تتزايد المؤشرات على تعقّد المسار الدبلوماسي المتعلق بالحرب على إيران، مع استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز وشروط استئناف المفاوضات، بالتزامن مع تحركات للوساطة وتصريحات أميركية وإيرانية متشددة، وتقارير عن استعدادات إسرائيلية لشن هجمات جديدة.
وتأتي هذه التطورات عقب زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، وزيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إطار جهود الوساطة، بالتزامن مع زيارة غير معلنة لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل، لم تُعلن تفاصيل نتائجها.
وتشير المواقف المعلنة والتقارير الصحفية إلى اتساع الفجوة بين شروط طهران ومطالب واشنطن، فيما تتحدث تقارير عن ضغوط إسرائيلية لاستئناف الضربات، ما يبقي احتمال تجدد المواجهة مطروحاً رغم استمرار التحركات الدبلوماسية.
اقرأ أيضاً: عراقجي يعلن تعثر الوساطة الإيرانية بين السعودية وأنصار الله
طهران تربط الحوار بوقف التهديدات
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تسعى إلى التوصل إلى اتفاق وصفه بأنه «عادل ومشرف» مع الولايات المتحدة، مشترطاً إظهار واشنطن جدية في وقف ما وصفه بالعدوان بصورة دائمة. وشدد على جاهزية القوات الإيرانية للدفاع عن البلاد.
وفي مقال نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، قال عراقجي إن رسالته خلال لقاءاته مع نظرائه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ظلت ثابتة رغم اختلاف الملفات المطروحة.
اقرأ أيضاً: فايننشال تايمز: ترمب يرفض استئناف ضرب إيران قبل الانتخابات
وكشف الوزير الإيراني أنه سلّم الجانب الأميركي، عبر وسطاء، خطة تمتد سبعة أيام وتتضمن خطوات متبادلة لإنهاء الحرب، على أن يُعاد فتح مضيق هرمز في اليوم السادس، وتُستأنف المحادثات الرامية إلى التوصل لاتفاق نهائي في اليوم السابع. واعتبر أن المقترح لا يطلب من واشنطن اتخاذ خطوات لم توافق عليها سابقاً.
واستند عراقجي إلى تقديرات لوكالة «موديز» تشير إلى أن الحرب كلفت المستهلكين الأميركيين نحو 265 مليار دولار خلال العام الجاري، بما يعادل قرابة ألفي دولار لكل أسرة، مع مساهمة ارتفاع أسعار الطاقة بنحو نصف المبلغ. وقال إن هذه التقديرات لا تشمل الخسائر التي لحقت بالاقتصاد العالمي أو كلفة الأضرار التي أصابت القواعد الأميركية في المنطقة.
اقرأ أيضاً: تهديدات البحر الأحمر تتصاعد.. وأرقام «أسبيدس» تكشف التفاصيل
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، شدد عراقجي على أن الموقع الجغرافي لإيران يمنحها نفوذاً واسعاً على حركة الملاحة، معتبراً أن الممر البحري لا يمكن الاستعاضة عنه بالكامل بالطرق البديلة. وقال إن بلاده تعتزم الاضطلاع بدورها في حماية المضيق وتأمين حركة العبور وفق القانون.
وحذر من أن استئناف العمليات العسكرية سيعرّض المدنيين واقتصادات المنطقة والعالم لمخاطر كبيرة، معتبراً أن العودة إلى الخيار العسكري ستقود إلى إخفاق استراتيجي أكبر. وأضاف أن إيران لن تستسلم للضغوط.
رفض نقل اليورانيوم وشروط لبناء الثقة
وفي موازاة ذلك، أبلغت طهران إسلام آباد رفضها نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية، مطالبة بوقف التهديدات ورفع العقوبات والحصار قبل استئناف الحوار.
ونُقل عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، قوله خلال استقباله قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إن أي كمية من المواد النووية المخصبة لن تغادر إيران، واصفاً هذه المواد بأنها ثروة وطنية مخصصة للاستخدام داخل البلاد.
وأكد رضائي أن العودة إلى المفاوضات تتطلب خطوات أميركية لبناء الثقة والاستجابة للمطالب الإيرانية. كما كرر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الموقف ذاته خلال لقاءات مع الموفد الباكستاني، مشددين على ضرورة تنفيذ الشروط الإيرانية السبعة.
وقال بزشكيان إن على الولايات المتحدة رفع التهديدات والعقوبات قبل بدء الحوار، مضيفاً أن الإيرانيين لا يثقون بواشنطن، ويخشون أن يؤدي التفاوض إلى هجوم جديد. وأكد، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية الأربعاء، أن الحوار لا يمكن أن يجري في ظل الحصار والتهديدات.
وتتصل هذه الشروط بخلافات جوهرية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والعقوبات الأميركية. ولم تُظهر المواقف المعلنة حتى الآن وجود تفاهم بشأن كيفية تسوية هذه الملفات.
هرمز في قلب المواجهة
وفي تطور ميداني، تحدثت التقارير عن انفجار أربع ناقلات نفط في مضيق هرمز وبحر عُمان إثر اصطدامها بألغام بحرية أثناء محاولتها العبور. وفي المقابل، نفت القيادة المركزية الأميركية مزاعم إغلاق المضيق بالألغام، وقالت إن 95% من السفن عبرت بنجاح، مؤكدة استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وأكد متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني استمرار إغلاق المضيق أمام السفن الأميركية والإسرائيلية، واصفاً التصريحات الأميركية بشأن القدرة على ضمان مرور النفط بأنها غير واقعية.
ونقلت قناة «برس تي في» الإيرانية عن مصدر أمني بارز قوله إن طهران تستعد لاحتمال اندلاع حرب واسعة ومتعددة المستويات. وأضاف المصدر أن إيران اتخذت قراراً بالرد على أي اعتداء، وأن قواتها مستعدة لاستهداف مصالح الأطراف التي تصفها بالمعتدية ومؤيديها في المنطقة.
وتعكس هذه التصريحات استمرار التباين بين الروايتين الإيرانية والأميركية بشأن وضع الملاحة البحرية، في وقت بات فيه المضيق محوراً رئيسياً في المواجهة، نظراً إلى تأثيره المباشر في إمدادات الطاقة والأسواق العالمية.
واشنطن: الاتفاق صعب والحصار مستمر
في المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الحرب ستنتهي بسرعة، وإن أسعار النفط ستتراجع بشدة بعد انتهائها. ودافع عن كلفة المواجهة، معتبراً أنها ثمن محدود لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومؤكداً أن إدارته تعمل على ضمان عدم حصول طهران عليه مستقبلاً.
واتهم ترمب الجانب الإيراني بالمراهنة على إطالة الحرب إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فيما ربط إنهاء العمليات بتحقيق هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن ترحب بجهود الوساطة، لكنه وصف التوصل إلى اتفاق بأنه بالغ الصعوبة، موضحاً أن القرار بشأن الشروط التي يمكن قبولها يعود إلى ترمب. وترافقت هذه التصريحات مع تأكيدات أميركية بشأن الاستعداد لتنفيذ ضربات إضافية.
وفي سياق متصل، نفت القيادة المركزية الأميركية وجود إغلاق للمضيق نتيجة الألغام، وأكدت استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن صادرات منشأة خارك الإيرانية متوقفة منذ أغسطس، مشيراً إلى أن التضخم في إيران بلغ، وفق تقديره، 100%. ووصف الوضع المالي الإيراني بأنه يشبه وضع شركة تتجه نحو الإفلاس.
كما نقلت «فاينانشال تايمز» عن نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض قولها إن إيران تواجه وضعاً اقتصادياً وعسكرياً صعباً، وإن الحصار البحري والإجراءات الرامية إلى تسهيل صادرات النفط من دول الخليج تحقق نتائج. وأضافت أن واشنطن لن تشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي.
إسرائيل تعد خططاً لاستئناف الضربات
على الجانب الإسرائيلي، نقلت «فاينانشال تايمز» عن مصادر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى استئناف الضربات الواسعة ضد إيران، وأنه وجّه الجيش في وقت سابق من الشهر لإعداد خطط لهجوم جديد وكبير.
وبحسب الصحيفة، أعد الجيش الإسرائيلي خطة لحملة قصف تمتد عدة أيام، كان مقرراً تنفيذها في العاشر من أكتوبر، وتشمل البنية التحتية المدنية والمنشآت النووية. وذكرت المصادر أن الخطة كانت ستتجاوز من حيث الشدة الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك الذي بدأ في فبراير، لكنها لم تُنفذ بسبب معارضة ترمب استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف التقرير أن مسؤولين إسرائيليين قدموا قائمة محدثة بالأهداف داخل إيران، استناداً إلى معلومات استخباراتية جديدة، وأن استئناف الضربات الأميركية والإسرائيلية خلال الأسابيع المقبلة يظل احتمالاً قائماً.
ووفقاً للصحيفة، يتمحور الخيار المطروح أمام واشنطن بين التوصل إلى اتفاق أو اللجوء إلى هجوم جديد، في إطار مسعى لإجبار طهران على قبول الشروط الأميركية المتعلقة بمضيق هرمز والبرنامج النووي. كما أشار التقرير إلى احتمال أن تكون الخطة العسكرية الإسرائيلية جزءاً من محاولة زيادة الضغط على إيران خلال المفاوضات.
مسار التفاوض أمام اختبار صعب
تكشف المواقف المتبادلة عن فجوة واضحة بين الطرفين؛ فطهران تشترط وقف التهديدات ورفع العقوبات والحصار، وترفض نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج، بينما تصر واشنطن على ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي، وتواصل الضغط الاقتصادي والبحري.
وفي الوقت نفسه، تتحدث تقارير صحفية عن استعدادات إسرائيلية لشن هجمات جديدة، في حين تستمر الوساطة الباكستانية والتحركات الدبلوماسية الإيرانية والروسية.
ولا تعني هذه المؤشرات أن قراراً نهائياً باستئناف الحرب قد اتُخذ، لكنها تظهر أن فرص التوصل إلى اتفاق ما زالت مرتبطة بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات بشأن الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات، وهي ملفات قد تحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تسوية سياسية أم عودة إلى المواجهة العسكرية.