ارتفاع بلا طلب.. لماذا تفشل الأسواق السورية في كبح الأسعار؟

2026.10.26 - 08:22
Facebook Share
طباعة

مفارقة اقتصادية
تواصل الأسعار ارتفاعها في الأسواق السورية، رغم تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب الفعلي، في مفارقة تعكس اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد، وتزايد الضغوط على الإنتاج والاستيراد وتكاليف التشغيل.
وبينما تتقلص قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تتداخل عوامل ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات، وزيادة تكاليف المواد الأولية المستوردة، وتراجع قيمة الليرة السورية، وعجز الموازنة العامة، مع مخاوف التجار من ارتفاع تكاليف تأمين البضائع مستقبلاً، لتبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم ضعف حركة البيع والشراء.


ركود تضخمي
وصف الخبير الاقتصادي فادي عياش المشهد بأنه حالة من الركود التضخمي، حيث تتزامن الزيادات المتواصلة في الأسعار مع تراجع حاد في القدرة الشرائية وانخفاض الطلب، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً في آليات السوق وارتفاعاً مستمراً في تكاليف الإنتاج.
وتبرز خمسة عوامل رئيسية تفسر استمرار الغلاء، حتى في ظل تراجع استهلاك الأسر وتراجع النشاط التجاري.


1. الطاقة والمحروقات
يشكل ارتفاع أسعار المحروقات أحد أبرز العوامل الضاغطة على تكاليف الإنتاج والتوزيع، إذ تنعكس أسعار المازوت والبنزين مباشرة على تشغيل المصانع والمولدات والمداجن، فضلاً عن نقل البضائع بين مناطق الإنتاج والأسواق.
وكانت وزارة الطاقة السورية قد أعلنت، في 13 أيلول الماضي، تعديلاً مؤقتاً لأسعار المشتقات النفطية، عازية القرار إلى ارتفاع تكاليف تأمينها عالمياً، وتراجع المعروض، وزيادة نفقات الشحن والتأمين، بالتزامن مع خضوع مصفاة بانياس لأعمال صيانة شاملة.
وتؤدي هذه الزيادات إلى رفع التكلفة النهائية للسلع، ولا سيما المنتجات التي تعتمد على استهلاك كثيف للطاقة أو تحتاج إلى النقل لمسافات طويلة، ما يحد من قدرة المنتجين والتجار على خفض الأسعار حتى مع تراجع المبيعات.


2. غلاء المواد الأولية
تتمثل الحلقة الثانية في ارتفاع تكاليف المواد الأولية والمدخلات المستوردة، بما فيها الأعلاف والأسمدة والمواد الخام والمكونات الصناعية، إلى جانب تكاليف الشحن والتأمين.
ويؤدي ارتفاع أسعار هذه المدخلات إلى زيادة تكلفة الإنتاج المحلي، بما ينعكس على أسعار المنتجات النهائية، ويضع القطاعات الصناعية والزراعية أمام تحديات إضافية، خصوصاً في ظل ضعف الطلب ومحدودية القدرة على تحمل أعباء تشغيلية جديدة.


3. تراجع الليرة
يشكل سعر صرف الليرة السورية عاملاً أساسياً في تحديد تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، إذ يؤدي تراجع قيمتها إلى زيادة المبالغ المطلوبة لتأمين العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد.
وتشير بيانات أوردها مركز عمران للدراسات الاستراتيجية عن أداء الاقتصاد السوري خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أن حجم الواردات بلغ نحو 16.53 مليون طن، متجاوزاً إجمالي واردات عام 2025 بنحو 35 بالمئة، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
ويزيد الاعتماد على المستوردات من حساسية السوق تجاه تقلبات سعر الصرف، إذ يمكن لأي تراجع في قيمة العملة المحلية أن يرفع تكلفة تأمين السلع والمواد الأولية، حتى في حال لم يشهد الطلب عليها زيادة مماثلة.


4. عجز الموازنة
يرتبط العامل الرابع بالضغوط المالية والنقدية، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات العامة والنفقات الحكومية.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ عجز الموازنة السورية نحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مع إنفاق عام قدره 3.7 مليارات دولار مقابل إيرادات بلغت نحو 2.7 مليار دولار.
وقد تسهم الاختلالات المالية في زيادة الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا جرى تمويل العجز بوسائل تؤدي إلى توسع السيولة النقدية من دون زيادة موازية في الإنتاج. غير أن أثر العجز على الأسعار يتوقف أيضاً على آليات التمويل والسياسات النقدية وحجم النشاط الاقتصادي.


5. مخاوف التجار
لا يرتبط استمرار ارتفاع الأسعار بتكاليف الإنتاج والاستيراد وحدها، بل يتأثر كذلك بتوقعات التجار بشأن كلفة إعادة شراء البضائع في المستقبل.
ويوضح عياش أن التراجع الطبيعي في الطلب قد يدفع الأسعار إلى الانخفاض، لكن هذا المسار لا يتحقق بالضرورة عندما ترتفع تكلفة تأمين السلع. ففي هذه الحالة، قد يفضّل التاجر الإبقاء على سعر يغطي تكلفة الاستبدال المتوقعة، بدلاً من البيع بسعر أقل ثم الاضطرار إلى شراء البضاعة مجدداً بتكلفة أعلى.
كما يمكن لحالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف وتكاليف الشحن والاستيراد أن تدفع بعض التجار إلى احتساب مخاطر مستقبلية ضمن الأسعار الحالية، وهو ما يساهم في استمرار الغلاء حتى عندما تتراجع حركة الشراء. ومع ذلك، تختلف استجابة التجار بحسب طبيعة السلعة والمنافسة ومستويات المخزون.


لماذا لا ينخفض الغلاء؟
تكشف هذه العوامل أن ضعف الطلب لا يكفي وحده لدفع الأسعار إلى التراجع، عندما تواجه الأسواق ارتفاعاً متواصلاً في التكاليف ومخاطر متزايدة مرتبطة بالاستيراد وسعر الصرف. ففي مثل هذه الظروف، قد تتراجع المبيعات من دون أن تنخفض تكلفة توفير السلع، ما يضع المستهلكين والتجار معاً تحت ضغط متزايد. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 1

اقرأ أيضاً