرة والإدارة في مناطق بقيت تحت نفوذها، رغم التصريحات السابقة عن تفكيك قدراتها والقضاء على بنيتها التنظيمية.
ويحذّر التحليل من أن إعلان تحقيق الأهداف العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد، خصوصاً عندما يتمكن الطرف المستهدف من إعادة تنظيم صفوفه واستعادة إمكاناته.
مؤشرات ميدانية مقلقة
يرى حاييموفيتش أن التطورات خلال الأشهر الأخيرة لا تسمح بالتقليل من حجم التحدي الإيراني، رغم ما وصفه بالمبالغة التي قد تطبع بعض التصريحات السياسية بشأن طبيعة التهديد ومدى إلحاحه.
ويشير إلى أن إيران تبنّت مواقف أكثر تشدداً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع مساعيها لإعادة بناء شبكة علاقاتها مع حلفائها الإقليميين وتعزيز نفوذها في المنطقة. كما يتحدث عن تحركات لجماعة أنصار الله في اليمن، معتبراً أنها باتت أكثر ارتباطاً بخدمة المصالح الإيرانية المباشرة.
ويستند الكاتب كذلك إلى نوعية الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران، وإلى تقارير وصور أقمار صناعية قال إنها تشير إلى تحسن دقة بعض الأسلحة الإيرانية. وتبقى هذه التقديرات، وفق ما أورده التحليل، جزءاً من تقييم إسرائيلي للقدرات الإيرانية، ولا تعني بالضرورة أن جميع المؤشرات المذكورة خضعت لتحقق مستقل.
منشآت عسكرية تحت الأرض
وبحسب التحليل، استأنفت إيران جهود الإنتاج العسكري، وبدأت العمل على إعادة بناء أجزاء من بنيتها التحتية، مستفيدة من القدرات المحلية ومساعدات خارجية ينسبها الكاتب إلى روسيا والصين.
كما يشير إلى تقارير وصور أقمار صناعية تتحدث عن أعمال بناء وتطوير في محيط منشآت نووية وعسكرية، بما في ذلك قواعد جوية ومواقع تحت الأرض تُستخدم، وفق التقديرات الواردة، لتخزين الصواريخ أو تطويرها.
ويرى الكاتب أن استمرار هذه الأنشطة، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية والعمليات العسكرية المتعاقبة، يعكس قدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه وإدارة موارده رغم الضربات. ويضيف أن استمرار المفاوضات مع واشنطن يمنح طهران مساحة سياسية ودبلوماسية، ولا سيما عندما تتضمن لقاءات مباشرة بين المسؤولين.
القرار في واشنطن
من أبرز النقاط التي يثيرها التحليل تراجع قدرة إسرائيل على اتخاذ قرار مستقل بشأن توقيت أي هجوم جديد على إيران، في ظل الدور الحاسم الذي تؤديه الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب في تحديد مسار المواجهة.
ويحذّر الكاتب من افتراض تطابق المصالح الإسرائيلية والأمريكية بصورة دائمة، موضحاً أن أولويات الطرفين قد تتباين، وكذلك حساباتهما بشأن توقيت التحرك العسكري وحدوده.
وبحسب التحليل، بدأ التوافق الذي جمع واشنطن وتل أبيب عند إطلاق عمليتي «زئير الأسد» و«الغضب الملحمي» في فبراير/شباط الماضي يتراجع تدريجياً مع مرور الوقت. فبينما تركز إسرائيل على البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تنظر الولايات المتحدة إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز واستقرار أسواق النفط بوصفهما من أولوياتها الرئيسية.
ويشير الكاتب إلى أن الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب يقدّمان استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز وتجاوز صادرات النفط مستويات ما قبل الحرب باعتبارهما مؤشرين على تحقيق أهداف مهمة. لكن هذه الأولويات لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية، التي تضع القدرات العسكرية الإيرانية في صدارة المخاوف.
معضلة تتجاوز الضربة المقبلة
لا يقتصر التحدي الإسرائيلي، وفق التحليل، على تحديد ما إذا كانت ستشن هجوماً جديداً على إيران، بل يمتد إلى صياغة استراتيجية قادرة على منع تكرار المواجهات دون نهاية واضحة. فنجاح أي عملية عسكرية في إلحاق أضرار بالخصم لا يضمن وحده منع إعادة بناء قدراته، كما أن الاعتماد على جولات متلاحقة قد يحوّل التفوق العسكري إلى عبء مستمر على الدولة.
وتكشف هذه المعضلة عن فجوة بين الأهداف الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها والنتائج التي يمكن للعمليات العسكرية وحدها ضمانها، فضلاً عن التباين المحتمل بين حسابات تل أبيب وواشنطن.