من إسرائيل إلى العالم العربي كيف يجمع ويز بيانات المستخدمين؟

2026.10.21 - 20:21
Facebook Share
طباعة

أعاد قرار ماليزيا منع موظفي الحكومة من استخدام تطبيق الملاحة «ويز» فتح النقاش بشأن أصول التطبيق الإسرائيلية، والبيانات التي يجمعها من المستخدمين، والضمانات القانونية التي تحكم تخزينها ومعالجتها، في ظل مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني.
ويستخدم التطبيق مئات الملايين حول العالم، بينهم نحو 500 ألف مستخدم في المنطقة العربية، وفق تقديرات أوردتها تقارير إحصائية. وعلى الرغم من استحواذ شركة «غوغل» الأميركية عليه قبل أكثر من عقد، فإن أصوله تعود إلى إسرائيل، حيث بدأ مشروعاً للخرائط التشاركية قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر تطبيقات الملاحة.

اقرأ أيضاً: من بين 90 محتجزاً.. مرشح ديمقراطي أمريكي في قبضة الاحتلال بالضفة


ماليزيا تتحرك بدافع المخاوف الأمنية
أعلنت الحكومة الماليزية منع موظفي الدولة من استخدام «ويز»، بعدما قال رئيس الوزراء أنور إبراهيم إن أصول التطبيق في إسرائيل أثارت مخاوف أمنية، مشيراً إلى أن الحكومة تدرس المخاطر المحتملة المرتبطة باستخدامه.
وأضاف إبراهيم، في منشور على «فيسبوك» عقب ترؤسه اجتماعاً للجنة الوطنية للأمن السيبراني، أن حماية بيانات المواطنين وهوياتهم لا تحتمل التساهل، ولفت إلى أن التطبيق يخضع للقوانين الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: فضيحة التعذيب الأمريكي تتجدد.. وثائق تكشف أسرار السجون السرية


ويأتي القرار في وقت تتزايد فيه النقاشات الدولية بشأن مخاطر استخدام التطبيقات الأجنبية، ولا سيما تلك التي تجمع بيانات الموقع والتحركات اليومية. ولا يعني الحظر الماليزي بحد ذاته إثبات وصول جهات إسرائيلية إلى بيانات المستخدمين، لكنه يعكس مخاوف رسمية بشأن الإطار القانوني الذي ينظم التعامل مع هذه المعلومات.
وسبق للعراق أن أعلن، عبر وزارة الاتصالات، التوجه نحو حظر التطبيق بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول 2026، وفق ما أورده التقرير، بعد أن كان موعد الحجب مقرراً في مطلع عام 2027.


أصول إسرائيلية واستحواذ أميركي
تعود بداية «ويز» إلى عام 2006، عندما أُطلق مشروع خرائط تشاركي تحت اسم «فري ماب»، قبل أن يتحول إلى تطبيق «ويز» عام 2008 من خلال شركة «ويز موبايل».
وأسس المشروع شبتاي وأوري ليفين وأمير شينار، وفق تقرير لوكالة «بلومبيرغ»، قبل أن تستحوذ عليه «غوغل» في يونيو/حزيران 2013 مقابل نحو 1.3 مليار دولار.
ومنذ ذلك الحين، توسع انتشار التطبيق عالمياً. وتشير بيانات نقلها التقرير عن منصة «سنسور تاور» المتخصصة في تتبع التطبيقات إلى أن عدد مستخدميه بلغ نحو 180 مليوناً، فيما قدّرت منصة «ورلد بوبيلشن ريفيو» عدد مستخدميه في المنطقة العربية بنحو نصف مليون شخص موزعين على دول مختلفة.


لكن انتقال ملكية التطبيق إلى شركة أميركية لا يلغي، بالضرورة، جميع المسائل القانونية المرتبطة بمكان تأسيسه، أو الكيانات التي تدير خدماته، أو الدول التي تُخزّن فيها البيانات. ويشير التقرير إلى أن اتفاقيات الاستخدام وسياسات الخصوصية تتضمن أحكاماً تتصل بالقوانين الإسرائيلية، وهي شروط لا يطّلع عليها كثير من المستخدمين قبل الموافقة عليها.


مؤسسو التطبيق والوحدة 8200
وتتجاوز المخاوف المطروحة مسألة بلد المنشأ إلى خلفيات مؤسسي التطبيق. فبحسب تقرير نشرته منصة «إرباك» الحقوقية المعنية بتتبع الشركات المرتبطة بإسرائيل أو مؤسساتها العسكرية، سبق للمؤسسين الثلاثة أن خدموا في الجيش الإسرائيلي، وتحديداً في الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية.
وتُعد الوحدة 8200 من أبرز وحدات الاستخبارات التقنية الإسرائيلية، وتختص بمجالات تشمل استخبارات الإشارات وجمع المعلومات وتحليل البيانات. وقد ارتبط اسمها، وفق تقارير متعددة، بعمليات مراقبة واسعة النطاق، بينها مراقبة الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.


ويشير التقرير إلى أن عدداً من المشاريع التقنية والشركات الناشئة خرج من بيئة الوحدة، مستفيداً من الخبرات المكتسبة في المجالات العسكرية والاستخباراتية. غير أن الخلفية العسكرية أو الاستخباراتية لمؤسسي شركة تقنية لا تشكل، بمفردها، دليلاً على أن التطبيق الذي أسسوه يُستخدم في عمليات تجسس، أو أن بيانات مستخدميه تُنقل إلى أجهزة استخباراتية.
ويستدعي هذا التمييز أهمية خاصة عند تقييم المخاطر: فالسؤال الأمني لا يتعلق فقط بهوية المؤسسين، بل أيضاً بالجهات التي تستطيع الوصول إلى البيانات، وآليات تخزينها، وشروط مشاركتها، ومدى خضوعها لرقابة قانونية مستقلة.


مخاوف أوروبية من معالجة البيانات
وليست المخاوف المتعلقة بخصوصية «ويز» جديدة. ففي مايو/أيار 2025، نشرت منصة «فولو ذا موني» الاستقصائية تقريراً تناول مخاوف بشأن البيانات التي تجمعها الشركة، والضمانات المطبقة على المعلومات الشخصية للمستخدمين.
وتحدث التقرير عن مشاركة بيانات حساسة لمواطنين أوروبيين مع الشركة، وعن الإطار الذي يسمح بنقل البيانات الشخصية إلى إسرائيل، التي تتمتع بوضع خاص في بعض ترتيبات حماية البيانات الأوروبية.


كما أثار التقرير تساؤلات بشأن طبيعة المعلومات التي يمكن أن يجمعها التطبيق، واحتمالات الاستفادة منها في أنظمة تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجالين الأمني والعسكري. واستندت هذه المخاوف إلى آراء خبراء تحدثوا عن الصلات المحتملة بين البيانات الجغرافية والتقنيات التي تستخدمها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.


وفي أبريل/نيسان 2024، أعربت 11 منظمة غير حكومية معنية بالحقوق المدنية عن قلقها في رسالة مفتوحة إلى المفوضية الأوروبية، على خلفية ارتباط التطبيق بإسرائيل ومخاوف من أنظمة المراقبة واسعة النطاق، وفق ما نقلته «فولو ذا موني».
كما أيدت المستشارة الاستراتيجية في منظمة «سايبر فيليخ نيدرلاند» والضابطة السابقة في جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي، إليزابيث هولترمان، بعض المخاوف المرتبطة بالتعامل مع البيانات في ظل التجارب السابقة مع أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية.
ومع ذلك، لا تتوافر في المعلومات الواردة تأكيدات رسمية تثبت أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تصل فعلياً إلى بيانات مستخدمي «ويز»، أو أن التطبيق صُمم لهذا الغرض. وتبقى هذه النقطة منفصلة عن حقيقة أن جمع البيانات الجغرافية يطرح مخاطر محتملة تستدعي الشفافية والتدقيق.


ما الذي يعرفه ويز عن المستخدمين؟
تنبع حساسية تطبيقات الملاحة من طبيعة المعلومات التي تحتاج إليها لتقديم خدماتها. فـ«ويز» يعتمد على بيانات المواقع وحركة المرور ومعلومات يشاركها المستخدمون عن الطرق والحوادث والازدحام، كما يتيح الإبلاغ عن مواقع رادارات السرعة وبعض الأنشطة المرورية.
ومن خلال تجميع هذه المعلومات، يمكن بناء صورة تفصيلية عن أنماط التنقل، والطرق التي يسلكها الأشخاص بصورة متكررة، والأوقات التي يتحركون فيها، والمناطق التي يقصدونها. وقد تصبح هذه البيانات أكثر حساسية عندما تتعلق بمواقع عسكرية أو منشآت حيوية أو تحركات موظفين في مؤسسات رسمية.


وتبرز هنا مسألة أخرى تتعلق بمدى معرفة المستخدمين بنوعية البيانات التي تُجمع عنهم، والفترة التي تُحتفظ خلالها، والجهات التي يمكن أن تتلقاها. فالموافقة على شروط الاستخدام لا تعني بالضرورة أن المستخدم يفهم جميع التفاصيل التقنية والقانونية المتعلقة بمعالجة بياناته.
كما أن البيانات الجغرافية لا تقتصر أهميتها على معرفة الموقع الآني؛ إذ يمكن أن يكشف تحليلها المتكرر عن أنماط سلوكية وشبكات تنقل وعلاقات مكانية، حتى عندما لا تتضمن المعلومات اسماً صريحاً لصاحبها.


هل يمكن استخدام البيانات في المراقبة العسكرية؟
يربط بعض الخبراء بين البيانات الجغرافية الواسعة التي تجمعها التطبيقات المدنية وإمكانية توظيفها في التحليل الاستخباراتي أو تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويستند هذا القلق إلى أن المعلومات المتعلقة بالمواقع والحركة قد تكتسب قيمة إضافية عند دمجها مع مصادر أخرى.
لكن الانتقال من احتمال الاستفادة من هذه البيانات إلى الجزم باستخدامها في استهداف المدنيين أو تدريب الطائرات المسيّرة يحتاج إلى أدلة محددة على آليات الجمع والنقل والاستخدام. ولا تثبت المعلومات المذكورة وحدها أن بيانات «ويز» تُستخدم فعلياً في العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، أو أنها تُشارك مع الجهات العسكرية لهذا الغرض.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل الجدل الدولي حول استخدام البيانات المدنية في التطبيقات الأمنية والعسكرية، وضرورة وضع حدود واضحة تحول دون توظيف المعلومات الشخصية والجغرافية على نحو ينتهك الخصوصية أو يعرض الأفراد للخطر.


مخاوف مشابهة للجدل حول تيك توك
وتتشابه المخاوف المطروحة بشأن «ويز» مع الجدل الذي أحاط بتطبيقات صينية، وفي مقدمتها «تيك توك»، حين أثارت السلطات الأميركية مخاوف من احتمال وصول جهات صينية إلى بيانات المستخدمين المخزنة أو المعالجة ضمن منظومة الشركة.
ويتمثل القاسم المشترك في الحالتين بالسؤال عن العلاقة بين ملكية التطبيق أو بلد منشئه، والقوانين التي يخضع لها، والجهات التي يمكن أن تطلب الوصول إلى بياناته. إلا أن تقييم كل حالة يتطلب النظر في البنية القانونية والتقنية الخاصة بها، بدلاً من افتراض تطابق المخاطر لمجرد وجود صلة بدولة معينة.


وفي حالة «ويز»، يضع قرار ماليزيا ملف البيانات الجغرافية أمام اختبار جديد، خصوصاً مع اتساع استخدام تطبيقات الملاحة في الحياة اليومية، واعتماد المستخدمين عليها للوصول إلى وجهاتهم وتجنب الازدحام.
وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بمدى وضوح سياسات الخصوصية، ومكان تخزين البيانات، والجهات المخولة بالوصول إليها، والضمانات التي تمنع استخدامها لأغراض تتجاوز الخدمة التي جُمعت من أجلها. أما إثبات وجود تجسس فعلي عبر التطبيق، فيحتاج إلى أدلة تقنية أو رسمية لا تكفي المخاوف العامة أو خلفيات المؤسسين وحدها لتقديمها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3

اقرأ أيضاً