تسهيلات أمام اختبار الإنتاج
أعاد المرسوم الرئاسي رقم 188، المتعلق بتعديل التعرفة الجمركية في سوريا، فتح النقاش حول قدرة التخفيضات على تنشيط الإنتاج المحلي وتحفيز الاستثمار، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات التصنيع وضعف القدرة التنافسية للمنتجات السورية. وبينما تستهدف التعديلات تخفيف الأعباء عن قطاعات محددة، يرى خبراء بالاقتصاد أن أثرها سيظل محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع تعالج العقبات التي تواجه المنشآت والمستثمرين.
اقرأ أيضاً: انتهاكات إسرائيلية متواصلة جنوب سوريا..تفتيش وإطلاق قنابل مضيئة
تعديلات انتقائية
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، في 12 تشرين الأول الحالي، المرسوم رقم 188، القاضي بتعديل عدد من بنود جدول التعرفة الجمركية المعتمد بموجب المرسوم رقم 110 لعام 2026، بما يشمل التوصيف والترميز ومعدلات الرسوم والشروط التطبيقية.
وتهدف التعديلات، وفق توضيحات الجهات المعنية، إلى تخفيف تكاليف استيراد أصناف محددة، من بينها مستلزمات مشروعات الطاقة المتجددة والتجهيزات الطبية وأجزاء الآلات الصناعية، بما قد يساعد الصناعيين والمستثمرين على تحديث معداتهم وتطوير بعض الأنشطة الإنتاجية.
لكن هذه الخطوة تأتي في وقت تواجه فيه المنشآت السورية أعباء متعددة، تتجاوز الرسوم الجمركية إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتمويل، إلى جانب تحديات البنية التحتية واستقرار بيئة الاستثمار.
اقرأ أيضاً: تعيينات اقتصادية جديدة في سوريا.. الشرع يصدر 3 مراسيم
أثر محدود في الإنتاج
يرى خبراء بالاقتصاد أن تخفيض الرسوم على المعدات ومدخلات الإنتاج قد يتيح لبعض المنشآت استبدال الآلات المستهلكة، ورفع كفاءة التشغيل، وتقليل جزء من تكاليف الاستثمار. غير أن هذه التسهيلات لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج أو انخفاض أسعار السلع، إذ يتوقف ذلك على حجم التخفيض ومدى انتقال أثره إلى المنتج النهائي.
ويشير مراقبون إلى أن الوفر الناتج عن خفض الرسوم قد يتآكل بفعل تكاليف النقل والتأمين والتمويل وتقلبات سعر الصرف، كما قد يحتفظ المستورد بجزء منه على هيئة هامش ربح إضافي، بدلاً من انعكاسه كاملاً على الأسعار.
ويظل تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المحلية مرتبطاً بمعالجة تكاليف الإنتاج بصورة شاملة، فضلاً عن مراجعة السياسات التجارية بما يوازن بين تسهيل الاستيراد وحماية المنتج السوري من المنافسة غير المتكافئة.
قطاعات مرشحة للاستفادة
تبدو قطاعات الطاقة المتجددة والصناعة والصحة من أبرز المجالات المرشحة للاستفادة من التعديلات، نظراً إلى ارتباطها المباشر بالمعدات والتجهيزات المستوردة.
فقد يساعد تخفيض الرسوم على مستلزمات الطاقة المتجددة في تقليل كلفة إنشاء بعض المشروعات، ولا سيما المنشآت التي تبحث عن بدائل لتأمين الكهرباء وتشغيل خطوط الإنتاج. كما يمكن أن يخفف استيراد الآلات الصناعية برسوم أقل من أعباء تحديث المعدات، في حين قد تستفيد المنشآت الطبية من تراجع تكاليف بعض التجهيزات.
لكن حجم الاستفادة الفعلية سيعتمد على قدرة المستثمرين على تأمين التمويل، واستقرار أسعار الطاقة والصرف، وتوافر بنية تحتية مناسبة، إلى جانب وضوح القواعد القانونية والتنظيمية. ومن دون هذه الشروط، قد تبقى التسهيلات محدودة الأثر أو مقتصرة على منشآت قادرة أصلاً على تمويل استثماراتها.
إيرادات الدولة تحت المراقبة
لا يقتصر تقييم المرسوم على أثره المحتمل في الإنتاج والاستثمار، بل يشمل أيضاً انعكاساته على إيرادات الخزينة العامة، التي تعتمد على الرسوم الجمركية بوصفها أحد مصادر التمويل.
وتشير بيانات أوردها باحثون اقتصاديون إلى أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل نفقات قاربت 3.7 مليار دولار، فيما وصلت حصيلة الرسوم الجمركية إلى نحو 1.079 مليار دولار خلال الفترة نفسها. ووفق هذه الأرقام، شكّلت الرسوم قرابة 40% من الإيرادات العامة المحققة.
وتبرز هذه الأرقام أهمية قياس الأثر المالي للتخفيضات، خصوصاً في ظل الفجوة بين الإيرادات والنفقات. فخفض الرسم على وحدة مستوردة قد يقلل الحصيلة المباشرة، لكن الأثر الإجمالي يتوقف على قيمة الواردات المشمولة، وحجم الطلب عليها، ومدى استجابة الاستيراد الرسمي للتغييرات.
ويحذر مراقبون من افتراض أن زيادة الاستيراد أو النشاط الاقتصادي ستعوض تلقائياً أي تراجع في الإيرادات الجمركية. ويتطلب تقييم النتائج مقارنة الحصيلة قبل التعديل وبعده، ومتابعة حجم الواردات واستخدامها في الإنتاج، وقياس ما إذا كانت التسهيلات قد أدت فعلاً إلى توسع النشاط الاقتصادي والتشغيل.
إصلاحات أوسع مطلوبة
يتفق خبراء بالاقتصاد على أن تخفيض الرسوم الجمركية لا يمكن أن يشكل، بمفرده، أساساً كافياً لتحسين بيئة الاستثمار أو إعادة بناء الثقة بين الجهات الحكومية والمنتجين والمستثمرين. فالأثر المستدام يحتاج إلى تنسيق بين السياسات التجارية والمالية والصناعية، ورؤية واضحة لدعم الإنتاج المحلي على المديين القصير والطويل.
وتشمل الأولويات تحسين استقرار أسعار الطاقة وسعر الصرف، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتعزيز الضمانات القانونية، إلى جانب مكافحة التهرب الجمركي والضريبي ورفع كفاءة التحصيل والرقابة.
كما تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للتعرفة الجمركية تراعي احتياجات القطاعات الإنتاجية المختلفة، بما فيها الزراعة والسياحة، مع تجنب الإجراءات الانتقائية التي لا ترتبط بخطة اقتصادية متكاملة.