القائمة المشتركة والانقسامات.. تحولات المشهد السياسي العربي في إسرائيل

2026.10.25 - 19:54
Facebook Share
طباعة

 مرّ التمثيل السياسي للعرب داخل إسرائيل بتحولات متعاقبة منذ أول انتخابات للكنيست عام 1949، تنقّل خلالها بين قوائم مرتبطة بأحزاب إسرائيلية، وتيارات سياسية عربية ويهودية مشتركة، وأحزاب عربية أكثر استقلالاً، وصولاً إلى تحالفات انتخابية واسعة لم تصمد أمام الخلافات السياسية والتنظيمية.

ويرصد تقرير بثته منصات الجزيرة الرقمية مسار القوى العربية عبر أربعة تيارات رئيسية أسهمت في تشكيل الأحزاب العربية، موضحاً كيف انتقل حضورها البرلماني من محاولات بناء تمثيل مستقل إلى فترات من الوحدة الانتخابية، قبل أن تؤدي الانقسامات اللاحقة إلى تراجع عدد المقاعد.

 

من قوائم مباي إلى الجبهة الديمقراطية

خاض العرب في إسرائيل انتخابات عام 1949 عبر قوائم حظيت بدعم حزب «مباي»، وهو اختصار عبري للاسم الكامل لحزب عمال أرض إسرائيل، بالتوازي مع مشاركة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي جمع في صفوفه عرباً ويهوداً.

ولم يكن التمثيل العربي في تلك المرحلة قائماً على أحزاب عربية مستقلة بالمعنى الذي ظهر في العقود اللاحقة. ففي عام 1977، تأسست الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»، انطلاقاً من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وانضمت إليها قوى وشخصيات يسارية وناشطون من حركة «الفهود السود»، وهي حركة احتجاجية يسارية أسسها يهود من أصول شرقية وعربية، عُرفوا باسم «المزراحيم»، عام 1971.

ورغم أن «حداش» لم تكن حزباً عربياً خالصاً، فإن برنامجها السياسي جمع بين المطالبة بالمساواة بين العرب واليهود، والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال، إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.

وفي عام 1983، ظهرت «القائمة التقدمية للسلام»، التي ضمت مجموعات عربية ويهودية راديكالية. وتمكنت القائمة في انتخابات عام 1984 من الفوز بمقعدين في الكنيست، لكنها أخفقت في تجاوز نسبة الحسم عام 1992، لينتهي نشاطها السياسي.

 

أحزاب عربية أكثر استقلالاً

شهد عام 1988 محطة جديدة مع تأسيس الحزب الديمقراطي العربي، الذي يصفه التقرير بأنه أول حزب عربي صرف ينجح في الحصول على مقعد في الكنيست. ومثّل ظهوره خطوة نحو تشكيل قوى سياسية عربية أكثر استقلالاً وتنوعاً، لكن تعدد الأحزاب صاحبه تشرذم أثّر لاحقاً في المشهد الانتخابي.

وفي عام 1995، تأسس التجمع الوطني الديمقراطي «بلد» بمشاركة مجموعة من المثقفين والناشطين العرب، مقدماً تصوراً سياسياً يتجاوز المطالبة بالمساواة الفردية إلى الاعتراف بالفلسطينيين في إسرائيل باعتبارهم أقلية قومية لها حقوق جماعية. كما دافع عن مفهوم دولة يتساوى جميع مواطنيها في الحقوق.

وفي العام التالي، انقسمت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني بشأن المشاركة في انتخابات الكنيست. فقد رفض الجناح الشمالي، الذي يتركز أنصاره في مناطق المثلث والجليل وشمال إسرائيل، خوض الانتخابات، بينما اختار الجناح الجنوبي، الذي يتركز أنصاره في النقب ومناطق الجنوب، المشاركة فيها.

ومن هذا المسار برزت القائمة العربية الموحدة «راعم»، ذات المرجعية الإسلامية والمحافظة اجتماعياً، والتي ركزت على العمل البرلماني والدفاع عن قضايا المجتمع العربي، ومنها السكن والأراضي ومكافحة الجريمة وحقوق البدو في النقب.

وفي السياق نفسه، بدأت الحركة العربية للتغيير «تاعل» مسارها الانتخابي عام 1996، ودخلت الكنيست للمرة الأولى عام 1999 عبر تحالف مع «بلد». وطرحت الحركة مطالب تتعلق بالمساواة وحقوق العرب الفلسطينيين في الداخل، مع اعتماد العمل البرلماني وسيلة لتحقيق أهدافها.

 

تحالفات تفرضها الحسابات الانتخابية

مع اتساع التعدد الحزبي، وجدت القوى العربية نفسها أمام ضرورة بناء تحالفات انتخابية رغم اختلاف مرجعياتها السياسية والفكرية. وزادت أهمية هذه التحالفات مع ارتفاع نسبة الحسم، إلى جانب الضغوط الشعبية المطالبة بتوحيد القوائم لتعزيز التمثيل العربي في الكنيست.

وجاء التحول الأبرز في انتخابات عام 2015، عندما اجتمعت الأحزاب العربية الأربعة الرئيسية، وهي «حداش» و«بلد» و«تاعل» و«راعم»، ضمن قائمة واحدة عُرفت باسم «القائمة المشتركة».

وحصلت القائمة على 13 مقعداً، لتصبح ثالث أكبر كتلة في الكنيست، في نتيجة عكست قدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها التنظيمية والسياسية لصالح خوض الانتخابات بصورة موحدة.

لكن هذا التحالف لم يستمر دون انقطاعات. ففي انتخابات أبريل/نيسان 2019، تفككت القائمة المشتركة إلى قائمتين: ضمت الأولى «تاعل»، فيما جمعت الثانية «راعم» و«بلد».

وأمام الضغط الشعبي، عادت القائمة المشتركة إلى التشكّل، وحققت مجدداً 13 مقعداً، قبل أن تصل إلى 15 مقعداً في انتخابات عام 2020، وهو أعلى تمثيل عربي في تاريخ الكنيست حتى الآن.

 

مشاركة «راعم» في الحكومة الإسرائيلية

في عام 2021، اتخذت «راعم» مساراً سياسياً مختلفاً، باختيارها دعم تشكيل الحكومة التي قادها نفتالي بينيت ويائير لبيد والانضمام إلى ائتلافها، لتصبح أول حزب عربي يشارك رسمياً في ائتلاف حكومي إسرائيلي.

في المقابل، بقيت الأحزاب العربية الأخرى خارج الائتلاف، ما عكس اختلافاً في تقدير جدوى المشاركة في الحكومة وآليات تحقيق مطالب المجتمع العربي من خلال المؤسسات السياسية الإسرائيلية.

وفي انتخابات عام 2022، اتسعت مظاهر الانقسام، إذ خاضت ثلاثة قوائم عربية السباق الانتخابي، وتراجع إجمالي التمثيل العربي إلى عشرة مقاعد، مقارنة بالرقم القياسي الذي سجلته القائمة المشتركة عام 2020.

 

محاولات جديدة لتوحيد الصفوف

على الرغم من الخلافات، لم تتوقف محاولات إعادة جمع الأحزاب العربية ضمن إطار انتخابي مشترك. ففي يناير/كانون الثاني 2020، وقّع قادة الأحزاب الأربعة وثيقة تعهدوا فيها بالسعي إلى إعادة القائمة المشتركة.

لكن «راعم» أعلنت في ديسمبر/كانون الأول 2020 استقلالها التنظيمي عن الحركة الإسلامية، واتجهت إلى مسار منفصل عن بقية الأحزاب.

وفي المقابل، اتفقت «حداش» و«بلد» و«تاعل» على خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة ثلاثية، في محاولة لتجميع قواها وتعزيز قدرتها على تمثيل المجتمع العربي والدفاع عن حقوقه.

وتواصلت التحركات المتعلقة بمستقبل القوائم العربية مع قرار لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2026، والقاضي بشطب القائمة المشتركة والقائمة الموحدة ومنعهما من خوض الانتخابات المقبلة. غير أن القرار لم يصبح نهائياً، إذ ألغته المحكمة العليا الإسرائيلية في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأعادت القائمة المشتركة و«راعم» إلى السباق الانتخابي.

 

وحدة انتخابية متعثرة وتمثيل متراجع

يكشف المسار التاريخي للأحزاب العربية في الكنيست عن انتقال تدريجي من قوائم مرتبطة بأحزاب إسرائيلية إلى قوى عربية أكثر استقلالاً، ثم إلى تحالفات انتخابية واسعة حققت نتائج غير مسبوقة، قبل أن تتراجع بفعل الانقسامات السياسية والتنظيمية.

وبين اختلاف المرجعيات الحزبية، وتباين المواقف من المشاركة في الحكومات الإسرائيلية، وضغط نسبة الحسم، ظلت مسألة توحيد القوائم إحدى أبرز القضايا التي تواجه القوى العربية.

وتظهر نتائج انتخابات 2015 و2020 أن الوحدة الانتخابية مكّنت الأحزاب العربية من تحقيق تمثيل أكبر، فيما أعاد تراجع المقاعد في انتخابات 2022 تسليط الضوء على كلفة التشرذم، وعلى التحدي المستمر المتمثل في الجمع بين الاختلاف السياسي والحاجة إلى تمثيل برلماني أكثر فاعلية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8

اقرأ أيضاً