كيف تغيّر التعامل الإسرائيلي مع مدنيي الجنوب السوري؟

2026.10.25 - 21:30
Facebook Share
طباعة

 في قرى جنوب سوريا، لم يعد القلق مقتصراً على أصوات القصف أو احتمال دخول آليات عسكرية إلى البلدات، بل بات مرتبطاً أيضاً بما قد يحدث عند الخروج إلى الحقول والمراعي أو الوجود قرب الطرقات المحاذية للمواقع العسكرية الإسرائيلية. وخلال الأشهر الماضية، سجلت المنطقة حوادث قتل طالت مدنيين في ظروف مختلفة، من الغارات الجوية والقصف إلى إطلاق النار خلال التوغلات، ما أعاد إلى الواجهة مسألة حدود استخدام القوة الإسرائيلية ومدى حماية السكان في مناطق الانتشار العسكري.

وبحسب إحصاءات مركز «سجل» الحقوقي، قُتل ما لا يقل عن 38 مدنياً سورياً بنيران القوات الإسرائيلية بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 و23 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ولا تقتصر هذه الحصيلة على حادثة واحدة أو نمط محدد من العمليات، إذ تشمل هجمات واسعة أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا، إلى جانب حوادث قتل منفردة وقعت خلال التحركات العسكرية أو قرب مواقع انتشار القوات.

ومن بين الوقائع الأحدث، مقتل معاذ سلامة البعير، وهو شاب سوري يبلغ نحو 30 عاماً ومصاب بمتلازمة داون، خلال توغل إسرائيلي في قرية جملة بمنطقة حوض اليرموك غربي درعا. وفي فجر 22 تشرين الأول/أكتوبر، دخلت قوة مؤلفة من نحو 12 إلى 15 آلية ومدرعة إلى القرية، وانتشرت في الحي الشرقي وداهمت منازل، بالتزامن مع نشر قناصة.

وخلال العملية، أُطلق النار على البعير، ثم نُقل باتجاه الشريط الفاصل، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بجراحه. وأُعيد جثمانه لاحقاً عبر بوابة تل أبو الغيثار، بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» والدفاع المدني السوري، وشيّعه أهالي القرية.

وأثارت الحادثة موقفاً أممياً، إذ استنكر نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، مقتل الشاب، وقدم التعازي إلى أسرته، داعياً إسرائيل إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والقانون الدولي.

ولا تتوقف الأسئلة التي تطرحها هذه الواقعة عند ظروف إطلاق النار، بل تمتد إلى كيفية التعامل مع المدنيين الموجودين في مناطق تشهد تحركات عسكرية، ولا سيما عندما لا تتوافر مؤشرات واضحة على مشاركتهم في أي مواجهة.

 

من القصف إلى الرصاص المباشر.. حصيلة تتوزع على مناطق عدة

تظهر بيانات مركز «سجل» أن القصف الجوي والمدفعي أسهم في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال العمليات الإسرائيلية في سوريا. ففي بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي، قُتل 13 مدنياً في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، خلال عملية بدأت بتوغل لتنفيذ اعتقالات، ثم تطورت إلى اشتباكات وقصف مدفعي واستدعاء طائرات مروحية ومسيّرة.

وبحسب المعلومات الواردة في الإحصاءات، دُمر نحو 20 منزلاً بالكامل خلال العملية، فيما نزح قرابة ثلاثة آلاف شخص من المنطقة.

وفي نوى بريف درعا، أوقع الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ في 2 نيسان/أبريل 2025 وتصاعد في اليوم التالي تسعة قتلى مدنيين، بعدما امتد القصف إلى مناطق سكنية مأهولة. أما في قرية كويا بحوض اليرموك، فسقط سبعة مدنيين، بينهم نساء ومراسل قناة إخبارية، في 25 آذار/مارس 2025، خلال توغل أعقبته اشتباكات وقصف مدفعي وجوي.

وسبق ذلك، في 17 آذار/مارس من العام نفسه، مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة 18 آخرين، بينهم سيدة وأربعة أطفال، جراء غارات إسرائيلية قرب مدينة درعا.

وتضم الحصيلة، إلى جانب هذه العمليات الأربع التي أوقعت أعداداً متعددة من الضحايا، ست حوادث منفردة قُتل في كل منها مدني واحد. ويشير المركز إلى تسجيل حالة قتل واحدة في نيسان/أبريل 2026، ثم حالتي قتل في تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته.

لكن الأرقام لا توضح وحدها طبيعة المخاطر التي يواجهها السكان في حياتهم اليومية. فبينما وقعت بعض الحوادث خلال قصف مناطق مأهولة، ارتبطت أخرى بإطلاق النار على أشخاص قرب مواقع عسكرية أو أثناء توغلات في قرى وبلدات سكنية.

 

الحميدية وجملة.. أسئلة حول استخدام القوة المميتة

في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قُتل محمد أيمن الدبور، البالغ من العمر 22 عاماً، في أطراف قرية الحميدية بريف القنيطرة الشمالي، بعدما أطلقت القوات الإسرائيلية النار عليه قرب ساتر ترابي في محيط قاعدة عسكرية، ثم سحبت جثمانه.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقاً بأن الشاب لم يكن مسلحاً، ولم يكن يحمل سوى هاتف ومبلغ مالي. وبعد ذلك، سُلّم جثمانه عبر الهلال الأحمر وقوات «أندوف».

وتعيد هذه الحادثة طرح مسألة المعايير التي تستند إليها القوات العسكرية عند إطلاق النار على أشخاص بالقرب من مواقعها، خصوصاً في الحالات التي لا تتوافر فيها معلومات واضحة عن وجود تهديد مباشر.

وفي شهادات نقلها موقع تلفزيون سوريا عن سكان محليين، قال الأهالي إن أسلوب تعامل القوات الإسرائيلية مع المدنيين شهد تغيراً منذ أيلول/سبتمبر الماضي، مع تزايد المداهمات العنيفة والاعتداء على المنازل وترهيب النساء، إلى جانب إطلاق النار بصورة عشوائية في مناطق يوجد فيها مدنيون.

وبحسب هذه الشهادات، كانت القوات تعتمد في السابق، في بعض الحالات، على الطلقات التحذيرية والقنابل الصوتية لإبعاد الأشخاص عن مواقع انتشارها، بينما بات السكان يشعرون بأن احتمال استخدام الرصاص المباشر أصبح أكبر.

ولا تتوافر في الشهادات وحدها صورة شاملة عن جميع قواعد الاشتباك التي تتبعها القوات الإسرائيلية، لكنها تعكس مخاوف الأهالي من عدم القدرة على توقع رد فعل الجنود، حتى خلال أنشطة مدنية اعتيادية.

 

الرعي يتحول إلى مصدر خوف للعائلات

في المناطق الريفية القريبة من الحدود ومواقع الانتشار العسكري، لا يستطيع السكان دائماً فصل أنشطتهم اليومية عن المخاطر الأمنية. ويواجه الرعاة على وجه الخصوص صعوبة في تحديد المسارات الآمنة، إذ تفرض طبيعة عملهم الانتقال بين الأراضي المفتوحة وملاحقة القطعان بحثاً عن الأعشاب والمراعي.

ويقول أبو حسن، وهو راعٍ من قرية الرفيد، لموقع تلفزيون سوريا، إن القلق الأساسي لدى السكان يتمثل في عدم معرفة ما يمكن أن يحدث إذا اقتربوا من منطقة تنتشر فيها القوات الإسرائيلية. ويوضح أن الرعاة لا يحملون أسلحة ولا يقصدون الدخول في مواجهة، بل يسعون إلى تأمين رزقهم والعودة إلى منازلهم.

ويضيف أن وجودهم في منطقة مفتوحة قد يُفهم على نحو خاطئ، وأنهم يخشون التعرض لإطلاق النار قبل أن تتاح لهم فرصة الابتعاد. ويطالب بتحديد المناطق التي يمكنهم الوصول إليها، وتوفير آلية واضحة للتحذير عند الاقتراب من مناطق خطرة، بما يتيح التمييز بين المدني الذي يعمل في أرضه وبين أي شخص يُشتبه في تشكيله تهديداً.

أما أبو عمر، وهو مزارع من قرية جملة، فيصف الرعي بأنه أصبح «رحلة الموت»، موضحاً أن خروج أحد أفراد الأسرة مع الأغنام بات يضع العائلة كلها في حالة ترقب حتى عودته.

ويقول إن البحث عن المراعي قد يفرض تغيير الطريق، كما يمكن للأغنام أن تتجه نحو أرض قريبة من موقع عسكري من دون قصد. لكن هذه الاحتمالات اليومية، بحسب شهادته، أصبحت مصدر خوف من إطلاق النار أو الاحتجاز.

وتزداد المخاوف عندما يشارك الشبان والمراهقون في رعي الأغنام ومساعدة أسرهم، إذ قد لا يعرفون حدود المناطق التي أصبحت خطرة، أو كيفية التصرف عند مواجهة قوة عسكرية أو سماع إطلاق نار. وبالنسبة إلى عائلات تعتمد على الزراعة والرعي في تأمين معيشتها، فإن الابتعاد عن مناطق واسعة من الأراضي قد يعني خسارة مصدر دخل أساسي، فيما قد يؤدي البقاء فيها إلى تعريض أفرادها للخطر.

 

غارات جوية تستند إلى اتهامات إسرائيلية

إلى جانب العمليات البرية، تنفذ القوات الإسرائيلية غارات جوية تقول إنها تستهدف أشخاصاً تتهمهم بالتخطيط لهجمات ضد قواتها. وتبرز في هذا السياق ضرورة التمييز بين الادعاءات العسكرية بشأن نشاط المستهدف وبين المعايير القانونية التي تحكم استخدام القوة.

وفي 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت القوات الإسرائيلية استهداف المواطن السوري يوسف علي الحسون بغارة جوية قرب الحدود السورية اللبنانية. وقالت إنه عمل بتوجيه من إيران على التخطيط لهجمات ضد قواتها المنتشرة في جنوب سوريا، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة ملغمة وقذائف صاروخية.

وأضافت أنها أحبطت تلك المخططات خلال العام السابق، لكنها لم تقدم في بيانها تفاصيل مستقلة تسمح بالتحقق من طبيعة الدور المنسوب إلى الحسون أو ظروف استهدافه.

وتفتح هذه الحادثة ملفاً قانونياً يتعلق بما إذا كان الشخص المستهدف يشارك مباشرة في الأعمال العدائية وقت تنفيذ الهجوم، وما الأدلة التي تستند إليها الجهة المنفذة في اتخاذ قرار الاستهداف. فالادعاء بالتخطيط لهجمات لا يحسم وحده قانونية القتل، كما أن إطلاق وصف «إرهابي» على شخص لا يلغي الالتزامات المفروضة بموجب القانون الدولي الإنساني.

 

خبير قانوني: الشك وحده لا يبرر القتل

يرى المحقق المختص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ياسر شالتي أن الاقتراب من قاعدة عسكرية أو ساتر ترابي لا يمنح القوات حق استهداف المدنيين بصورة تلقائية. وقال لموقع تلفزيون سوريا إن الحماية القانونية للمدنيين تستمر ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وفق الضوابط التي يحددها القانون الدولي الإنساني.

وأوضح أن عدم استجابة شخص لتحذير عسكري لا يعني بالضرورة أنه يشكل تهديداً يبرر استخدام القوة المميتة، مشيراً إلى أن تقييم الواقعة يتطلب مراعاة ظروف الشخص، وقدرته على فهم التحذير، وطبيعة الموقف الميداني.

وأكد شالتي أن قانونية استخدام القوة لا يمكن حسمها بمجرد الاشتباه أو اعتماد توصيف الجهة المنفذة، بل يجب أن تستند إلى أدلة ومعايير واضحة.

وفي ما يتعلق بالغارة التي استهدفت يوسف علي الحسون، شدد على أن الاتهامات الإسرائيلية بشأن تخطيطه لهجمات لا تكفي وحدها لتبرير قتله، بل ينبغي التحقق من طبيعة نشاطه ومدى مشاركته المباشرة في الأعمال العدائية وقت الاستهداف، مع مراعاة مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

وأضاف أن التحقيق في هذه الحوادث يمثل خطوة أساسية لضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب. وأوضح أن قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» لا تملك صلاحية وقف العمليات الإسرائيلية بالقوة أو مواجهة القوات، لكنها تستطيع توثيق الانتهاكات ورفع التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب التواصل مع الأطراف المعنية للحد من المخاطر.

ودعا شالتي إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لحماية المدنيين في جنوب سوريا، معتبراً أن الاكتفاء بالبيانات الرسمية لا يكفي لوقف الانتهاكات. كما طالب الحكومة السورية بتكثيف تحركاتها الدبلوماسية لدى مجلس الأمن، والضغط من أجل إجراء تحقيقات في الحوادث الموثقة ومحاسبة المسؤولين عنها.

واقترح كذلك أن تعمل وزارة الخارجية السورية، بالتعاون مع حلفائها، على تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يهدف إلى حماية المدنيين في جنوب سوريا من الانتهاكات الإسرائيلية.

 

حماية المدنيين تتجاوز بيانات الإدانة

بين حصيلة القتلى التي وثقها مركز «سجل»، وشهادات السكان الذين يخشون على أبنائهم ومصادر رزقهم، تبرز مشكلة تتجاوز كل حادثة منفردة: كيف يمكن ضمان حماية المدنيين في مناطق تتكرر فيها التوغلات والغارات وإطلاق النار؟

فبالنسبة إلى سكان القرى القريبة من مواقع الانتشار العسكري، لا يرتبط الخطر بلحظة القصف وحدها، بل يمتد إلى العمل في الحقول، ورعي الأغنام، والتنقل في الأراضي المفتوحة، وحتى البقاء داخل المنازل خلال المداهمات.

وفي ظل استمرار هذه المخاوف، تبقى الحاجة قائمة إلى توثيق مستقل للوقائع والتحقيق في ظروف سقوط الضحايا، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، إلى جانب تحرك دولي يترجم الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين إلى إجراءات ملموسة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3

اقرأ أيضاً