الصندوق السيادي السوري يفتح ملف الأصول.. تدقيق في الاستثمارات والالتزامات

2026.10.23 - 23:37
Facebook Share
طباعة

مراجعة مرتقبة تحت اختبار الشفافية
يدخل الصندوق السيادي السوري مرحلة مراجعة جديدة مع إعلان رئيس مجلس إدارته ومستشار الشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، عمر سامر الحلبي، إجراء تقييم أولي خلال 90 يوماً يشمل أصول الصندوق وموارده والتزاماته وآليات الحوكمة والرقابة، على أن تُعرض النتائج على الرأي العام، في خطوة تضع إدارة الثروة العامة أمام اختبار الشفافية والمساءلة.
وتتركز التساؤلات حول القيمة الفعلية للأصول التي يديرها الصندوق، ومصادرها، وطبيعة الاستثمارات المرتبطة بها، ومدى استقلالية الجهات الرقابية، فضلاً عن قدرته على تحويل الممتلكات العامة إلى استثمارات منتجة تسهم في توفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.

اقرأ أيضاً: مازوت حلب يختفي مجدداً.. أين تتعثر شحنات الوقود؟


إعادة بناء المؤسسة
قال الحلبي، في تصريح تلفزيوني، إن الأولوية تتمثل في تطوير الصندوق ليصبح مؤسسة وطنية تُدار وفق أسس مهنية تستند إلى الحوكمة والشفافية والمساءلة، مع حماية أصول الدولة وتنميتها وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
وأوضح أن المراجعة ستتناول علاقة الصندوق بالمنظومة المالية للدولة والموازنة العامة، وآليات إدارة الاستثمارات والعوائد، بالاستفادة من الممارسات الدولية، مشيراً إلى قرب تشكيل مجلس إدارة جديد.
وأكد أن تقييم نجاح الصندوق ينبغي ألا يقتصر على حجم الاستثمارات المعلنة، بل أن يشمل أثرها الفعلي في الاقتصاد، من خلال خلق فرص عمل وزيادة دخول المواطنين وتحسين قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم.
وجاءت هذه الخطوة عقب تعيين الحلبي بموجب المرسوم الرئاسي رقم 191 لعام 2026 مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة الصندوق، خلفاً لمازن صالحاني، الذي انتقل إلى وزارة السياحة.

اقرأ أيضاً: إغلاق طرق وتفتيش منازل.. تصعيد إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة


جدل حول قيمة الأصول
تُعد القيمة الإجمالية لأصول الصندوق أحد أبرز الملفات المنتظر أن تتناولها المراجعة، في ظل تداول تقديرات إعلامية تصل إلى نحو 50 مليار دولار. لكن وزارة المالية السورية نفت أن يكون الوزير محمد يسر برنية قد أعلن رقماً رسمياً لقيمة الأصول، مؤكدة أن التقدير المتداول لا يستند إلى تصريح أو بيان رسمي صادر عنها.
ويجعل غياب رقم رسمي موثق، وفق المعطيات المتاحة، التحقق من مكونات الأصول ومصادرها وطريقة تقييمها خطوة أساسية لفهم الحجم الحقيقي للثروة التي يديرها الصندوق، وتحديد ما إذا كانت هذه الأصول عقارات أو شركات أو حصصاً استثمارية أو موارد أخرى، وما يرتبط بها من التزامات مالية وقانونية.


تدقيق يتجاوز تغيير الإدارة
يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن المراجعة تمثل فرصة لمعالجة الانتقادات المتعلقة بالحوكمة والشفافية، لكنه يشدد على ضرورة تحديد معايير التقييم وآليات التنفيذ وصلاحيات الجهات المعنية.
ويؤكد أن تشكيل مجلس إدارة جديد لا ينبغي أن يحل محل مراجعة أداء الإدارة السابقة وقراراتها واستثماراتها، وتحديد المسؤوليات عن أي اختلالات محتملة، مشيراً إلى أهمية توضيح ما إذا كانت المراجعة ستُجرى داخلياً أم بمشاركة جهات مستقلة متخصصة.
كما يطرح تساؤلات بشأن كفاية مهلة التسعين يوماً لمراجعة الملفات المالية والقانونية والاستثمارية، وضرورة تحديد نطاقها الزمني والإجرائي، بما يجعل نتائجها قابلة للتحقق والقياس.
ويمتد التدقيق المطلوب، بحسب الكريم، إلى مصادر الأصول التي انتقلت إلى الصندوق عبر إجراءات استرداد الأموال والممتلكات، للتحقق من سلامة الإجراءات القانونية وصحة نقل الملكية ودقة التقييم، فضلاً عن مراجعة الاتفاقيات والاستثمارات السابقة وشروطها والالتزامات المترتبة عليها وحقوق المستثمرين.


العقارات والرقابة المستقلة
تُعد إعادة تقييم العقارات من الملفات الحساسة في عملية المراجعة، إذ يحذر الكريم من أن الاعتماد على أسعار سوقية مرتفعة بفعل المضاربة قد يزيد القيمة الدفترية للأصول من دون تحقيق عوائد فعلية مماثلة، في حين قد يؤدي التقييم المنخفض إلى التصرف بالممتلكات العامة بأقل من قيمتها العادلة.
ويشدد على ضرورة الاستعانة بخبراء مستقلين واعتماد منهجيات تقييم تراعي القيمة السوقية والعوائد المتوقعة والاستخدامات الاقتصادية الممكنة، إلى جانب الإفصاح عن تركيبة الأصول ومصادرها والتزاماتها وعوائدها.
كما يدعو إلى توضيح استقلالية الجهات المدققة والجهات المخولة بمراجعة القرارات الاستثمارية، ومدى إتاحة نتائج التدقيق للرأي العام، مع تحديد واضح للعلاقة بين الصندوق السيادي وصندوق التنمية السوري، بما يفصل بين إدارة أصول الدولة وتنميتها وتمويل المشروعات التنموية.


من الثروة إلى الإنتاج
من جهته، يركز الخبير الاقتصادي جورج خزام على ضرورة توجيه موارد الصندوق نحو دعم الإنتاج المحلي والحد من البطالة، مشيراً إلى أن التقديرات المتداولة، إذا صحت، بشأن وصول الأصول إلى نحو 50 مليار دولار، تعادل قرابة 20 ضعفاً لحجم الموازنة العامة لعام 2024، المقدرة بنحو 2.5 مليار دولار.
ويرى خزام أن توظيف جزء من هذه الموارد في تمويل مشروعات عقارية وصناعية وزراعية يمكن أن يدعم إنشاء المصانع واستثمار الأراضي وتوسيع النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل، فضلاً عن المساهمة في تخفيف الضغوط على سوق الصرف.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى سياسة قابلة للتنفيذ يتطلب أولاً التحقق من القيمة الفعلية للأصول وطبيعتها ومدى توافر السيولة اللازمة للاستثمار أو الإقراض؛ فالقيمة الإجمالية للصندوق لا تعني بالضرورة امتلاكه أموالاً نقدية متاحة، إذ قد تتوزع الأصول بين عقارات وشركات وحصص استثمارية تحتاج إلى تقييم قبل تحديد إمكانية توظيفها.
كما يتطلب الاستثمار تحديد المخاطر وشروط التمويل والعوائد المتوقعة، وضمان حماية حقوق الدولة، بدلاً من الاعتماد على تقديرات إجمالية لا تكشف وحدها عن القدرة المالية الفعلية للصندوق.


النجاح بالأثر لا بالأرقام
تتقاطع مطالب تعزيز الحوكمة مع الدعوات إلى دعم الإنتاج عند ضرورة ربط إدارة الثروة العامة بأهداف اقتصادية قابلة للقياس. فالإعلان عن قيمة الأصول أو إطلاق استثمارات جديدة لا يكفي وحده للحكم على نجاح الصندوق، ما لم تُنشر بيانات توضح حجم الاستثمارات الفعلية وعوائدها والتزاماتها، وأثرها في فرص العمل والدخل والنشاط الاقتصادي.


90 يوماً أمام اختبار المساءلة
تتجه الأنظار إلى نتائج المراجعة المرتقبة، وما ستكشفه عن مصادر أصول الصندوق وتركيبتها وآليات إدارتها والرقابة عليها. ويبقى الاختبار الأساسي في قدرة المؤسسة على حماية الثروة العامة وتنميتها وتحويلها إلى استثمارات منتجة تدعم الاقتصاد السوري وتحسن معيشة المواطنين.
ولن تتحقق هذه الغاية بمجرد إعادة تشكيل الإدارة أو رفع القيمة الدفترية للأصول، بل تحتاج إلى إفصاح واضح، ورقابة مستقلة، ومحاسبة عن القرارات السابقة، ومؤشرات معلنة تقيس العائد الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعل إدارة أصول الدولة خاضعة للمساءلة العامة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10

اقرأ أيضاً