بعد سنوات من الغموض.. تحليل وراثي يكشف مصير عائلة سورية

2026.10.24 - 16:30
Facebook Share
طباعة

 كشفت عملية تحليل وراثي عن هوية عائلة سورية فُقدت تحت أنقاض مبنى في مدينة الرقة، في خطوة تمثل أول عملية من نوعها لتحديد هوية مفقودين سوريين باستخدام الحمض النووي، بعد سنوات من بقاء رفاتهم مختلطة مع بقايا ضحايا آخرين.

وأعلن المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، أن الفحوصات الوراثية ساعدت في تحديد هوية عائلة بسام حمادة، التي نزحت من تدمر إلى الرقة وقضت إثر انهيار مبنى جكّاك جراء قصف للتحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وأوضح أن الوصول إلى هذه النتيجة جاء بعد تحقيق ميداني استمر منذ عام 2024، بالتعاون مع مؤسسة الطب الشرعي الأنثروبولوجي الغواتيمالي.

 

من أنقاض الرقة إلى المختبرات الوراثية

بدأت العملية بانتشال رفات عظمية متناثرة بين أنقاض مبنى جكّاك في الرقة. وأظهرت المعاينات الأولية أن الرفات تعود إلى عشرة أشخاص على الأقل، بينهم بالغون وأطفال، ما استدعى جمع العينات وتوثيقها قبل إخضاعها للفحوصات المتخصصة.

وعمل المركز السوري للعدالة والمساءلة بالتعاون مع المؤسسة الغواتيمالية على أخذ عينات من مجموعات الرفات العشر، تمهيداً لتحليلها في المختبر الوراثي التابع للمؤسسة، وإعداد بصمات جينية يمكن مقارنتها بعينات مرجعية من أقارب محتملين للضحايا.

لكن التحليل المخبري لم يكن كافياً وحده للوصول إلى هويات مؤكدة. فقد استغرق الأمر عدة أشهر لتحديد عائلة يُحتمل أن تكون على صلة بالرفات، من خلال جمع الأدلة ومقارنتها. وشملت هذه العملية المعلومات المستخلصة من موقع المبنى، وإفادات أفراد الأسرة والشهود، وصور الأقمار الصناعية، وتقارير الخسائر البشرية بين المدنيين التي نشرها الجيش الأمريكي.

وبعد تقاطع هذه المعطيات، تمكن المركز من تحديد عائلة من تدمر كانت قد فقدت الاتصال بأقارب لها في الرقة خلال الغارات الجوية نفسها التي أدت إلى انهيار المبنى. وأتاح العثور على أحد أفراد العائلة وتوفير عينة مرجعية من حمضه النووي إجراء المقارنات اللازمة مع العينات العظمية.

 

سبع مجموعات رفات جرى تحديد صلتها بالعائلة

أظهرت الفحوصات أن الحمض النووي المتبقي في الرفات لم يكن صالحاً للتحليل في جميع الحالات. فمن أصل عشر مجموعات جرى انتشالها، أمكن إعداد بصمات وراثية لتسع مجموعات فقط، بسبب تحلل الحمض النووي بفعل العوامل البيئية أو عدم كفاية كميته في بعض العينات.

وأثبتت المقارنة الوراثية وجود صلة قرابة بيولوجية بين صاحبة العينة المرجعية وست مجموعات من الرفات، تعود إلى الأم وأطفالها الخمسة. كما أمكن تحديد المجموعة السابعة على أنها تعود إلى الأب، بسام حمادة، بعد مقارنة البصمات الوراثية للأطفال برفات رجل بالغ.

وفي بعض الحالات، بلغت قوة التطابق الوراثي مستوى جعل احتمال ظهوره أكبر بتريليونات المرات عند وجود صلة قرابة بيولوجية، مقارنة باحتمال حدوثه في غياب هذه الصلة.

ومع ذلك، لم يعتمد تحديد الهوية على النتائج الجينية وحدها، إذ كانت بيانات ما قبل الوفاة ضرورية للتمييز بين أصحاب الرفات، وشملت المعلومات المتعلقة بأعمار الأطفال وأطوالهم والخصائص الجسدية المعروفة عن المفقودين قبل اختفائهم.

وأظهرت هذه المقارنة أن أحد أفراد العائلة المفقودين، حسن عليوي، لا ينتمي إلى مجموعات الرفات التي ثبت ارتباطها بالعائلة بيولوجياً، ما يعني استمرار فقدانه وعدم تحديد مصيره حتى الآن.

 

الحمض النووي دليل مهم لكنه لا يكفي وحده

يوضح المركز السوري للعدالة والمساءلة أن تحليل الحمض النووي يمثل أداة أساسية في تحديد هوية الرفات البشرية، خصوصاً عندما تتحلل الأنسجة ولا تبقى سمات جسدية واضحة، وتتحول الرفات إلى هياكل عظمية.

لكن المركز يشدد على ضرورة دمج الفحوصات الجينية مع المعلومات المتعلقة بمكان العثور على الرفات، والظروف المحيطة بالحادثة، وقائمة الأشخاص الذين يُحتمل أن يكونوا من ضحاياها. وتساعد هذه المعطيات في تحديد الاحتمالات الأولية، قبل مقارنتها بالنتائج الوراثية للتحقق من وجود صلة قرابة حقيقية واستبعاد احتمال التشابه العرضي.

وبهذا المعنى، لا يمثل التحليل الجيني إجراءً منفصلاً عن التحقيق الميداني، بل مرحلة ضمن عملية أوسع تتطلب تعاوناً بين الأسر والخبراء والمنظمات المعنية بالمفقودين. ويرى المركز أن تجربة مبنى جكّاك يمكن أن تشكل نموذجاً تستفيد منه الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا.

من جهته، وصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، نجاح العملية بأنه تطور علمي وإنساني مهم، يمكن أن يمنح عائلات أمضت سنوات في البحث عن أبنائها إجابات أكثر موثوقية بشأن مصيرهم.

وأوضح عبد الغني أن مقارنة البصمات الوراثية للرفات بالعينات المرجعية، باستخدام التحليل الإحصائي، تتيح الوصول إلى استنتاجات عالية الموثوقية بشأن الهوية. لكنه أكد أن تحديد هوية الضحية لا يثبت تلقائياً سبب الوفاة أو المسؤولية الجنائية عنها، إذ يتطلب تحديد هذين الأمرين تحقيقات مستقلة وأدلة إضافية.

 

إنشاء منظومة وطنية يتجاوز تجهيز المختبرات

على المستوى الوطني، يرى عبد الغني أن توسيع استخدام هذه التقنية في سوريا ممكن علمياً، مستشهداً بتجربة البوسنة والهرسك في تحديد هوية المفقودين.

غير أن تطبيقها على نطاق واسع يتطلب، بحسب عبد الغني، إنشاء منظومة متكاملة، لا الاكتفاء بتجهيز المختبرات أو شراء المعدات. وتشمل هذه المنظومة فرقاً متخصصة في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الجنائية، ومختبرات تعمل وفق معايير علمية معتمدة، وقاعدة بيانات مركزية آمنة، ونظاماً موحداً لتوثيق الرفات والعينات المرجعية ومقارنتها، فضلاً عن وجود رقابة مستقلة لضمان جودة النتائج.

ويشير العبد الله إلى أن سوريا لا تمتلك حالياً قاعدة بيانات وراثية وطنية تتيح مقارنة العينات، كما لا يتوافر مختبر وراثي متخصص لتحليل عينات العظام، ولا نظام معتمد لجمع العينات وتخزينها. وإلى جانب هذه الفجوات الفنية، تشكل التكاليف المرتفعة لإنشاء المنظومة وتشغيلها عائقاً إضافياً أمام توسيع العمل.

ويحذر العبد الله من أن تقديم عينة حمض نووي لا يعني بالضرورة أن الأسرة ستتمكن من معرفة مصير قريبها فوراً، إذ تعتمد النتيجة على توافر الرفات المناسبة، وإمكانية استخراج بصمة وراثية منها، ووجود عينات مرجعية للمقارنة، إلى جانب المعلومات الميدانية اللازمة للتحقق.

 

رفات متدهورة وعينات معرضة للاختلاط

تواجه عمليات تحديد هوية المفقودين تحديات ميدانية وفنية متعددة، في مقدمتها تدهور حالة الرفات نتيجة مرور سنوات على الوفاة والتعرض للعوامل البيئية، فضلاً عن احتمال اختلاط رفات أشخاص مختلفين داخل المقابر الجماعية.

وتزداد الصعوبات عندما تتعرض مواقع الدفن للعبث أو تخضع عمليات الانتشال لإجراءات غير مهنية، ما قد يؤدي إلى فقدان معلومات أساسية أو إضعاف القيمة الإثباتية للعينات. كما يصعب جمع العينات المرجعية من عائلات المفقودين، ولا سيما مع توزع ملايين السوريين بين داخل البلاد ودول اللجوء.

وتشمل العقبات أيضاً نقص الكوادر المتخصصة، والحاجة إلى تمويل مستدام، وصيانة المعدات وتأمين المواد المخبرية، وإنشاء نظام دقيق لحفظ العينات ومنع تلوثها أو اختلاطها.

وفي هذا السياق، يشدد عبد الغني على ضرورة حماية المقابر الجماعية ومواقع الدفن المحتملة ومنع نبشها عشوائياً، محذراً من أن الخطأ في استخراج الرفات أو توثيقها قد يتسبب في ضياع معلومات يتعذر استعادتها، وقد يؤثر كذلك في الأدلة اللازمة للتحقيقات الجنائية.

كما يحذر من إعلان هويات المفقودين قبل استكمال إجراءات التحقق العلمي، نظراً إلى الأضرار الكبيرة التي يمكن أن تترتب على أي خطأ بحق عائلات الضحايا.

 

أكثر من 177 ألف مختفٍ قسرياً منذ عام 2011

وتبرز أهمية تطوير آليات تحديد الهوية في ظل حجم ملف المفقودين في سوريا. فبحسب آخر تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، صدر في 30 أغسطس/آب 2026، لا يقل عدد الأشخاص الذين ما زالوا في عداد المختفين قسرياً منذ مارس/آذار 2011 عن 177 ألفاً و21 شخصاً، بينهم 4536 طفلاً و8984 سيدة.

ويؤكد التقرير أن هذه الأرقام تخص المختفين قسرياً، ولا تشمل بالضرورة جميع فئات المفقودين، ما يعني أن نطاق الملف أوسع من الأعداد الواردة في هذا التصنيف.

ويرى عبد الغني أن الدولة السورية تتحمل المسؤولية الأساسية عن قيادة الجهود الوطنية لتحديد مصير المفقودين، من خلال تمكين الهيئة الوطنية للمفقودين من إدارة برنامج مستقل وشفاف، بالتنسيق مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، والمنظمات السورية التي راكمت خبرات وبيانات في هذا المجال.

ويشدد على ضرورة إشراك عائلات المفقودين في هذه الجهود، والحصول على موافقتها المستنيرة قبل جمع العينات، مع ضمان حماية البيانات الوراثية وعدم استخدامها خارج الأغراض المشروعة التي جُمعت من أجلها.

وتكشف تجربة عائلة حمادة أن الوصول إلى هوية بعض الضحايا ممكن حتى بعد سنوات من اختلاط الرفات وتدهور حالتها، لكنه يظل مرتبطاً بتكامل الأدلة الميدانية والمخبرية، وتوافر الخبرات والموارد، ووجود إجراءات موثوقة تحمي حقوق الأسر وتصون الأدلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 2

اقرأ أيضاً