جنوب لبنان بعد التهجير.. منازل مهددة وأسر بلا مصادر دخل

2026.10.25 - 18:35
Facebook Share
طباعة

 تعيش عائلات في بلدتي القليلة والحنية جنوبي لبنان تحت وطأة الخوف من اتساع الأضرار التي لحقت بمنازلها، مع استمرار تفجير المنازل وجرفها في بلدة المنصوري المجاورة، بالتزامن مع الغارات الإسرائيلية. وبين جدران متصدعة وأسقف مهددة بالسقوط ومصادر رزق مفقودة، يحاول الأهالي استعادة حياتهم بعد أشهر من التهجير، في ظل محدودية فرص العمل وغياب المعالجات الرسمية الفاعلة.

 

وتنعكس التفجيرات المتواصلة في المنصوري على القرى المحيطة، حيث تتسبب الانفجارات بتساقط أجزاء من المباني المتضررة أصلاً، وتثير مخاوف السكان الذين عادوا إلى منازلهم رغم المخاطر، فيما لا يجد بعضهم بديلاً عن الإقامة في غرف غير مكتملة أو منازل تحتاج إلى ترميم واسع.

 

وبحسب بلدية القليلة، تراجع عدد الوحدات السكنية في البلدة من أكثر من 1200 وحدة إلى نحو 500، كما تعرضت أجزاء من الوحدات المتبقية لأضرار تجعل السكن فيها محفوفاً بالمخاطر.

 

وكان مجلس الجنوب قد أجرى كشوفات على المنازل المتضررة، إلا أن بعض أصحاب البيوت المهددة بالانهيار رفضوا هدمها، ووقّعوا مستندات يعفون بموجبها المجلس من المسؤولية، أملاً في العودة إليها وترميم ما يمكن إنقاذه منها.

 

وفي أحياء القليلة، تظهر آثار القصف على المنازل التي فقدت أجزاء من جدرانها وأسقفها، لتصبح بعض الغرف مكشوفة أمام المارة. وتحاول العائلات المقيمة فيها معالجة الأضرار بإمكانات محدودة؛ فبعضها يغطي النوافذ بأغلفة النايلون، فيما يستخدم آخرون مواد بدائية لسد الفتحات وحماية ما تبقى من المنازل من الأمطار.

 

وتبقى هذه الإجراءات حلولاً مؤقتة لا توفر ضمانات حقيقية للسلامة، في انتظار تدخل رسمي يعالج الأضرار ويؤمن ظروفاً مناسبة للسكن. أما العائلات التي دمرت منازلها بالكامل، فقد اضطر أفرادها إلى استئجار بيوت في محيط قراهم، ولا سيما أولئك الذين لا يزالون يحتفظون بفرص عمل أو مصادر دخل.

 

فرن المناقيش في غرفة لا تتجاوز ثلاثة أمتار

من بين العائلات التي عادت إلى القليلة زينب وسميرة سلمان، اللتان خسرتا نصف منزلهما وفرن المناقيش الذي كان يشكل مصدر رزقهما، إلى جانب حسين درويش الذي فقد منزله وتعاونيته، وسكنة عامر التي دُمر منزلها الوحيد. وبعد نحو أربعة أشهر من التهجير، وجد هؤلاء أنفسهم أمام تحديات يومية لتأمين المأوى واستعادة مصادر الدخل.

 

وتقول سميرة سلمان إن العدوان أغلق باب رزقهما، فيما لم تتلقيا المساعدة التي تحتاجان إليها، موضحة أنها نقلت ما تبقى من معدات الفرن الذي استهدفه الاحتلال الإسرائيلي، لتواصل العمل داخل غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار مربعة.

 

أما زينب، فتحاول حماية الأجزاء المتبقية من منزل العائلة باستخدام مادة «الفوم» لسد الفتحات التي أحدثها القصف ومنع تسرب مياه الأمطار. وتروي والدتهما أن كل تفجير ينفذه الاحتلال الإسرائيلي في المنصوري يؤدي إلى سقوط أجزاء إضافية من الجدران والنوافذ، ما يزيد الأضرار ويهدد سلامة أفراد العائلة الموجودين داخل المنزل.

 

ولا تقتصر المعاناة على الخسائر المادية، إذ تواجه العائلات صعوبة في استعادة أعمالها في ظل استمرار الاعتداءات وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة، ما يجعل إعادة بناء الحياة اليومية أكثر تعقيداً من مجرد إصلاح الجدران والأسقف.

 

وتواجه سكنة عامر، الموظفة في بلدية القليلة، وضعاً مشابهاً بعدما دُمر منزلها، واضطرت إلى استئجار منزل متصدع في أحد أحياء البلدة المتضررة، حفاظاً على بقائها في قريتها. وتدفع عامر راتبها الشهري البالغ 250 دولاراً كاملاً بدل إيجار، ما يحرمها من أي دخل متبقٍ لتغطية احتياجاتها المعيشية الأخرى.

 

في الحنية.. النزوح لا ينهي الخسائر

دفعت الأضرار التي لحقت بمنازل القليلة بعض سكانها إلى الانتقال نحو القرى المجاورة بحثاً عن مساكن بديلة، لكن الابتعاد عن المنزل المدمر لم يكن كافياً لإنهاء معاناتهم، في ظل استمرار التوترات والخسائر الاقتصادية التي طالت المنطقة.

 

ومن بين هؤلاء حسين درويش، الذي استأجر منزلاً في بلدة الحنية القريبة من المنصوري، بعد أن خسر منزله وتعاونيته التي كانت تؤمن مصدر رزقه. ويقول إنه يحاول التأقلم مع وضعه الجديد، فيما يقضي معظم وقته في أحد مقاهي البلدة بعد فقدانه العمل والدخل.

 

ويؤكد درويش، وهو عضو في بلدية القليلة، عدم وجود تحرك رسمي جدي تجاه أوضاع المنطقة، مشيراً إلى أن معظم شباب البلدة خسروا وظائفهم الدائمة والموسمية في المطاعم والفنادق التي أغلقت أبوابها نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية.

 

وبين من يحاول ترميم منزل متصدع، ومن يواصل العمل داخل غرفة صغيرة، ومن ينفق راتبه بالكامل على الإيجار، تتواصل معاناة العائلات العائدة إلى القليلة والحنية. فاستعادة الحياة في هذه القرى لا تتوقف على العودة إلى المنازل فحسب، بل ترتبط أيضاً بتأمين مساكن آمنة، وإعادة فتح أبواب الرزق، وتوفير دعم فعلي للسكان الذين يحاولون الصمود وسط الدمار.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 1