الاحتلال يحاصر زيتون الأقصى.. استهداف للأرض والهوية والرزق

2026.10.21 - 12:03
Facebook Share
طباعة

تتجاوز أشجار الزيتون في المسجد الأقصى المبارك قيمتها الزراعية، لتشكل جزءاً من الذاكرة التاريخية والهوية الفلسطينية، فضلاً عن دورها في توفير مورد اقتصادي يساعد عائلات مقدسية فقيرة على مواجهة الأعباء المعيشية. غير أن هذه الأشجار، التي تمتد جذورها في أرض المسجد منذ عقود طويلة، تواجه قيوداً إسرائيلية متزايدة تطال رعايتها وقطاف ثمارها، وسط ضغوط متصاعدة على الوجود الفلسطيني في القدس.

 

أقرا أيضاً: 110 آلاف متهرب من التجنيد.. قنبلة سياسية تهدد نتنياهو

 

 

تبلغ مساحة المسجد الأقصى نحو 144 دونماً، وتضم ساحاته ما بين 600 و800 شجرة زيتون، إلى جانب أشجار الصنوبر والسرو. وتشير روايات محلية إلى أن بعض أشجار الزيتون يعود عمرها إلى آلاف السنين، ما يمنحها مكانة تتجاوز أهميتها البيئية، ويربطها بتاريخ المكان وخصوصيته الدينية والحضارية.

رعاية الأشجار وقطاف الثمار

 

تتولى دائرة الزراعة التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، المرتبطة بالأوقاف الأردنية، مسؤولية الإشراف على أشجار الزيتون والعناية بها، عبر عمال مختصين يتابعون احتياجاتها الزراعية. وتُنظَّم عملية القطاف من خلال عطاء داخلي تطرحه الأوقاف الإسلامية، بما يتيح إدارة الموسم وتحديد الجهات المشاركة فيه.

 

 

تضطلع لجنة زكاة القدس، وهي مؤسسة فلسطينية أهلية مستقلة، بدور أساسي في تنظيم عمليات القطاف والاستفادة من المحصول. وتستعين اللجنة بعمال وعائلات محتاجة للمشاركة في جمع الثمار مقابل أجور، ما يحوّل الموسم إلى فرصة عمل مؤقتة تساعد الأسر على تأمين جزء من احتياجاتها الأساسية. كما يشارك طلبة من مدارس القدس في قطاف الزيتون، ضمن نشاط يربط الأجيال الجديدة بأرض المسجد الأقصى وتراثه.

 


عقب انتهاء الجمع، تُنقل الثمار إلى المعاصر لاستخراج الزيت، ثم تتولى اللجنة توزيعه على مئات العائلات المحتاجة في القدس والضفة الغربية، وفق كميات محددة تراعي حجم المحصول واحتياجات المستفيدين. بذلك، لا يقتصر مردود الأشجار على إنتاج الزيت، بل يمتد إلى توفير فرص عمل وتعزيز شبكة المساعدات الاجتماعية التي تعتمد عليها أسر تواجه ضغوطاً اقتصادية متفاقمة.

 

قيود إسرائيلية تهدد موسم الحصاد

 

تواجه زراعة الزيتون داخل المسجد الأقصى تحديات متزايدة، في ظل قيود إسرائيلية تشمل منع غرس أشجار جديدة، وعرقلة إدخال الأسمدة والمبيدات اللازمة للعناية بها، إلى جانب التضييق على العاملين في هذا المجال. وتشير إفادات محلية إلى تعرض العمال للتهديد واحتمال توقيفهم، فضلاً عن إزالة أشجار زُرعت من دون الحصول على موافقات إسرائيلية.

 

انعكست هذه الإجراءات على إنتاج الأشجار وقدرة القائمين عليها على رعايتها بصورة منتظمة. وشهد الموسم الحالي، بحسب المعطيات الواردة من القدس، ظروفاً أكثر صعوبة، مع فرض قيود على الوصول إلى عدد من الأشجار وقطاف ثمارها، ولا سيما في الجهة الشرقية من المسجد، التي تضم، وفق التقديرات المتداولة، نحو 605 أشجار. كما طالت الإجراءات مناطق في سلوان ووادي الربابة، ما زاد صعوبة العمل خلال الموسم.


أقرا أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 20_10_2026

 


لا تتوقف تداعيات هذه الممارسات عند انخفاض كمية الزيت المستخرج، إذ تهدد أيضاً مصدر دخل موسميّاً للعمال والأسر الفقيرة المشاركة في القطاف، وتحد من قدرة المؤسسات المحلية على مواصلة برامج الدعم الاجتماعي. كذلك، يؤدي تعطيل أعمال الرعاية الزراعية إلى تفاقم المخاطر التي تواجه الأشجار، خصوصاً تلك التي تحتاج إلى متابعة مستمرة للحفاظ على سلامتها وإنتاجيتها.


أشجار تحمل ذاكرة الأرض والهوية


يرى الباحث المقدسي فخري أبو دياب أن أشجار الزيتون في المسجد الأقصى تمثل رمزاً لتجذر الفلسطينيين في أرضهم وقدرتهم على الصمود أمام محاولات تغيير الواقع في القدس. ويشير إلى أن استهداف الأشجار وفرض القيود على رعايتها لا ينفصلان عن مساعٍ أوسع للسيطرة على الأرض وإضعاف الوجود الفلسطيني، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الهوية الوطنية والاقتصاد المحلي.

 

من جانبه، يؤكد رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي أن للزيتون قيمة معيشية وتاريخية وإسلامية وعربية تتجاوز العائد المادي لمحصوله. فهذه الأشجار ترتبط، بحسب هذا التصور، بالمكانة الروحية للمسجد الأقصى، كما تمثل امتداداً للتراث الزراعي الفلسطيني الذي تناقلته الأجيال.

 

تكتسب هذه الدلالات أهمية إضافية في القدس، حيث تتداخل الاعتبارات الدينية والتاريخية مع الصراع على الأرض والهوية. ويصبح الحفاظ على أشجار الزيتون جزءاً من حماية المعالم الطبيعية والتراثية للمسجد، فضلاً عن صون مورد يساعد العائلات المحتاجة على تأمين احتياجاتها الأساسية.

 

خسائر زراعية تمتد إلى مختلف الأراضي الفلسطينية

 

تأتي الضغوط التي تواجه أشجار الزيتون في الأقصى ضمن تراجع أوسع يشهده القطاع الزراعي الفلسطيني، نتيجة الاعتداءات والقيود المفروضة على المزارعين والأراضي. ووفق بيانات منسوبة إلى وزارة الزراعة الفلسطينية، تضرر أكثر من 283 ألف شجرة زيتون خلال الفترة الممتدة من عام 2023 إلى عام 2026، فيما تجاوزت خسائر موسم الزيتون 156.8 مليون دولار خلال المدة نفسها.

 

تبلغ المساحة المزروعة بالزيتون في الأراضي الفلسطينية نحو 900 ألف دونم، ما يجعل هذا القطاع أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الزراعي ومصادر الدخل الريفي. لكن تضرر الأشجار وتعذر الوصول إلى مساحات من الأراضي المزروعة ينعكسان على الإنتاج، ويضعان آلاف المزارعين والعائلات أمام خسائر مباشرة وغير مباشرة.

 

في قطاع غزة، تضررت نحو 90% من الأراضي المخصصة لزراعة الزيتون، بحسب الأرقام الواردة في التقرير، بينما تراجع إنتاج زيت الزيتون من نحو 5 آلاف طن إلى 700 طن، بفعل الحرب وتجريف الأراضي الزراعية. وتعكس هذه الأرقام حجم الضرر الذي لحق بقطاع يشكل مصدراً للرزق وعنصراً أساسياً في الحياة الزراعية الفلسطينية.

 

بين القيود المفروضة على أشجار المسجد الأقصى والخسائر التي تطال حقول الزيتون في مختلف المناطق الفلسطينية، تتداخل الأبعاد الاقتصادية والبيئية مع معركة الحفاظ على الأرض والهوية. وفي القدس، تظل هذه الأشجار مورداً للعائلات المحتاجة وشاهداً على تاريخ المكان، بينما يضع استمرار التضييق على رعايتها وقطافها هذا الإرث أمام تحديات تتجاوز موسم الحصاد نفسه.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5

اقرأ أيضاً