رغم التراجع الملحوظ في أعداد السفن الظاهرة على منصات التتبع الملاحي، لا تزال حركة السفن وشحنات النفط مستمرة عبر مضيق هرمز، وفق بيانات الشحن وصور الأقمار الصناعية التي تكشف عن تحركات بحرية لا تظهر جميع تفاصيلها في أنظمة الملاحة العامة. ويأتي ذلك وسط خلاف أميركي إيراني بشأن السيطرة على المضيق وشروط عبور السفن التجارية، بالتزامن مع تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.
وفي أحدث رصد أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، أظهرت بيانات الملاحة 10 سفن منذ بداية يوم السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر وحتى وقت إعداد التقرير الأحد 25 من الشهر نفسه، بتوقيت الدوحة، بينها 8 سفن يوم السبت وسفينتان يوم الأحد. في المقابل، رصدت صور الأقمار الصناعية سفناً أخرى قرب شبه جزيرة مسندم العمانية، لم تتطابق مواقعها مع إشارات ملاحية ظاهرة في البيانات المتاحة وقت التقاط الصور.
وتشير هذه الفجوة إلى أن بيانات التتبع العامة لا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن حركة الملاحة في المضيق. ووفق منصة «كبلر» (Kpler)، سُجلت نحو 120 عملية عبور بين 12 و18 تشرين الأول/أكتوبر، بانخفاض نسبته 40.9% مقارنة بالأسبوع السابق، الذي شهد 203 عمليات. كما ظلت مسارات أكثر من ثلثي عمليات العبور غير محددة.
سفن تتحرك خارج نطاق التتبع الظاهر
أظهرت صور التقطها القمر الصناعي الأوروبي «سنتينال-2» صباح السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر وجود 10 سفن في المياه المحيطة بشبه جزيرة مسندم العمانية، على جانبيها الشرقي والغربي، ضمن المنطقة البحرية التي تشمل المسار العماني لعبور مضيق هرمز.
وتظهر في الصور آثار ممتدة خلف عدد من السفن على سطح المياه، بما يشير إلى أنها كانت تتحرك وقت التصوير. لكن وحدة المصادر المفتوحة لم تعثر على إشارات ملاحية تتطابق مع مواقع السفن الظاهرة عند مقارنتها ببيانات التتبع المتاحة في التوقيت نفسه.
ولا تكفي الصور وحدها لتحديد المسار الكامل للسفن العشر أو إثبات أنها عبرت المضيق من بدايته إلى نهايته، لكنها تقدم دليلاً بصرياً على وجود حركة بحرية لا تظهر جميع تفاصيلها في بيانات الملاحة العامة.
ولا تقتصر الفجوة بين الصور الفضائية ومنصات التتبع على تحديد مواقع السفن، بل تمتد إلى متابعة شحنات النفط، إذ تتيح سجلات الشحن والصور الفضائية توثيق عمليات نقل بين ناقلات حتى في غياب مسارات ملاحية متصلة لبعض السفن.
شحنة عراقية تنتقل من البصرة إلى صحار
من بين العمليات التي وثقتها بيانات «كبلر» شحنة نفط عراقية بدأت رحلتها في 17 تشرين الأول/أكتوبر، عندما سجلت المنصة تحميل ناقلة النفط «اليحر» (AL YAHR)، التي تحمل رقم التعريف البحري الدولي 9470040، نحو 1.94 مليون برميل من النفط الخام في منطقة البصرة العراقية.
وبعد سبعة أيام، رصدت المنصة نقل الشحنة إلى ناقلة «نيو ميريت» (NEW MERIT) قبالة مدينة صحار العمانية، في 24 تشرين الأول/أكتوبر.
وتمكنت وحدة المصادر المفتوحة من التحقق بصرياً من وجود الناقلتين في الموقع نفسه، عبر مطابقة إحداثيات «نيو ميريت» المسجلة في «كبلر» مع صورة التقطها القمر الصناعي الأوروبي «سنتينال-2» في اليوم ذاته. وتظهر الناقلتان متجاورتين في الصورة، بما يتوافق مع بيانات موقع الناقلة المستقبلة ويدعم سجلات نقل الشحنة بينهما.
لكن بيانات منصة «مارين ترافيك» المتاحة وقت الرصد لم تعرض مساراً ملاحياً متصلاً لناقلة «اليحر» خلال رحلتها الأخيرة، إذ يعود آخر موقع معلن لها إلى 24 أيلول/سبتمبر، أي قبل نحو شهر من عملية نقل الشحنة التي سجلتها «كبلر».
وبحسب بيانات المنصة، أُدرج ميناء ريتشاو الصيني وجهةً لناقلة «نيو ميريت»، مع موعد وصول متوقع في 13 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ما يوفر مؤشراً إضافياً على الوجهة المعلنة للشحنة بعد انتقالها من البصرة إلى بحر عمان.
وتشير سجلات الملكية إلى أن «اليحر» ترفع علم ليبيريا، وترتبط إدارتها الفنية والتشغيلية بشركة «أدنوك للإمداد والخدمات» الإماراتية. أما «نيو ميريت» فترفع علم هونغ كونغ، وترتبط بشركات تابعة لمجموعة «تشاينا ميرشانتس إنرجي شيبينغ» الصينية.
شحنة إماراتية أخرى قبالة الفجيرة
في اليوم نفسه، وثقت «كبلر» عملية نقل أخرى لشحنة من النفط الخام الإماراتي بين ناقلتين عملاقتين قبالة الفجيرة.
ففي 18 تشرين الأول/أكتوبر، حملت ناقلة «رومانيا بروسبيريتي» (ROMANIA PROSPERITY)، التي تحمل رقم التعريف البحري الدولي 9315161، نحو مليوني برميل من النفط الخام من جزيرة داس الإماراتية. وبعد ستة أيام، سجلت المنصة نقل الشحنة إلى ناقلة «بلاتا سنغافورة» (PLATA SINGAPORE)، التي تحمل رقم التعريف البحري الدولي 9323936، في منطقة الفجيرة البحرية.
وتظهر بيانات «مارين ترافيك» أن «رومانيا بروسبيريتي» ناقلة نفط عملاقة ترفع علم ليبيريا، وترتبط إدارتها الفنية والتشغيلية بشركة «أدنوك للإمداد والخدمات». أما «بلاتا سنغافورة» فترفع علم ليبيريا أيضاً، وتتولى شركة «سينوكور ماريتايم» الكورية الجنوبية إدارتها التجارية.
وبجمع العمليتين، توثق سجلات الشحن انتقال نحو أربعة ملايين برميل من النفط العراقي والإماراتي بين أربع ناقلات قبالة صحار والفجيرة في 24 تشرين الأول/أكتوبر، رغم محدودية السفن الظاهرة على منصات التتبع خلال الفترة نفسها.
نقل الشحنات بين الناقلات
تعكس العمليتان نمطاً مستخدماً في تصدير النفط من منطقة الخليج، يقوم على نقل الشحنات من ناقلة إلى أخرى في بحر عمان، بدلاً من استمرار الناقلة التي تحمل النفط من الميناء الأصلي إلى وجهته النهائية.
وفي هذا النظام، تحمل ناقلة النفط شحنتها من أحد موانئ الخليج، ثم تعبر مضيق هرمز إلى بحر عمان، حيث تنقل الحمولة إلى ناقلة أخرى تتابع الرحلة نحو الأسواق العالمية. وبعد تفريغ الشحنة، يمكن للناقلة الأولى العودة إلى ميناء التحميل لبدء رحلة جديدة.
ويتيح هذا الترتيب تكرار عمليات النقل عبر المضيق من دون اضطرار جميع الناقلات إلى مواصلة رحلاتها إلى الوجهات النهائية، وهو أحد العوامل التي تساعد على تفسير استمرار نقل كميات كبيرة من النفط رغم تراجع أعداد السفن التي تظهر في بعض بيانات الملاحة.
وتقول شركة «كبلر» إن أكثر من 70% من النفط الخام الذي عبر مضيق هرمز خلال آب/أغسطس الماضي نُقل لاحقاً بين ناقلات قبالة الفجيرة أو صحار.
كما وثقت الشركة عمل ما لا يقل عن 63 ناقلة نفط عملاقة ضمن هذا النظام، بينها مجموعة أساسية تضم 35 ناقلة نفذت كل منها ثلاث رحلات متكررة على الأقل، بفواصل زمنية تقارب 16 يوماً بين الرحلات.
وبحسب تحليل الشركة، تركزت 54% من عمليات نقل الشحنات قبالة الفجيرة، مقابل نحو 45% قبالة صحار.
واشنطن وطهران.. روايتان متعارضتان
تأتي هذه المؤشرات في ظل خلاف مستمر بين الولايات المتحدة وإيران بشأن السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، ومدى حرية السفن التجارية في استخدام مسارات العبور.
وتؤكد واشنطن دعمها استمرار حركة الملاحة التجارية، وتستند إلى تدفق شحنات النفط للقول إن إيران فقدت السيطرة على المضيق. في المقابل، تصر طهران على أنها لا تزال تتحكم في حركة الملاحة وتحدد الشروط التي يتعين على السفن العابرة الالتزام بها.
وفي 13 تموز/يوليو الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» استئناف الحصار البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها، اعتباراً من اليوم التالي، مؤكدة استمرار دعم حركة السفن الأخرى التي لا تخالف الحصار.
وفي المقابل، قال قائد بحرية الحرس الثوري الإيراني علي عظمائي، في 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إن بلاده تمارس ما وصفه بـ«السيطرة الذكية» على المضيق، وإن السفن الراغبة في العبور تحتاج إلى الحصول على التصاريح اللازمة من السلطات الإيرانية.
وشكك عظمائي في التصريحات الأميركية بشأن السيطرة على الممر البحري، معتبراً أن استمرار بعض السفن في العبور لا يعني أن إيران فقدت قدرتها على التحكم في الملاحة.
وتستمر هذه الخلافات بالتزامن مع محادثات بشأن إعادة فتح المضيق بالكامل. ففي 18 تشرين الأول/أكتوبر، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مقترح بلاده لإعادة فتح المضيق خلال أسبوع لا يزال مطروحاً أمام الولايات المتحدة.
وربطت طهران تنفيذ المقترح برفع الحصار الأميركي عن موانئها، وإلغاء العقوبات المفروضة على صادراتها النفطية، إلى جانب وقف العمليات العسكرية في المنطقة.
هجمات متصاعدة ومخاطر على السفن
تكتسب المؤشرات المتعلقة بحركة الملاحة أهمية إضافية في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف السفن التجارية في مضيق هرمز والمياه المحيطة به خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
ووفق بيانات جمعها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ونقلتها وكالة رويترز في 23 تشرين الأول/أكتوبر، شهد المضيق والمياه المحيطة به 28 هجوماً مؤكداً أو مبلغاً عنه ضد سفن تجارية خلال الشهر الجاري، وهو أعلى مستوى شهري يسجله المعهد منذ بدء متابعة الحوادث البحرية عام 2017.
وبلغ إجمالي الهجمات المسجلة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران 113 هجوماً، وفق بيانات المعهد. وفي سياق متصل، سجلت المنظمة البحرية الدولية 120 حادثة مؤكدة في مضيق هرمز ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع حتى 22 تشرين الأول/أكتوبر.
وشملت الحوادث ناقلات نفط وغاز وسفن حاويات وبضائع، وتعرضت بعض السفن لأضرار متفاوتة. كما غرقت سفينة الحاويات «جي إف إس برايد» (GFS PRIDE) في مضيق هرمز يوم 13 تشرين الأول/أكتوبر، بحسب سجلات المنظمة البحرية الدولية.
وتكشف هذه المعطيات عن مشهد ملاحي معقد: سفن لا تظهر مواقعها في بيانات التتبع المتاحة، وشحنات نفط تواصل انتقالها بين الناقلات، ومخاطر أمنية متزايدة على حركة التجارة البحرية. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع السفن غير الظاهرة تتعمد إخفاء تحركاتها، أو لتحديد الطرف الذي يفرض السيطرة الكاملة على المضيق.