خلاف ترمب وزيلينسكي يتجاوز المواقف الشخصية إلى الاستراتيجية

2026.10.21 - 18:38
Facebook Share
طباعة

نقل تقرير نشرته قناة «الجزيرة» تحليلاً يرى أن الخلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا يمكن فهمه من زاوية العلاقات الشخصية وحدها، بل يرتبط بحسابات استراتيجية أوسع تتصل بموقع الصين في السياسة الخارجية الأميركية، ومستقبل العلاقات مع روسيا، ورغبة واشنطن في تقليص انخراطها في الحرب الأوكرانية.
وبحسب التحليل، تحتل الصين موقعاً محورياً في رؤية ترمب للسياسة الدولية، إذ ينظر إليها باعتبارها المنافس الأبرز للولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة ترتيب العلاقات مع القوى الكبرى، بما فيها روسيا، قد تشكل جزءاً من مسعى واشنطن لتوجيه مواردها واهتمامها نحو التنافس مع بكين.

اقرأ أيضاً: نتنياهو وبن غفير على حافة الصدام.. حكومة ما بعد الانتخابات تفجّر الخلافات


الصين في صلب الحسابات الأميركية
يشير التقرير إلى أن ترمب يتعامل مع الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأهم أمام الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس على مواقفه من الملفات الدولية الأخرى. فبدلاً من إبقاء واشنطن منخرطة في جبهات متعددة، يقوم هذا التصور على إعادة ترتيب الأولويات، وتخفيف الأعباء التي تستهلك الموارد الأميركية من دون أن تخدم الهدف الأساسي المتمثل في الحد من صعود الصين.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الحرب الروسية الأوكرانية باعتباره أحد الملفات التي يسعى ترمب إلى إغلاقها أو تقليص كلفتها. فاستمرار الحرب يستنزف الدعم العسكري والمالي الأميركي، ويعزز ارتباط واشنطن بأمن أوروبا، في وقت يرى فيه هذا التحليل أن الإدارة الأميركية تريد توجيه اهتمام أكبر إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن إنهاء الحرب سيؤدي تلقائياً إلى تحويل جميع الموارد الأميركية نحو الصين، لكنه ينسجم، وفق قراءة التقرير، مع محاولة إعادة توزيع الأولويات الاستراتيجية الأميركية.

اقرأ أيضاً: فضيحة التعذيب الأمريكي تتجدد.. وثائق تكشف أسرار السجون السرية


روسيا خصم يمكن التفاوض معه
ويتناول التحليل احتمال سعي ترمب إلى إعادة صياغة العلاقة مع روسيا، انطلاقاً من تصور يرى أن موسكو، رغم خصومتها مع الغرب، قد تكون طرفاً يمكن التوصل معه إلى تفاهمات تخدم بعض المصالح الأميركية.
ويستحضر هذا الطرح تجربة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي اتجه خلال سبعينيات القرن الماضي إلى التقارب مع الصين في إطار مواجهة الاتحاد السوفياتي، في خطوة أسهمت في تغيير موازين العلاقات الدولية آنذاك.
وفي المقابل، يطرح التحليل احتمال اعتماد ترمب مقاربة معاكسة، تقوم على تخفيف حدة المواجهة مع روسيا، بهدف الحد من التقارب الروسي الصيني أو التأثير فيه، بما يتيح لواشنطن التعامل مع بكين من موقع أكثر ملاءمة.
لكن نجاح مثل هذه المقاربة يبقى غير مضمون، في ظل المصالح المشتركة التي تربط موسكو وبكين، والتعاون بينهما في مواجهة الضغوط الغربية. كما أن روسيا قد لا تكون مستعدة لتغيير توجهاتها الاستراتيجية مقابل تفاهمات أميركية لا تضمن لها مكاسب طويلة الأمد.

اقرأ أيضاً: ويتكوف في روسيا.. مقترح أميركي جديد لإنهاء حرب أوكرانيا


الولاية الثانية واستكمال النهج
ويربط التقرير بين توجهات ترمب في ولايته الرئاسية الثانية ومحاولته استكمال مسار يقوم على إعادة تقييم الالتزامات الأميركية الخارجية، والتعامل مع التحالفات الدولية وفق حسابات المصالح المباشرة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب الأوكرانية ملفاً منفصلاً عن التنافس الأميركي الصيني، بل جزءاً من شبكة أوسع من الأولويات التي تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيبها. فاستمرار الدعم الأميركي لكييف يفرض تكاليف مالية وعسكرية، فيما يضع الولايات المتحدة أمام التزامات أمنية مستمرة تجاه حلفائها الأوروبيين.
ويشير هذا التصور إلى أن ترمب يريد تقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، ودفع الدول الأوروبية إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع والأمن، بالتوازي مع السعي إلى تسوية تنهي الحرب أو تحد من استنزافها.


فنزويلا وإيران ضمن حسابات المواجهة
ويمتد التحليل إلى ملفات أخرى، بينها فنزويلا وإيران، باعتبارها ساحات تتقاطع فيها المصالح الأميركية مع نفوذ الصين وشبكة علاقاتها الدولية.
فالتعامل الأميركي مع هذه الدول لا يقتصر، وفق هذا الطرح، على الخلافات الثنائية أو الملفات الإقليمية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة الحد من قدرة بكين على توسيع حضورها السياسي والاقتصادي، والحفاظ على علاقاتها مع أطراف تواجه ضغوطاً أميركية.
وفي حالة إيران، تتداخل الحسابات المتعلقة ببرنامجها النووي وأمن المنطقة ومضيق هرمز مع التنافس الأوسع على النفوذ. أما فنزويلا، فتشكل بدورها إحدى ساحات التوتر بين واشنطن وحكومات تقيم علاقات وثيقة مع بكين وموسكو.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال السياسات الأميركية تجاه إيران وفنزويلا في عامل الصين وحده، إذ تحكم هذه الملفات اعتبارات أمنية واقتصادية وإقليمية خاصة، إلى جانب التنافس بين القوى الكبرى.


أوكرانيا عبء تريد واشنطن تقليصه
ويضع التحليل الحرب الروسية الأوكرانية في قلب محاولة ترمب إعادة ترتيب الالتزامات الأميركية. فواشنطن قدمت دعماً عسكرياً ومالياً واسعاً لكييف منذ اندلاع الحرب، فيما تسعى الإدارة الأميركية إلى الدفع نحو إنهائها وتقليص الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة.
ومن هذا المنظور، فإن إنهاء الحرب قد يمنح واشنطن مساحة أكبر للتحرك في ملفات أخرى، ويخفف الضغط المتواصل على مواردها العسكرية والمالية. كما يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة توزيع الأدوار بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بحيث تتحمل الأخيرة مسؤولية أكبر عن أمن القارة.
غير أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بشروط موسكو وكييف، وبمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات. كما أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة زوال التوتر بين روسيا والغرب، أو توقف حاجة أوروبا إلى الدعم الأميركي.


لماذا يصطدم ترمب بزيلينسكي؟
وفق قراءة التقرير، يمكن فهم جانب من التوتر بين ترمب وزيلينسكي من خلال اختلاف رؤيتيهما لمستقبل الحرب وشروط إنهائها. فالرئيس الأوكراني يسعى إلى ضمانات أمنية تحول دون تعرض بلاده لهجوم روسي جديد، وإلى الحفاظ على الدعم الغربي الذي تحتاج إليه كييف في مواجهة موسكو.
في المقابل، يركز ترمب على التوصل إلى تسوية تنهي الحرب وتحد من الالتزامات الأميركية، وهو ما قد يضعه في مواجهة مع المطالب الأوكرانية إذا رأى أنها تعرقل التوصل إلى اتفاق.
وبذلك، لا يقتصر الخلاف على الأسلوب الشخصي أو التصريحات المتبادلة، بل يمتد إلى تباين المصالح والأولويات. فبالنسبة إلى كييف، ترتبط التسوية بمستقبل أمن أوكرانيا وسيادتها، بينما تنظر واشنطن، وفق هذا التحليل، إلى الملف ضمن حسابات أوسع تتعلق بكلفة الحرب وتوزيع الموارد وموقع الصين في الاستراتيجية الأميركية.


خلاف يتجاوز الحسابات الشخصية
ويخلص التحليل إلى أن التوتر بين ترمب وزيلينسكي قد يكون انعكاساً لاختلاف أعمق بشأن دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وحدود التزاماتها تجاه الحلفاء، والطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها مع روسيا والصين.
لكن اعتبار الخلاف جزءاً من استراتيجية متكاملة لإبعاد روسيا عن الصين يظل قراءة سياسية محتملة، وليس دليلاً قاطعاً على وجود خطة أميركية مكتملة الأركان. فالعلاقات بين موسكو وبكين تحكمها مصالح متشابكة، كما أن أي تقارب أميركي روسي سيواجه عقبات تتصل بالحرب الأوكرانية والأمن الأوروبي والتنافس الدولي.
وفي المحصلة، يضع هذا الطرح موقف ترمب من زيلينسكي ضمن سياق أوسع من إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، حيث تتداخل الرغبة في إنهاء الحرب الأوكرانية مع السعي إلى تقليص الالتزامات الخارجية والاستعداد لمواجهة استراتيجية طويلة الأمد مع الصين. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7

اقرأ أيضاً