تدفع الزيادة المستمرة في أسعار المحروقات بلبنان شريحة متنامية من المستهلكين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة للتنقل، وسط توسع الاهتمام بالسيارات الكهربائية والهجينة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع القدرة الشرائية للأسر.
أقرا أيضاً: مصير اليونيفيل وحصرية السلاح يتصدران المشهد السياسي في لبنان
يتزامن هذا التحول مع استمرار تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية، التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة ورفعت كلفة التنقل على المواطنين. كما لوّح سائقون في قطاع النقل العام وموظفون في القطاع الحكومي بالإضراب للمطالبة ببدلات نقل تتناسب مع ارتفاع النفقات.
تعمل حكومة رئيس الوزراء نواف سلام على مبادرة «نحو تطوير النقل المشترك في لبنان»، بهدف تحسين خدمات النقل وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وسط تحديات تتعلق بتمويل القطاع وتطوير بنيته التحتية.
ارتفاع مبيعات السيارات الكهربائية
أقرا أيضاً: بعد الغارات الإسرائيلية.. تأهيل طريق حيوي قرب سد القرعون
سجلت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في لبنان نمواً ملحوظاً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ ارتفعت بنسبة 96% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتبلغ حصتها 8.2% من إجمالي مبيعات المركبات، وفق بيانات مؤسسة «Focus2Move».
شهد سوق السيارات اللبناني نمواً إجمالياً بنسبة 26.1% خلال الفترة نفسها، مع بيع 10,756 مركبة، بحسب بيانات نُشرت في أغسطس 2026. ويأتي هذا الأداء بعد تراجع مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 27.8% خلال عام 2025، حين بلغت حصتها نحو 4% من السوق.
كذلك ارتفعت حصة السيارات الهجينة والهجينة القابلة للشحن والمركبات الكهربائية بالكامل من مبيعات السيارات الجديدة في أغسطس 2026 إلى نحو 29%، مقارنة بـ16% خلال الشهر نفسه من العام السابق، في مؤشر إلى اتساع اهتمام المستهلكين بالبدائل التي تقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.
السيارات الهجينة توسع خيارات المستهلكين
تتيح السيارات الهجينة للمستهلكين تقليل استهلاك البنزين من دون الاعتماد الكامل على محطات الشحن، فيما توفر المركبات الكهربائية بالكامل خياراً مختلفاً لمن يستطيع تأمين مصدر منتظم للكهرباء.
تكتسب العلامات التجارية الصينية حضوراً متزايداً في هذا السوق، مستفيدة من تنوع الطرازات وتنافسية الأسعار، وفق دليل تجاري أميركي خاص بلبنان صدر في فبراير 2026.
لكن قرار الشراء لا يرتبط بسعر المركبة وحده، إذ يحتاج المستهلك إلى مقارنة تكاليف التشغيل والصيانة والتأمين والضرائب، فضلاً عن توافر قطع الغيار وخدمات ما بعد البيع.
محطات الشحن أمام اختبار الجاهزية
تتطلب زيادة الاعتماد على المركبات الكهربائية شبكة شحن قادرة على تلبية احتياجات المستخدمين في مختلف المناطق. وتشير بيانات إحدى شركات المحروقات إلى امتلاكها أكثر من 25 محطة شحن، مع إمكانية رفع مستوى شحن بعض المركبات إلى 80% خلال نحو 30 دقيقة، بحسب نوع السيارة وقدرة الشاحن.
مع ذلك، تبقى سهولة الشحن عاملاً حاسماً في قرار المستهلك، خصوصاً لمن لا يملك موقفاً خاصاً أو إمكانية تركيب شاحن منزلي. كما تختلف الكلفة النهائية بحسب أسعار الكهرباء ومصدرها، سواء من الشبكة العامة أو المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة الشمسية.
التوفير مرتبط بكلفة التشغيل
لا يعني ارتفاع أسعار البنزين بالضرورة أن شراء سيارة كهربائية سيكون الخيار الأقل كلفة للجميع. فالسعر الأولي للمركبة قد يكون مرتفعاً، كما تؤثر تكاليف التأمين والضرائب والصيانة في حجم التوفير على المدى الطويل.
تمثل البطارية أحد أبرز العوامل التي ينبغي تقييمها قبل الشراء، نظراً إلى كلفة استبدالها المحتملة وأهمية التحقق من حالتها وضمانها. كذلك يظل توافر الفنيين المتخصصين وقطع الغيار وخدمات الصيانة عاملاً مؤثراً في قيمة السيارة عند إعادة بيعها.
لذلك، يحتاج المستهلك إلى احتساب إجمالي نفقات امتلاك المركبة، بدلاً من الاكتفاء بمقارنة أسعار البنزين والكهرباء. وقد تختلف الجدوى الاقتصادية بين شخص يشحن سيارته في المنزل باستخدام الطاقة الشمسية وآخر يعتمد بصورة مستمرة على محطات الشحن العامة أو المولدات.
الطاقة الشمسية تدعم التحول الكهربائي
يمثل الربط بين الطاقة الشمسية والتنقل الكهربائي فرصة لتقليل نفقات التشغيل، خصوصاً في بلد يواجه تحديات مستمرة في توفير الكهرباء. ويتضمن «المخطط الوطني للعمل في مجال الطاقة المتجددة في لبنان 2025–2030» توجهات لدمج التنقل الكهربائي مع استخدام الطاقة الشمسية.
يتطلب تطبيق هذا التوجه استثمارات في البنية التحتية، إلى جانب تطوير شبكات الشحن وتوفير معايير واضحة للسلامة والصيانة. كما يحتاج انتشار المركبات الكهربائية إلى سياسات تشجع المستهلكين على اعتمادها، مع مراعاة القدرة الشرائية وتفاوت الإمكانات بين المناطق.
تحول تدريجي تحكمه الحسابات الاقتصادية
تعكس زيادة الإقبال على السيارات الكهربائية والهجينة محاولة للتكيف مع ارتفاع تكاليف الوقود، لكنها لا تعني أن هذه المركبات أصبحت في متناول جميع اللبنانيين. فالكلفة الأولية، وتوافر الشحن، وخدمات الصيانة، ومصدر الكهرباء، كلها عوامل تحدد مدى ملاءمتها لكل مستهلك.
يبقى توسيع خيارات النقل العام وتحسين خدماته جزءاً أساسياً من معالجة أزمة التنقل، إلى جانب تشجيع البدائل الأقل استهلاكاً للوقود. فالتحول نحو السيارات الكهربائية قد يخفف الأعباء عن بعض الأسر، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية مناسبة وحسابات مالية دقيقة حتى يتحول إلى خيار عملي ومستدام.