من الخليل إلى الضفة.. خطة إسرائيلية لإعادة رسم الواقع الفلسطيني

2026.10.26 - 10:29
Facebook Share
طباعة

عملية تتجاوز الملاحقة الأمنية
تتجاوز تداعيات العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، التي بدأت صباح الجمعة، حدود الملاحقة الأمنية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أهداف التصعيد، ومستقبل السيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومصير السلطة الفلسطينية في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة بتقويض دورها.
ووفق المعطيات الواردة، أسفرت العملية، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم «زئير يهودا»، عن تهجير أكثر من 2800 فلسطيني من منازلهم، ومحاصرة سكان في مناطق أخرى، إلى جانب تعطيل النشاط الاقتصادي في المدينة. كما رافقها هدم منشآت وتدمير بنى تحتية وإجراءات ميدانية أثارت مخاوف من توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل الخليل.
ويرى ثلاثة خبراء فلسطينيين أن العملية لا يمكن فصلها عن توجهات الحكومة الإسرائيلية السياسية والأمنية، معتبرين أنها قد تُستغل لتحقيق أهداف انتخابية وميدانية، في وقت يبقى فيه مستقبل السلطة الفلسطينية مرتبطاً بموازين القوى داخل إسرائيل، وموقف الولايات المتحدة من أي تغيير جذري في شكل العلاقة مع الفلسطينيين.


ثلاثة أهداف إسرائيلية
يقول الأكاديمي والخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة إن العملية تحمل، وفق قراءته، ثلاثة أهداف رئيسية، لا تقتصر على الرد على عملية إطلاق النار التي سبقتها، بل تتصل أيضاً بحسابات الانتخابات الإسرائيلية، وإعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي في الخليل، وتسريع فرض وقائع جديدة على الأرض.


مكاسب انتخابية
يرى هلسة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين في حكومته يسعون إلى توظيف العملية سياسياً، من خلال إظهار قدرة الحكومة على فرض الأمن واتخاذ إجراءات سريعة، في ظل بيئة انتخابية تتأثر بالخطاب الأمني والمخاوف من التهديدات.
ويشير إلى أن سرعة الانتقال إلى الهدم والإخلاء وفرض السيطرة الميدانية تعكس، بحسب تقديره، رغبة في تحقيق مكاسب سياسية، بدلاً من الاكتفاء بالمسارات القضائية التي اتبعتها السلطات الإسرائيلية في حالات سابقة.
وبهذا المعنى، لا ينحصر التصعيد في تداعياته الأمنية المباشرة، بل يتحول أيضاً إلى مادة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، إذ تسعى الحكومة إلى تقديم إجراءاتها باعتبارها دليلاً على الحزم، بينما يدفع الفلسطينيون ثمنها من أمنهم ومنازلهم ومصادر رزقهم.


إعادة رسم المنطقة
الهدف لثاني، وفق هلسة، يتمثل في إعادة تشكيل المنطقة أمنياً وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل الضفة الغربية. ويستند في ذلك إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين بشأن تنفيذ العملية في مناطق مصنفة «أ»، التي يفترض، بموجب اتفاق أوسلو، أن تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية.
ويعتبر الخبير أن الإجراءات الميدانية، بما تشمل من هدم منشآت وتدمير بنى تحتية وشق طرق وإقامة نقاط عسكرية، قد تؤدي إلى تغيير الواقع الجغرافي والأمني في المنطقة، وتعزيز ارتباط المستوطنات بشبكة طرق وممرات تخدم تحركات القوات الإسرائيلية.
ومن شأن هذه الإجراءات، إذا استمرت واتسع نطاقها، أن تضعف الحدود العملية بين المناطق المصنفة «أ» و«ب» و«ج»، وأن تقلّص قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها، بما يكرّس واقعاً من السيطرة الإسرائيلية الأوسع على الأرض.


تهجير وضمّ
أما الهدف الثالث، فيتمثل، بحسب هلسة، في استغلال العملية لتسريع تهجير السكان وفرض وقائع ميدانية قد تخدم مشاريع السيطرة والضمّ في الضفة الغربية.
ويربط الخبير ما يجري في الخليل بالعمليات العسكرية السابقة في شمال الضفة، ولا سيما في جنين وطولكرم ومخيم نور شمس، حيث أدت العمليات الإسرائيلية إلى نزوح سكان وتضرر مناطق سكنية وبنى تحتية.
ويحذر من أن تكرار هذا النموذج في مدن أخرى قد يحوّل الإجراءات التي تُقدَّم تحت عنوان الأمن إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوجود الفلسطيني جغرافياً، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لتوسيع الاستيطان وفرض السيطرة على مساحات إضافية.
ويشير هلسة إلى أن هذه المخاوف تنسجم مع مواقف شخصيات في اليمين الإسرائيلي تدعو إلى توسيع الاستيطان وفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية، لكنه يرى أن ما يجري على الأرض هو المؤشر الأهم إلى اتجاهات السياسة الإسرائيلية، وليس التصريحات وحدها.


مستقبل السلطة بانتظار واشنطن
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت إبراهيم ربايعة أن التهديدات الإسرائيلية بتقويض السلطة الفلسطينية وإنهاء دورها، إلى جانب الحديث عن التخلي عن اتفاق أوسلو، ترتبط بمسار سياسي أوسع عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على دفعه باتجاه إضعاف السلطة وتقليص صلاحياتها.
ويوضح ربايعة أن هذا المسار يستهدف، وفق تقديره، تحويل السلطة إلى إطار إداري محدود، يتركز دوره في إدارة شؤون السكان داخل مراكز المدن والمحافظات، من دون امتلاك قدرة فعلية على التحكم بالحدود أو القرارات الأمنية الأساسية.
لكن الانتقال من إضعاف السلطة إلى إنهاء دورها بالكامل، بحسب ربايعة، لا يتوقف على القرار الإسرائيلي وحده؛ إذ يتطلب، في تقديره، موافقة أمريكية على خطوة بهذا الحجم، فضلاً عن توافق داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية بشأن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.
ويستبعد الخبير حسم هذا المسار قبل اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة المقبلة، مشيراً إلى أن القوى السياسية الإسرائيلية تختلف في رؤيتها لإدارة الصراع، بين من يفضّل إبقاء السلطة ضمن دور محدود، ومن يدفع باتجاه حسم الصراع وفرض وقائع نهائية على الأرض.
وبناءً على ذلك، قد تشكل نتائج الانتخابات المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد شكل السياسة الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية، ومدى الانتقال من سياسة إضعافها وتقييدها إلى خطوات أكثر جذرية تستهدف وجودها السياسي والمؤسسي.


الحسم لا الردّ فقط
بدوره، يعتبر خبير الشؤون الإسرائيلية عادل شديد أن الهجوم على الخليل وإخلاء الأحياء السكنية لا يمكن تفسيرهما، من وجهة نظره، باعتبارهما رداً أمنياً على عملية إطلاق النار فحسب، بل يندرجان ضمن مساعٍ أوسع لفرض معادلات جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويرى شديد أن توقيت العملية، وزيارة نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين إلى المنطقة، والخطاب الصادر عن القيادة السياسية والعسكرية، كلها مؤشرات على توظيف التصعيد في الحسابات الانتخابية، ومحاولة تقديم العملية باعتبارها نجاحاً أمنياً رغم ما قد تكشفه من إخفاقات.
ويضيف أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى استثمار الأحداث لتبرير إجراءاتها اللاحقة، عبر التركيز على منع هجمات مستقبلية، في حين أن نتائج العملية على الأرض تشمل تهجير السكان وتدمير الممتلكات وتوسيع القيود المفروضة على الحركة والحياة اليومية.
وبحسب شديد، فإن توجهات الحكومة الحالية تعكس قناعة متزايدة بإمكانية فرض نهاية للصراع وفق شروط إسرائيلية، عبر وضع الفلسطينيين أمام خيارات قاسية، تشمل القبول بالأمر الواقع، أو الهجرة، أو مواجهة مزيد من الإجراءات العسكرية والأمنية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8

اقرأ أيضاً