مساعٍ لتحييد العراق
تسعى الحكومة العراقية إلى تعزيز سيطرتها على القرارين الأمني والعسكري، ومنع الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات مستقلة انطلاقاً من الأراضي العراقية، وسط مخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد الخلافات بشأن مستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.
وتتحرك بغداد، وفق معطيات التقرير، على مسارين متوازيين: تشديد الرقابة على الأنشطة العسكرية غير المصرح بها، واستكمال التفاهمات مع الفصائل المستعدة لإخضاع أسلحتها لسلطة المؤسسات الرسمية، في محاولة لتجنب جرّ البلاد إلى صراع إقليمي جديد.
مواقف تصعيدية
في أحدث التطورات، اتهمت جماعات تطلق على نفسها اسم «المقاومة الإسلامية في العراق»، السبت، الولايات المتحدة بانتهاك الأجواء العراقية 171 مرة منذ نهاية أيلول، كما انتقدت القرارات الحكومية المتعلقة بإغلاق المنافذ الحدودية.
وتأتي هذه المواقف في وقت تؤكد فيه بغداد ضرورة الفصل بين توثيق الانتهاكات التي تمس السيادة العراقية، وبين اتخاذ الفصائل قرارات عسكرية من جانب واحد، خارج الأوامر الصادرة عن مؤسسات الدولة.
رقابة ومحاسبة
بحسب مسؤول أمني عراقي مطّلع على التنسيق بين الأجهزة المعنية، تشمل الإجراءات الحكومية التدقيق في البلاغات المتعلقة بتحركات الفصائل، ومراجعة الأنشطة العسكرية غير المرخصة، وتحديد مسؤولية القيادات الميدانية عن أي عمليات تخالف أوامر القائد العام للقوات المسلحة.
وتبدأ آلية التعامل مع هذه المعلومات بالتحقق منها عبر الجهات الرسمية، قبل إحالة المخالفات المثبتة إلى القيادات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وتشمل المراجعة أيضاً تتبع حركة الأسلحة والمقار والتشكيلات المسلحة، والتحقق من الجهات التي تصدر التعليمات الميدانية، بما يتيح تحديد المسؤوليات ومحاسبة المخالفين وفق القوانين النافذة.
وفي السياق نفسه، أعلن رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، أن السلطات توثق الانتهاكات الجوية وتحيلها إلى وزارة الخارجية لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
تفاهمات مع الفصائل
بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، تواصل الحكومة العراقية العمل على استكمال التفاهمات مع الفصائل التي أبدت استعداداً لوضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، مع إبقاء المسار القانوني مطروحاً في مواجهة الجهات الرافضة.
وتتضمن الخطة حصر الأسلحة والمقار والتشكيلات المسلحة، والتأكد من خضوع القيادات الميدانية للأوامر الرسمية، ومنع استمرار وجود هياكل عسكرية موازية بعد استكمال إجراءات التسليم.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد أعلن مطلع تشرين الأول إحراز تقدم في التفاهم مع خمسة فصائل، مشيراً إلى استكمال ثلاثة منها إجراءات تسليم السلاح، فيما تستمر الاتصالات مع الجهات الأخرى.
رفض يعرقل الخطة
لكن مساعي بغداد لا تزال تواجه تحديات، إذ جددت حركة النجباء، الأربعاء، رفضها تسليم السلاح أو الانخراط في العملية السياسية، فيما تستمر الخلافات مع كتائب حزب الله بشأن الالتزام الكامل بالجدول الحكومي.
وتستهدف الخطة الحكومية استكمال حصر السلاح بحلول 30 حزيران 2027، بعد مرحلة أولية شملت وقف الهجمات والبدء بالإجراءات التنظيمية. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحويل التفاهمات المعلنة إلى التزامات ميدانية تشمل الأسلحة والقيادات والعناصر، وليس الاكتفاء بالاتفاقات السياسية.
توازنات معقدة
على المستوى الخارجي، تركز الاتصالات العراقية مع واشنطن، وفق التقرير، على حماية المصالح العراقية ومنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات مسلحة، بالتوازي مع رفض استخدام الأجواء العراقية لشن هجمات على دول الجوار.
وفي المقابل، تحاول بغداد معالجة اعتراضات الفصائل عبر المؤسسات الوطنية، من دون السماح لأي جهة مسلحة بفرض شروطها على القرارات الأمنية أو توجهات السياسة الخارجية.
ويضع هذا المسار الحكومة أمام معادلة معقدة، تتمثل في الحفاظ على علاقاتها الخارجية، ومنع التصعيد على أراضيها، وفي الوقت نفسه التعامل مع فصائل تمتلك قدرات عسكرية ومواقف متباينة من مسألة حصر السلاح.