تسعى سوريا إلى توسيع حضورها في المنظمات الإقليمية والإسلامية، مستفيدة من مشاركتها في الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي انعقدت في العاصمة العراقية بغداد. وتطرح هذه المشاركة تساؤلات بشأن فرص دمشق في تعزيز علاقاتها السياسية، والحصول على دعم دبلوماسي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب فتح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي والمساهمة في مشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وخلال كلمته في الاجتماع المنعقد في 17 تشرين الأول الحالي، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تعمل على تعزيز انخراطها في العمل الإسلامي المشترك، وتتطلع إلى ممارسة عضويتها بصورة كاملة وتطوير التعاون مع الدول الأعضاء، في إطار توجه أوسع لإعادة تفعيل علاقاتها الإقليمية بعد سنوات من الغياب.
ودعا الشيباني الدول الأعضاء إلى دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وممارسة الضغط الدولي لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية. كما طالب بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، والعودة الفورية إلى اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974.
وأشار وزير الخارجية السوري إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية، وفق ما عرضه في كلمته، تسببت بأضرار في البنية التحتية، وترافقت مع توغلات في الجنوب واعتقالات طالت مواطنين لا يزال مصير العشرات منهم مجهولاً. واتهم إسرائيل بدعم جماعات خارجة عن القانون في محافظة السويداء بالمال والسلاح، معتبراً أن هذه الممارسات تسهم في تأجيج الفوضى وتهديد الاستقرار.
وفي ما يتعلق بالجولان السوري المحتل، شدد الشيباني على أنه جزء من الأراضي السورية، واعتبر أن أي قرار بضمّه يظل بلا أثر قانوني، مستنداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 497. كما دعا إلى تضمين «إعلان بغداد» موقفاً صريحاً يدين التوغلات الإسرائيلية في سوريا، ويؤكد التمسك باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وتناول الشيباني أيضاً مشاريع القرارات المطروحة أمام الاجتماع بشأن سوريا والجولان المحتل، معرباً عن تقديره للدول التي تدعمها. وأكد أن دمشق تعمل على صون سيادتها ووحدة أراضيها وترسيخ مؤسساتها، من خلال الحوار الوطني والإعلان الدستوري وانتخابات مجلس الشعب، إلى جانب مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وفي الجانب المؤسسي، أشار إلى توقيع سوريا مجموعة من معاهدات المنظمة وأنظمتها الأساسية، من بينها معاهدة مكافحة الإرهاب الدولي، واتفاقية مكة لمكافحة الفساد التي بادرت بها السعودية، والنظام الأساسي للتعاون الشرطي. وقال إن هذه الاتفاقيات توفر أدوات للتعاون في مكافحة الإرهاب وتعقب الأموال المنهوبة وأصول رموز نظام الأسد.
كما دعا إلى توسيع دور أجهزة منظمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية في دعم مشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار في سوريا، بالتنسيق مع الحكومة السورية، بما يتيح تحويل التقارب السياسي إلى برامج عملية تستجيب للاحتياجات الاقتصادية والإنسانية.
منصة لعرض الموقف السوري وتطوير العلاقات
يرى الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن عمار جلو أن مشاركة سوريا في مؤتمرات المنظمات الإقليمية تمثل فرصة لعرض وجهة نظر دمشق أمام الحكومات المشاركة، وشرح مواقفها بشأن الملفات المطروحة، ومعالجة المخاوف التي قد تكون لدى بعض الدول حيال المرحلة السورية الراهنة.
ويشير جلو إلى أن الاجتماعات الإقليمية لا تقتصر أهميتها على الكلمات والمواقف المعلنة، بل توفر مساحة لعقد لقاءات ثنائية قد تفضي إلى مذكرات تفاهم أو اتفاقيات تعاون. ويعتبر أن تعزيز التواصل الرسمي مع الدول الأعضاء يشكل أولوية، في ظل عدم تفعيل العلاقات مع جميع هذه الدول بالمستوى نفسه.
ويضيف أن مشاركة سوريا تعيد تفعيل حضورها ضمن منظومة إسلامية كانت جزءاً أساسياً منها، بعد سنوات من القطيعة والجمود في علاقاتها مع عدد من المنظمات الإقليمية، بما فيها منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية.
وعلى صعيد الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري، يعتقد جلو أن المنظمة تستطيع منح الموقف السوري دعماً دبلوماسياً وسياسياً إضافياً، من خلال تنسيق المواقف بين الدول الأعضاء وإبقاء الانتهاكات الإسرائيلية حاضرة في المحافل الدولية.
أما اقتصادياً، فيلفت إلى إمكانية الاستفادة من خبرات دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، ولا سيما في مجالات الاستثمار والصناعة. ويمكن للاجتماعات أن تتيح بحث احتياجات السوق السورية والفرص المتاحة أمام الشركات الأجنبية، وصولاً إلى تفاهمات أو عقود تسهم في دعم التعافي الاقتصادي، إذا توافرت الظروف المناسبة والضمانات اللازمة لتنفيذ المشاريع.
إعادة تموضع سوريا إقليمياً
من جهته، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن المشاركة السورية تأتي في سياق مساعٍ لإعادة تموضع البلاد إقليمياً ودولياً، بعد سقوط نظام الأسد وبدء عملية الانتقال السياسي. ويقول إن دمشق تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها شريكاً في قضايا الاستقرار الإقليمي والدولي، وتعزيز حضورها في المؤسسات التي تجمع دول المنطقة.
وبحسب علوان، فإن المكاسب المحتملة لا تقتصر على النتائج المباشرة للاجتماع، بل تشمل أيضاً توسيع شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية، وإظهار استعداد سوريا للعمل مع شركائها الإقليميين في الملفات الأمنية والاستقرار المشترك.
ويضيف أن اللقاءات الثنائية قد تساعد في تسريع التفاهمات المتعلقة بالاستثمار والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، فضلاً عن إتاحة المجال لتطوير التنسيق الأمني والعسكري. لكنه يربط تحقيق هذه النتائج بقدرة الاتصالات السياسية على الانتقال إلى علاقات ثنائية أكثر انتظاماً واتفاقات قابلة للتنفيذ.
وتعكس هذه التقديرات أهمية التمييز بين فرص التعاون التي تتيحها المشاركة وبين النتائج الفعلية التي يمكن قياسها لاحقاً، سواء عبر توقيع اتفاقيات جديدة، أو إطلاق مشاريع اقتصادية، أو تبني مواقف مشتركة بشأن الملفات السياسية والأمنية.
من تعليق العضوية إلى استعادة المشاركة
تُعد سوريا من الدول المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست عام 1969، لكن عضويتها عُلّقت في 24 حزيران 2012 على خلفية الأحداث التي شهدتها البلاد آنذاك وموقف المنظمة من تعامل نظام الأسد معها.
وفي 7 آذار 2025، عادت دمشق إلى المنظمة خلال اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية عُقد في مدينة جدة السعودية، لتنهي بذلك غياباً استمر نحو 13 عاماً.
ومنذ استعادة عضويتها، شاركت سوريا في اجتماعات أخرى تابعة للمنظمة؛ إذ حضرت في تشرين الأول 2025 الدورة السادسة للمؤتمر الإسلامي لوزراء العمل في العاصمة القطرية الدوحة، بوفد ترأسته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، كما شاركت في المؤتمر الوزاري التاسع للمنظمة حول المرأة في تموز 2026.
وتمنح هذه المشاركات دمشق مجالاً لتوسيع حضورها المؤسسي، إلا أن حجم المكاسب سيظل مرتبطاً بمدى تطور العلاقات مع الدول الأعضاء، وقدرة الحكومة السورية على تحويل الاتصالات السياسية إلى تعاون ملموس في المجالات الاقتصادية والتنموية والأمنية.
منظمة التعاون الإسلامي وآليات عملها
تُعد منظمة التعاون الإسلامي ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، وتضم 57 دولة موزعة على أربع قارات. وتهدف إلى تنسيق التعاون بين الدول الأعضاء والدفاع عن المصالح المشتركة للعالم الإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويقع مقر أمانتها العامة في مدينة جدة السعودية.
وتُعد القمة الإسلامية أعلى هيئة في المنظمة، إذ تجمع ملوك ورؤساء الدول والحكومات الأعضاء، وتنعقد عادة كل ثلاث سنوات لمناقشة القضايا المشتركة وتحديد التوجهات العامة واتخاذ القرارات السياسية.
أما مجلس وزراء الخارجية، فيجتمع دورياً مرة كل عام، ويتولى بحث آليات تنفيذ السياسة العامة للمنظمة، وإصدار القرارات المتعلقة بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، ومراجعة التقدم في تنفيذ القرارات الصادرة عن القمم الإسلامية والاجتماعات الوزارية السابقة.
وتتولى الأمانة العامة تنفيذ القرارات الصادرة عن هيئات المنظمة، من خلال أقسام متخصصة تشمل الشؤون السياسية والاقتصادية والإنسانية والقانونية، إضافة إلى ملفات فلسطين والقدس، والعلوم والتكنولوجيا والصحة والتعليم، والثقافة وشؤون الأسرة، والإعلام والتواصل والعلاقات العامة.
وفي ضوء هذه البنية، تتيح المنظمة لسوريا مسارات متعددة للعمل المشترك، من الدبلوماسية وتنسيق المواقف إلى التعاون الاقتصادي والإنساني. لكن ترجمة هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة ستتوقف على مستوى التوافق بين الدول الأعضاء، وطبيعة الالتزامات التي ستُعتمد، ومدى تنفيذها على أرض الواقع.