رسائل واشنطن من بوابة السويداء.. هل تتبدل موازين الجنوب السوري؟

2026.10.25 - 13:45
Facebook Share
طباعة

رسائل أمريكية تفتح باب التساؤلات
أثارت تصريحات المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل الجنوب السوري، وحدود الرهان على الدعم الخارجي في محافظة السويداء، في ظل تباين التقديرات حول حقيقة الموقف الأمريكي من العلاقة بين دمشق وتل أبيب، وانعكاسات ذلك على فرص التوصل إلى تسوية سياسية وأمنية تعيد الاستقرار إلى المنطقة.
وكان براك قد تحدث، خلال مقابلة إعلامية الجمعة الماضية، عن شيخ درزي لم يسمّه، قائلاً إنه يتوهم حصوله على دعم أمريكي وإسرائيلي ويستخدم هذا التصور للتضييق على دروز آخرين، نافياً وجود دعم أمريكي له. وفسّر معلقون هذه التصريحات على أنها إشارة إلى حكمت الهجري، فيما أثار حديث المبعوث الأمريكي عن صلات محتملة بين مجموعات في المنطقة الممتدة بين درعا والسويداء وتجارة الكبتاغون، وتمويل التسليح من عائداتها، جدلاً إضافياً بشأن الأبعاد الأمنية والسياسية للملف.
وتتباين القراءات بشأن ما إذا كانت هذه التصريحات تعكس تحولاً في السياسة الأمريكية، أم أنها تندرج ضمن رسائل ضغط تستهدف التأثير في حسابات الأطراف المحلية ودفعها نحو تفاهمات جديدة.


تباين في قراءة الموقف الأمريكي
يرى الكاتب السياسي أحمد الهواس أن تصريحات براك تعكس توجهاً أمريكياً يدعم بقاء سوريا موحدة، ويرفض مشاريع الانفصال أو إنشاء كيانات مستقلة داخل أراضيها. واعتبر أن الإشارة إلى شيخ درزي يستند إلى دعم خارجي تحمل رسالة إلى الأطراف التي تراهن على المساندة الأمريكية والإسرائيلية لتعزيز نفوذها المحلي.
وبحسب الهواس، لا تتطابق الحسابات الأمريكية بالضرورة مع الأهداف الإسرائيلية؛ إذ تسعى واشنطن، وفق تقديره، إلى الحفاظ على استقرار سوريا، في حين تحاول إسرائيل الاستفادة من الانقسامات الداخلية لتحقيق أهداف أمنية وسياسية.
في المقابل، رفض عضو الحزب الجمهوري الأمريكي توم حرب اعتبار تصريحات براك دليلاً على تحول في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن المبعوث يتبنى مواقف مشابهة منذ توليه مهمته. وشدد على أن التصريحات لا تعني بالضرورة وجود تفاهم أمريكي إسرائيلي جديد بشأن السويداء، لافتاً إلى أن تحديد السياسة الأمريكية النهائية يعود إلى الرئيس دونالد ترامب ومؤسسات إدارته.


الحسابات الإسرائيلية في الجنوب
في ما يتعلق بالدور الإسرائيلي، يرى الهواس أن تل أبيب تستخدم ملف السويداء ورقة ضغط في المفاوضات مع دمشق، سعياً إلى اتفاق أمني طويل الأمد يراعي مصالحها. وطرح احتمال سعي إسرائيل، في حال تعثر التفاهمات، إلى إقامة منطقة عازلة تمتد عبر أجزاء من درعا باتجاه السويداء.
واعتبر الهواس أن الرهان على إسرائيل قد لا يشكل ضمانة دائمة لأي طرف محلي، مرجحاً أن تتراجع أهمية بعض القوى بالنسبة إلى تل أبيب إذا توصلت الأخيرة إلى تفاهم مباشر مع دمشق يحقق أهدافها الأمنية.
من جهته، رأى الكاتب السياسي جمال درويش أن المصالح الإسرائيلية في الجنوب السوري أوسع من ملف السويداء وحده، مشيراً إلى أهمية الموارد المائية والموقع الجغرافي وخط أنابيب التابلاين الذي يمر بالمنطقة. واعتبر أن حصر التحركات الإسرائيلية في مسألة حماية الدروز لا يقدم، برأيه، صورة كاملة عن حسابات تل أبيب الاستراتيجية.
وتظل هذه القراءات تقديرات سياسية لمواقف الأطراف، ولا تمثل بحد ذاتها دليلاً على وجود اتفاق وشيك أو تغيير رسمي في السياسات المعتمدة.


الكبتاغون وتسليح المجموعات
عاد ملف المخدرات إلى واجهة النقاش عقب تصريحات براك بشأن صلات محتملة بين مجموعات في الجنوب السوري وتجارة الكبتاغون، واستخدام عائداتها في تمويل التسليح.
ورأى الهواس أن إثارة القضية تحمل أبعاداً أمنية وسياسية، مستحضراً عمليات أردنية استهدفت مواقع قالت عمّان إنها مرتبطة بتصنيع المخدرات وتهريبها قرب الحدود السورية.
في المقابل، حذّر درويش من تعميم الاتهامات على سكان السويداء، مشيراً إلى أن استخدام المنطقة ممراً للتهريب خلال عهد النظام السابق لا يعني مسؤولية المجتمع المحلي عن تلك الأنشطة. ودعا إلى التمييز بين المجموعات المتورطة في أنشطة غير قانونية وبين السكان الذين لا صلة لهم بها.
كما تساءل توم حرب عما إذا كانت التصريحات الأمريكية تمهد لتبرير عودة القوات الحكومية إلى المنطقة، مشيراً إلى أن مجموعات محلية في السويداء واجهت شبكات مخدرات خلال السنوات السابقة.
ويبرز هذا الجدل ضرورة التعامل مع الاتهامات المتعلقة بالتهريب والتسليح على أساس أدلة محددة، بعيداً عن تحميل مجتمع محلي بأكمله مسؤولية أفعال مجموعات بعينها.


مخاوف محلية وأزمة ثقة
من زاوية أخرى، تناول الكاتب والناشط السياسي أدهم القاق الأزمة من منظور العلاقة بين الدولة والمكونات السورية، معتبراً أن المخاوف لدى بعض الأقليات ترتبط بالانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الانتقالية، وما خلفته أحداث الساحل والسويداء من شعور بالخوف والعزلة لدى قطاعات من السكان.
وأكد القاق أن معالجة هذه المخاوف تتطلب ضمانات ملموسة، وعدم اختزال تمثيل السويداء في مرجعيات دينية أو مجموعات مسلحة، مشيراً إلى وجود تيارات محلية تتمسك بارتباط المحافظة بسوريا.
واستحضر القاق الدور التاريخي للسويداء في الثورة السورية الكبرى عام 1925، داعياً إلى تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتنفيذ توصيات لجان التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ورأى أن تصريحات براك قد تفتح نافذة سياسية أمام الحكومة السورية، لكنها تضعها أيضاً أمام مسؤولية معالجة الملفات العالقة واستعادة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي.


التسوية تحتاج إلى ضمانات
في ما يتعلق بمسارات الحل، اعتبر درويش أن التصريحات الأمريكية قد تشكل ضغطاً باتجاه المصالحة بين السويداء ودمشق، لكنه شدد على أن أي تسوية لن تكون مستدامة من دون خطوات عملية تعالج آثار أحداث العنف، وتوضح مصير المفقودين والمحتجزين، وتوفر ضمانات أمنية وإدارية للسكان.
في المقابل، رأى الهواس أن تجاوز الأزمة يتطلب الحد من نفوذ المجموعات المسلحة التي تعرقل المبادرات السياسية، وإنهاء الاعتماد على الدعم الخارجي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة.
أما القاق، فدعا إلى الجمع بين المساءلة القانونية والحوار السياسي، مؤكداً أن الحفاظ على وحدة سوريا يتطلب معالجة المخاوف المحلية وضمان الحقوق، لا الاكتفاء بالتفاهمات السياسية بين الأطراف.
وتناول النقاش كذلك خريطة الطريق التي جرى بحثها في عمّان برعاية أمريكية، وسط خلاف في تقدير أسباب تعثر تنفيذها ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.


مستقبل الجنوب رهين التفاهمات
تكشف المواقف المتباينة عن غموض لا يزال يحيط بدلالات التصريحات الأمريكية، وحدود تأثيرها في الحسابات الإسرائيلية والمحلية. فبين من يقرأها بوصفها إشارة إلى دعم وحدة سوريا، ومن يراها امتداداً للموقف الأمريكي السابق، لا تزال احتمالات التسوية مرتبطة بتطورات الميدان ومواقف الأطراف المعنية.
وفي نهاية المطاف، لا يتوقف استقرار الجنوب السوري على تبدل التصريحات أو حسابات القوى الخارجية وحدها، بل يتطلب مساراً سياسياً يعالج الانتهاكات، ويضمن حقوق السكان، ويعيد بناء الثقة بين دمشق والسويداء، ضمن إطار يحفظ وحدة البلاد ويحد من فرص التصعيد. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 1

اقرأ أيضاً