شح المياه يطارد مزارعي إدلب مع تراجع إنتاجية الآبار

2026.10.21 - 15:50
Facebook Share
طباعة

تواجه محافظة إدلب شمال غربي سوريا أزمة متفاقمة في موارد المياه الجوفية، في ظل التوسع في حفر الآبار، وانتشار الآبار غير المرخصة، وتراجع معدلات الهطول المطري، إلى جانب تداعيات سنوات الحرب على شبكات المياه والري. ومع اعتماد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على المياه الجوفية، بات انخفاض منسوب المياه يهدد مصادر رزق المزارعين، ويفرض عليهم البحث عن بدائل أكثر كلفة لتأمين احتياجات محاصيلهم.

 

 

أقرا أيضاً: القنيطرة: قصف إسرائيلي وتوغلات متصاعدة تهدد استقرار الجنوب السوري

 

 

 

تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 22 ألف بئر في المحافظة بحلول عام 2026، بينها نحو 12 ألف بئر غير مرخصة، وفق ما قدّره الجيولوجي أحمد إبراهيم العمري في حديث إلى تلفزيون سوريا. غير أن هذه الأرقام لا تستند إلى إحصاء رسمي حديث منشور، إذ تعود آخر البيانات المتاحة إلى عام 2011، حين سجلت المحافظة 8,933 بئرًا مرخصة و3,158 بئرًا غير مرخصة، بحسب ما أوردته صحيفة تشرين.

 

يعكس الفارق بين الأرقام القديمة والتقديرات الحالية حجم التوسع المحتمل في الاعتماد على الآبار، لكنه يكشف أيضًا عن فجوة في البيانات اللازمة لتقييم واقع المياه الجوفية، وتحديد معدلات استنزافها، ووضع خطط تضمن استدامة استخدامها.

 

الجفاف يضاعف الضغوط على الآبار

 

تفاقمت أزمة المياه في إدلب مع تراجع الأمطار وتكرار مواسم الجفاف، الأمر الذي انعكس على إنتاجية الآبار، ولا سيما القديمة منها. ويؤدي انخفاض التغذية الطبيعية للمياه الجوفية، بالتزامن مع استمرار الضخ لتلبية احتياجات الزراعة، إلى اختلال التوازن بين المياه التي تدخل الخزانات الجوفية وتلك التي يجري سحبها منها.

 


أقرا أيضاً: 70 نازحاً سورياً يعودون إلى بلادهم ضمن المرحلة الـ22 من خطة لبنان

 

 


وصف مدير الزراعة في إدلب، مصطفى الموحد، الجفاف الذي شهدته المحافظة خلال عام 2025 بأنه الأسوأ منذ عام 1958. وأوضح أن المحاصيل البعلية تعرضت لخسارة كاملة في منطقتي الاستقرار الثانية والثالثة، فيما بلغت نسبة فشلها نحو 90% في منطقة الاستقرار الأولى، بينما تراجعت إنتاجية المحاصيل المروية إلى نحو النصف.

 

لم تقتصر التداعيات على الأراضي التي تعتمد على مياه الأمطار، بل امتدت إلى المزارع التي تستخدم الآبار للري، مع انخفاض كميات المياه المتاحة وارتفاع صعوبة تأمينها. كما أدى جفاف نهر العاصي إلى دفع مزارعين في محيط جسر الشغور إلى البحث عن مصادر بديلة لري أراضيهم، في مؤشر على اتساع نطاق الأزمة وتراجع قدرة المصادر التقليدية على تلبية الاحتياجات الزراعية.

 

المزارعون أمام خيارات مكلفة

 

في ريف إدلب، يحاول المزارعون التكيف مع تراجع المياه عبر تغيير أنماط الزراعة، أو تعميق الآبار، أو استبدال المضخات بأخرى أكثر قدرة على سحب المياه من مستويات أعمق. غير أن هذه الحلول لا تضمن استعادة الإنتاجية السابقة، كما ترفع تكاليف الزراعة، وقد تزيد الضغط على المخزون الجوفي إذا استمر الضخ بمعدلات تتجاوز قدرة الطبيعة على تعويض المياه المستنزفة.

 

المزارع رامي الخطيب، من منطقة جبل الزاوية، يزرع الشعير والعدس اعتمادًا على مياه الأمطار، فيما يستخدم مياه الآبار لري محاصيل أخرى، بينها الفول والكمون الأسود والفاصولياء. ويعكس هذا التنوع في أساليب الزراعة محاولة للتكيف مع الظروف المناخية، لكنه يظل مرتبطًا بمدى توافر المياه وقدرة المزارعين على تحمل تكاليف الري.

 

في قرية معريان، تصف أم عمار تراجعًا واضحًا في إنتاجية البئر الذي تعتمد عليه، مشيرة إلى أن كمية المياه انخفضت إلى أقل من نصف ما كانت عليه سابقًا، فيما تخرج المياه أحيانًا عكرة. ولا يقتصر أثر هذه التغيرات على صعوبة تأمين المياه، بل يثير أيضًا مخاوف بشأن استمرارية استخدامها في الزراعة والحياة اليومية.

 

توضح هذه الشهادات أن تراجع المياه الجوفية لم يعد مجرد مشكلة فنية تتعلق بمستوى المياه داخل الآبار، بل أصبح عاملًا مباشرًا في تحديد قدرة الأسر الزراعية على مواصلة الإنتاج، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى مصادر بديلة مستقرة.

آبار متقاربة واستنزاف متزايد

 

يربط الجيولوجي أحمد إبراهيم العمري تجدد المياه الجوفية بمعدلات الهطول المطري وقدرة المياه على التسرّب إلى باطن الأرض وتغذية الخزانات الجوفية. وعندما تنخفض الأمطار، بينما يستمر الضخ بمعدلات مرتفعة، تتراجع قدرة هذه الخزانات على التعويض، ما يؤدي تدريجيًا إلى هبوط منسوب المياه وانخفاض إنتاجية الآبار.

يشكل انتشار الآبار المتقاربة عامل ضغط إضافيًا، إذ قد تعتمد عدة آبار على الخزان الجوفي نفسه، فتتنافس على المورد ذاته. ومع زيادة عدد الآبار وكميات الضخ، تتسع احتمالات الاستنزاف، ولا سيما في المناطق التي تفتقر إلى رقابة فعالة على عمليات الحفر والاستخدام.

 

يلجأ بعض أصحاب الآبار إلى زيادة عمق الحفر أو استخدام مضخات أقوى للوصول إلى المياه، إلا أن هذه الإجراءات قد تنقل المشكلة إلى مستويات أعمق بدلًا من معالجتها. فزيادة قدرة الضخ لا تعني زيادة كمية المياه المتجددة، وقد تسهم في تسريع استنزاف الخزان إذا لم تتناسب الكميات المسحوبة مع معدلات التغذية الطبيعية.

يشدد العمري على أهمية مراقبة مستويات المياه الجوفية وإجراء إحصاء حديث للآبار، إلى جانب توفير بيانات دقيقة عن الآبار المرخصة وغير المرخصة ومعدلات استخدامها. وتساعد هذه المعلومات في تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للاستنزاف، وتنظيم عمليات الحفر والضخ، ووضع خطط لإدارة الموارد المائية وفق الإمكانات المتاحة.

 

مشروع بديل من نهر العاصي

 

في مواجهة تراجع إنتاجية الآبار وجفاف بعضها، اتجه مزارعون في قرية كفر هند، شمال غربي إدلب، إلى حل بديل يتمثل في نقل المياه من نهر العاصي لري أراضيهم. وشارك أكثر من 15 مزارعًا في مشروع مشترك لضخ المياه من النهر، الذي يبعد عن المنطقة أكثر من 12 كيلومترًا وفق المسافة المستقيمة.

تطلب المشروع مد أنابيب لنقل المياه وتركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى استئجار أرض قرب النهر لإقامة ألواح الطاقة اللازمة لتشغيل منظومة الضخ. وتجاوزت مساهمة كل مزارع 7,000 دولار، في استثمار يعكس حجم الأعباء المالية التي باتت تفرضها أزمة المياه على القطاع الزراعي.

 

جاء هذا الخيار بعد جفاف آبار أو تراجع كميات المياه التي توفرها، بالتزامن مع القيود المفروضة على حفر آبار جديدة أو تعميق الآبار القائمة. وبالنسبة إلى المزارعين المشاركين، يوفر المشروع مصدرًا بديلًا للري، لكنه يتطلب كلفة تأسيس مرتفعة وتنسيقًا جماعيًا، ما يجعل تكرار التجربة مرتبطًا بالقدرة المالية وتوافر مصادر مياه قابلة للاستثمار.

تكشف التجربة عن محاولات محلية للتكيف مع شح المياه، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إدارة مستدامة للمصادر الجوفية والسطحية. كما أن الاعتماد على حلول فردية أو جماعية مكلفة قد يترك المزارعين الأقل قدرة مالية أمام خيارات محدودة، خصوصًا مع استمرار تراجع الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج.

 

غياب البيانات يعقّد إدارة الأزمة

 

تواجه إدارة المياه الجوفية في إدلب تحديًا إضافيًا يتمثل في غياب إحصاء حديث وشامل يحدد عدد الآبار وأعماقها ومعدلات الضخ منها، فضلًا عن عدم توافر بيانات منشورة كافية لتقييم التغيرات التي طرأت على المخزون الجوفي خلال السنوات الماضية.

تكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في ظل التقديرات التي تشير إلى وجود أكثر من 22 ألف بئر، بينها نحو 12 ألفًا غير مرخصة. فغياب البيانات الدقيقة يصعّب تحديد حجم الاستهلاك الفعلي، ومقارنة كميات المياه المسحوبة بمعدلات التغذية الطبيعية، ورصد المناطق التي تتعرض لاستنزاف متسارع.

 

تتطلب مواجهة الأزمة تحديث سجلات الآبار، ومراقبة مستويات المياه بصورة دورية، وتنظيم الحفر والضخ بما يراعي قدرة الخزانات الجوفية على التجدد. كما تبرز الحاجة إلى تحسين كفاءة الري، وتوسيع استخدام التقنيات التي تقلل الهدر، وتطوير بدائل مستدامة تتيح للمزارعين مواصلة الإنتاج من دون تحميل الموارد المائية أعباء إضافية.

 

في محافظة تعتمد قطاعات واسعة من زراعتها على المياه الجوفية، يتداخل أثر الجفاف مع تداعيات الحرب وضعف البنية التحتية والضغط المتزايد على الآبار. وبين تراجع الأمطار وتنامي الاحتياجات الزراعية، تتحول المياه من مورد متاح نسبيًا إلى عامل حاسم في استمرار النشاط الاقتصادي واستقرار المجتمعات الريفية.

 

تسلط هذه الحلقة من سلسلة «نزيف تحت الأرض»، التي ينشرها تلفزيون سوريا، الضوء على واقع الآبار والمياه الجوفية في المحافظات السورية، وما يرافقه من تحديات بيئية واقتصادية، في ظل الحاجة إلى بيانات موثوقة وسياسات مائية تحد من الاستنزاف وتحافظ على الموارد المتاحة للأجيال المقبلة.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5

اقرأ أيضاً