تتزايد الضغوط الاقتصادية في إسرائيل مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في ظل امتداد تداعيات الحروب على غزة ولبنان وإيران إلى الموازنة العامة وسوق العمل ومستويات المعيشة. وتبرز هذه الملفات في النقاشات الداخلية مع ارتفاع النفقات العسكرية والدين العام، وتراجع التصنيف الائتماني، وتقلص القدرة الشرائية.
وبحسب تقرير «النافذة الاقتصادية» على قناة الجزيرة، تجاوز الإنفاق الحكومي الإسرائيلي على الحروب 100 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر التي لحقت بالناتج المحلي الإجمالي نحو 57 مليار دولار. وارتفعت الموازنة العسكرية إلى أكثر من 51 مليار دولار، بزيادة تقارب 160% مقارنة بعام 2023.
وفي موازاة ذلك، صعد الدين العام من نحو 290 مليار دولار في منتصف عام 2023، بما يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى قرابة 370 مليار دولار، أو أكثر من 68% من حجم الاقتصاد. وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى احتمال وصول الدين إلى 400 مليار دولار بنهاية العام، بما يعادل نحو 70% من الناتج المحلي.
وامتدت التداعيات إلى التصنيف الائتماني، بعدما خفضت وكالات فيتش وموديز وستاندرد آند بورز تصنيف إسرائيل. كما رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة إلى 18%، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي سياق الإنفاق الحكومي، خصصت السلطات أكثر من 1.5 مليار دولار لمدارس الحريديم، رغم رفضهم الخدمة العسكرية، وذلك ضمن تفاهمات ائتلافية ترتبط بأزمة التجنيد. وأثار هذا الملف تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق العام في وقت تتزايد فيه الالتزامات المالية للحكومة.
كذلك، أدى استدعاء نحو 300 ألف جندي احتياط خلال السنة الأولى من الحرب، أي ما يزيد على 6% من القوة العاملة، إلى تعطيل أنشطة اقتصادية وإلحاق خسائر بالشركات الصغيرة. وأورد التقرير أيضا أن أكثر من ربع مليون إسرائيلي غادروا البلاد، ولم يعد منهم سوى 7%، وفق الأرقام التي استند إليها.
تحديات النمو والدين العام
قال إمطانس شحادة، مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل للأبحاث، إن الاقتصاد الإسرائيلي تمكن من تحمل أعباء الحرب خلال سنواتها الأولى بفضل قوته السابقة، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، ومكانته في الاقتصاد الدولي. لكنه أشار إلى أن هذه الموارد بدأت تستنزف، محذرا من احتمال تسجيل تراجع اقتصادي أكبر خلال السنوات المقبلة إذا استمر عدم الاستقرار السياسي والعسكري وتراجعت الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح شحادة أن الإنفاق العسكري لا ينعكس سلبا على جميع القطاعات بالدرجة نفسها، إذ يذهب جزء من المشتريات إلى الصناعات المحلية، كما سجلت صادرات الأسلحة والتقنيات العسكرية ارتفاعا. لكنه حذر من أن الاعتماد على الصناعات العسكرية وقطاع التكنولوجيا المتقدمة قد لا يكفي لتعويض التراجع في بقية الأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أن الموازنة الإسرائيلية تخصص نحو 150 مليار شيكل سنويا لسداد القروض والفوائد، لافتا إلى ارتفاع الفوائد المصرفية المدفوعة بنسبة 50%. وقد تفرض هذه الالتزامات، بحسب تقديره، خيارات صعبة على الحكومة المقبلة، تشمل تقليص موازنات الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، أو فرض ضرائب جديدة وزيادة الضرائب على العاملين، بما قد يضيف أعباء على الأسر ويضغط على مستويات المعيشة.
التكنولوجيا والعقوبات والهجرة
وفي ما يتعلق بقطاعات النمو، حذر شحادة من تراجع فرص التوظيف في التكنولوجيا المتقدمة والحوسبة والبرمجيات، وهي قطاعات تمثل محركا رئيسيا للاقتصاد الإسرائيلي. وربط هذه المخاوف بتأثيرات الاقتصاد العالمي والتطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب ما وصفه بتراجع مكانة الاقتصاد الإسرائيلي.
كما لفت إلى مخاوف من اتساع نطاق العقوبات الدولية ليشمل الجهاز المصرفي، بعدما أعلنت بريطانيا ودول أخرى فرض عقوبات على شركات إسرائيلية تعمل في الضفة الغربية أو تسهم في الاحتلال. ويرى أن اتساع هذه الإجراءات قد يضيف ضغوطا جديدة على العلاقات الاقتصادية والمالية لإسرائيل مع الخارج.
وفي هذا السياق، تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن احتمال تحول إسرائيل إلى نموذج «إسبرطة»، في إشارة إلى دولة تعتمد على قدراتها ومواردها المحلية. وتطرق نتنياهو أيضا إلى إمكانية الالتفاف على العقوبات المصرفية باستخدام العملات المشفرة، وهو ما قال شحادة إنه أثار مخاوف بشأن المسار الاقتصادي الذي قد تسلكه البلاد.
وعلى المستوى الاجتماعي، أشار شحادة إلى أن الهجرة العكسية تشمل أصحاب مهن وأطباء وعاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، محذرا من أن استمرار خروج هذه الفئات قد يوسع الفجوات الطبقية وينعكس على سوق العقارات. فمغادرة أصحاب الكفاءات لا تقتصر آثارها على سوق العمل، بل قد تمتد إلى القدرة الإنتاجية والقطاعات التي تعتمد على الخبرات المتخصصة.
وانتقد شحادة ما اعتبره غياب رؤية اقتصادية شاملة لدى أحزاب المعارضة، محذرا من أن استمرار تراجع النمو وتقلص الخيارات المالية المتاحة للحكومة قد يجعل التعامل مع الأزمة أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.
وتضع هذه المؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي أمام مجموعة مترابطة من التحديات، تبدأ بارتفاع كلفة الحروب وخدمة الدين، ولا تنتهي عند الضرائب ومستويات المعيشة والاستثمار والهجرة. ويبقى حجم التداعيات المستقبلية مرتبطا بمسار المواجهات، واستقرار الوضع السياسي، وقدرة الحكومة المقبلة على إدارة الالتزامات المالية دون تعميق الضغوط على القطاعات المدنية.