لا تقتصر زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى طرابلس على اللقاءات الرسمية والتصريحات السياسية، بل تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن موقع المدينة في أولويات الدولة، وقدرة العهد والحكومة على معالجة التفاوت الإنمائي بين المناطق اللبنانية. فطرابلس، بما تمتلكه من تاريخ عريق وطاقات بشرية ومقومات اقتصادية، تواجه أزمات اجتماعية ومعيشية متراكمة، تجعل مستقبلها جزءًا من النقاش الأوسع حول مفهوم الدولة وقدرتها على توفير فرص متكافئة لجميع المواطنين.
أقرا أيضاً: أزمة المستحقات تشعل المواجهة بين كهرباء لبنان ووزارة المالية
حين يؤكد عون أن «طرابلس ليست مدينة على هامش الوطن»، وأن أبناءها شركاء في بناء الدولة وصناعة القرار الوطني، فإنه يضع مسألة الإنصاف بين المناطق أمام مسؤولية سياسية مباشرة. غير أن أهمية هذه الرسالة لا تتحدد بوقعها الخطابي، بل بقدرة المؤسسات الرسمية على تحويلها إلى سياسات وإجراءات ملموسة تنعكس على حياة السكان.
عانت طرابلس سنوات طويلة من الإهمال وتراجع الخدمات وضيق الفرص الاقتصادية، رغم ما تتمتع به من موقع جغرافي وإمكانات بشرية ومرافق حيوية. وقد أقرّ عون، من سرايا طرابلس، بأن المدينة تعرضت للإهمال، داعيًا إلى وضع حدّ له، ومشددًا على أن كرامة المواطنين تقتضي توفير الخدمات العامة للجميع من دون تمييز.
لكن الاعتراف بالمشكلة لا يكفي لإنهائها. فالمدينة تحتاج إلى خطة حكومية واضحة تحدد الأولويات، وتضع مهلًا زمنية للتنفيذ، وتتيح تقييم النتائج ومحاسبة الجهات المسؤولة عن أي تقصير. أما الاكتفاء بالوعود، من دون متابعة مؤسسية، فيُبقي الفجوة قائمة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
المرافق الاقتصادية.. فرص تحتاج إلى قرارات
يمثل مستقبل طرابلس الاقتصادي أحد أبرز الاختبارات أمام الحكومة. فمرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي، إلى جانب مشروع إعادة تشغيل مطار رينيه معوض في القليعات، تشكل مرافق يمكن أن تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد في الشمال، وتوسيع النشاط التجاري، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة.
أقرا أيضاً:غموض ما بعد اليونيفيل.. لماذا تأجّل مؤتمر دعم الجيش اللبناني؟
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب خطة متكاملة تربط المرافق ببعضها، وتوفر البنية التحتية اللازمة، وتضمن إدارة فعّالة وشفافة، إلى جانب بيئة قانونية مستقرة تشجع المستثمرين على ضخ أموالهم. فوجود المنشآت الاقتصادية لا يضمن وحده تحقيق التنمية ما لم تتوافر القرارات التنفيذية والموارد اللازمة لتشغيلها وتطويرها.
كذلك، لا ينبغي أن تقتصر نتائج التنمية على المشاريع الكبرى أو الاستثمارات الواسعة. فالمعيار الأساسي لنجاحها يتمثل في انعكاسها على المؤسسات الصغيرة والحرفيين والشباب الباحثين عن فرص العمل، فضلًا عن العائلات التي تواجه أعباء معيشية متزايدة. ومن دون ربط النمو
الاقتصادي باحتياجات السكان، قد تبقى المشاريع بعيدة عن الفئات الأكثر حاجة إلى نتائجها.
الأمن والإنماء.. مساران متكاملان
يكتسب تأكيد عون أن «لا إنماء من دون أمن» أهمية في ظل التحديات التي تواجه طرابلس، لكن تحقيق الاستقرار لا يمكن أن يقتصر على الانتشار الأمني أو الإجراءات الميدانية. فالأمن المستدام يرتبط أيضًا بحضور الدولة عبر الخدمات العامة، وفاعلية القضاء، وحماية الحقوق، وتوفير فرص اقتصادية تحدّ من الهشاشة الاجتماعية.
إن معالجة الأزمات المعيشية وتوسيع فرص العمل وتعزيز الثقة بالمؤسسات تشكل عناصر أساسية في ترسيخ الاستقرار. فالمواطن الذي يجد مؤسسات فاعلة وخدمات متاحة ومسارات قانونية لحماية حقوقه يكون أكثر قدرة على المشاركة في الحياة العامة، وأكثر ثقة بقدرة الدولة على أداء مسؤولياتها.
ومن الضروري كذلك تجاوز الصورة النمطية التي تختزل طرابلس في الفقر أو الحرمان أو التحديات الأمنية. فالمدينة تمتلك تاريخًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا غنيًا، كما يملك أبناؤها قدرات يمكن أن تسهم في النهوض الاقتصادي الوطني إذا توفرت لهم البيئة المناسبة. والتعامل معها من منطلق الحقوق والمواطنة، لا عبر مبادرات ظرفية مرتبطة بالمناسبات، يمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.
من المبادرات الفردية إلى الالتزام الحكومي
في هذا السياق، تبرز أهمية متابعة المشاريع والمبادرات التي عمل عليها الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي، ابن طرابلس، سواء عبر تحركاته الفردية أو من خلال القرارات التي اتخذتها حكوماته. فالمشاريع التي وُضعت خلال السنوات الماضية تحتاج إلى مراجعة جدية، واستكمال ما يمكن تنفيذه منها، وإزالة العقبات التي تحول دون انتقالها إلى مرحلة الإنجاز.
ولا يكفي أن تبقى هذه المبادرات مرتبطة بأشخاص أو بجهود سياسية محددة، مهما بلغت أهميتها. المطلوب أن تتبناها الحكومة الحالية ضمن سياسة إنمائية واضحة، تضمن استمراريتها وتحدد مصادر تمويلها وآليات تنفيذها، بما يحوّلها إلى مشاريع عامة تخدم المدينة وأبناء الشمال.
كما أن الاهتمام الحكومي بطرابلس يجب ألا يرتبط بمبادرات فردية أو زيارات رسمية، بل أن يتحول إلى التزام مؤسسي مستمر، تتوزع فيه المسؤوليات بين الوزارات والإدارات المعنية والبلديات والجهات الرقابية، مع توفير آليات واضحة لمتابعة التنفيذ.
زيارة تفتح الباب أمام اختبار الدولة
تتجاوز دلالات زيارة عون حدود طرابلس، لتلامس مسألة استعادة الثقة بالدولة اللبنانية في مختلف المناطق. فالدولة القادرة لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات السياسية الكبرى، بل بمدى وصول خدماتها إلى المواطنين، وتوفيرها فرصًا متكافئة، وتطبيقها معايير الإنماء من دون تمييز جغرافي أو اجتماعي.
من هنا، تقع على عاتق الرئاسة والحكومة مسؤولية تحويل رسالة التضامن مع المدينة إلى برنامج عمل مشترك، يستند إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتعاون مع المجلس النيابي والسلطات المحلية، وإدارة رشيدة للمرافق العامة، ومتابعة مستمرة تتجاوز حدود التصريحات والصور الرسمية.
طرابلس لا تطالب بامتيازات على حساب المدن اللبنانية الأخرى، بل بحقها في أن تكون شريكًا كاملًا في الدولة، وأن تحصل على نصيب عادل من الخدمات والاستثمارات والمشاريع الإنمائية. وزيارة رئيس الجمهورية قد تشكل فرصة لإعادة المدينة إلى صدارة الأولويات الوطنية، شرط أن تتبعها خطوات عملية تعالج أسباب التهميش وتضع أسسًا لتنمية مستدامة.
في المحصلة، لن يُقاس نجاح الزيارة بما أُعلن في سرايا طرابلس، بل بما ستشهده المدينة لاحقًا من تحسن في الخدمات، وتشغيل لمرافقها الاقتصادية، وتوسّع في فرص العمل، وتراجع في الأعباء التي تثقل كاهل سكانها. عندها فقط، يصبح التأكيد أن طرابلس ليست على هامش الوطن ترجمة فعلية لسياسة دولة، ويغدو الإنماء المتوازن ممارسة ملموسة تؤكد أن المواطنة حق متساوٍ، وأن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها لا تتجزأ.