التقارب السوري المصري يتوسع من الاقتصاد إلى السياسة

2026.10.19 - 22:42
Facebook Share
طباعة

تتجه العلاقات السورية المصرية نحو مرحلة جديدة من التقارب التدريجي، مع تكثيف الاتصالات الرسمية وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري، بالتوازي مع تحركات سياسية تعكس رغبة متبادلة في تجاوز حالة الحذر التي طبعت العلاقة بين البلدين منذ سقوط نظام بشار الأسد. وبين اللقاءات الوزارية والمباحثات الاقتصادية والحديث المتكرر عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى دمشق، تبرز تساؤلات بشأن فرص انتقال هذا التقارب إلى مستوى سياسي ودبلوماسي أكثر وضوحاً.

ويأتي هذا الحراك في ظل حسابات إقليمية متغيرة، تسعى فيها القاهرة إلى تعزيز حضورها في الملف السوري، بينما تعمل دمشق على توسيع علاقاتها العربية وإعادة بناء قنوات التواصل مع الدول التي اتسمت مواقفها تجاه السلطة الجديدة بالتحفظ.

 


شكّل اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره المصري بدر عبد العاطي، السبت الماضي، على هامش الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي في بغداد، أحدث محطات التواصل السياسي بين الجانبين. وبحث الوزيران سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب التطورات الإقليمية، مؤكدين أهمية استمرار التنسيق والتشاور بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

 


سبق هذا اللقاء اجتماع اقتصادي جمع عبد العاطي بوزير المالية السوري محمد يسر برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، حيث تناول الجانبان آفاق التعاون الاقتصادي والمالي. كما أشاد الوزير المصري بنتائج زيارة الوفد الاقتصادي المصري الأخيرة إلى سوريا، وفق ما نقلته وزارة الخارجية المصرية، مؤكداً استمرار التحضيرات لزيارة مرتقبة إلى دمشق.

 


ويطرح تزامن هذه الاتصالات السياسية والاقتصادية سؤالاً أساسياً حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه القاهرة ودمشق إلى تجاوز التواصل المحدود وبناء علاقة أكثر استقراراً، أم أن الاعتبارات الأمنية والسياسية ستبقي التقارب ضمن حدود محسوبة؟

انفتاح محسوب وتحفظات مستمرة

تعكس التحركات المصرية تجاه دمشق توجهاً نحو توسيع قنوات التواصل وبناء الثقة تدريجياً، من دون أن يعني ذلك حدوث تحول جذري في الموقف المصري تجاه السلطة السورية الجديدة. فالتقارب الحالي يقوم على اختبار النوايا وتوسيع المصالح المشتركة، مع استمرار الحذر في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية الأكثر حساسية.

 

ولا تزال هناك تحفظات مصرية تتصل بموقف القاهرة من تيارات الإسلام السياسي، إلى جانب مخاوف بشأن ملف المقاتلين الأجانب وانعكاساته المحتملة على الأمن المصري. وتكشف هذه الاعتبارات عن رغبة في تطوير العلاقات، بالتوازي مع التمسك بمتطلبات أمنية وسياسية ترى مصر أنها ضرورية لضمان استقرار العلاقة على المدى الطويل.

 

وكان عبد العاطي قد أكد في أيلول الماضي أن العلاقات المصرية السورية تمضي قدماً وفي مسارها الطبيعي، نافياً وجود خلافات جوهرية بين البلدين، مع التشديد على أهمية استقرار سوريا ووحدة أراضيها. لكنه أكد في الوقت نفسه استمرار الملاحظات المصرية المتعلقة بالعملية السياسية وملف المقاتلين الأجانب، بما يعكس التداخل بين الرغبة في التقارب والتمسك بشروط لم تُحسم جميعها بعد.

 

الاقتصاد يمهد الطريق أمام التقارب السياسي

يمثل التعاون الاقتصادي إحدى أبرز بوابات إعادة بناء العلاقات السورية المصرية، مع تزايد الزيارات المتبادلة للوفود التجارية والاقتصادية، وتفعيل مجلس الأعمال السوري المصري، وفتح نقاشات بشأن الاستثمارات والتبادل التجاري ومشاركة الشركات المصرية في مشاريع إعادة الإعمار.

 

وفي أيار الماضي، زار الشيباني القاهرة على رأس وفد ضم مسؤولين اقتصاديين، وأجرى مباحثات مع عبد العاطي تناولت العلاقات السياسية والتعاون التجاري والاستثماري. وشكّلت الزيارة محطة بارزة في مسار الاتصالات الرسمية بين البلدين منذ سقوط النظام السابق، إذ أتاحت بحث المصالح المشتركة إلى جانب القضايا السياسية.

وتواصل هذا المسار عبر اتصالات حكومية واقتصادية، وصولاً إلى انعقاد الاجتماع الحكومي المصري السوري الثاني في دمشق خلال أيلول الماضي، حيث نوقشت آليات تنفيذ التعاون وتشكيل مجموعات عمل فنية، بالتوازي مع نشاط مجلس الأعمال المشترك.

 

ويوفر هذا الحراك الاقتصادي مساحة لبناء الثقة بعيداً عن الخلافات السياسية المباشرة، إذ يمكن للمشاريع التجارية والاستثمارية أن تنشئ مصالح متبادلة تشجع على استمرار التواصل وتوسيع مجالاته. كما يتيح التعاون في قطاعات محددة اختبار قدرة الجانبين على تحويل التفاهمات المعلنة إلى خطوات عملية.

لكن المسار لا يعني بالضرورة أن التقارب الاقتصادي سيقود تلقائياً إلى تفاهم سياسي شامل. فالتبادل التجاري والاستثمارات قد يرسخان قنوات الاتصال، إلا أن الانتقال إلى شراكة أوسع يظل مرتبطاً بمدى التقدم في الملفات الأمنية والسياسية وبقدرة الطرفين على معالجة التحفظات القائمة.

وفي هذا السياق، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى تثبيت التقارب الهادئ والمتدرج، بدلاً من استعادة فورية للعلاقات الكاملة أو تأسيس تحالف استراتيجي بين القاهرة ودمشق.

 

زيارة عبد العاطي إلى دمشق.. محطة مفصلية

 

يكتسب الحديث المتكرر عن زيارة وزير الخارجية المصري إلى دمشق أهمية خاصة، في ظل عدم الإعلان عن موعد نهائي لها حتى الآن. فمنذ أشهر، يكرر الجانب المصري الإشارة إلى الزيارة المرتقبة، في خطوة توحي بأن التواصل لم يعد محصوراً في اللقاءات التي تُعقد على هامش المؤتمرات والاجتماعات الدولية.

ومن شأن الزيارة، في حال إتمامها، أن تنقل العلاقة إلى مستوى أكثر وضوحاً، وتتيح مناقشة الملفات السياسية والأمنية بصورة مباشرة، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالسيادة والاستقرار الإقليمي ومصادر القلق المتبادلة.

وكان عبد العاطي قد أعلن في آب الماضي عزمه زيارة دمشق، مؤكداً دعم القاهرة لأمن سوريا واستقرارها، واعتبار استقرار البلاد مصلحة مصرية وعربية. وربط الوزير هذا الموقف بأهمية معالجة ملفات العملية السياسية والإرهاب، ومنع تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد للدول الأخرى.

وقد تمنح الزيارة العلاقات زخماً سياسياً إضافياً، خصوصاً إذا أسفرت عن تفاهمات محددة أو خطوات تنفيذية تتجاوز التصريحات العامة. أما استمرار تأجيلها، فقد يعكس أن الطرفين لا يزالان يوازنان بين الرغبة في تطوير العلاقة والحاجة إلى معالجة بعض الملفات التي تعيق الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً.

تبادل السفراء.. المؤشر الأبرز على طبيعة المرحلة

على الرغم من توسيع قنوات الاتصال، يبقى مستوى التمثيل الدبلوماسي أحد أبرز المؤشرات على حدود التقارب الحالي. فقد شهد عام 2026 تقدماً مع مباشرة قائم بالأعمال السوري مهامه في القاهرة، ونظيره المصري مهامه في دمشق، غير أن العلاقات لم تصل بعد إلى مستوى تبادل السفراء.

 

يكتسب هذا الملف أهمية تتجاوز الجانب البروتوكولي، لأنه يعكس مستوى الثقة السياسية واستعداد الطرفين لتثبيت العلاقة ضمن إطار دبلوماسي أكثر استقراراً. فرفع مستوى التمثيل من شأنه أن يوسع قنوات التنسيق ويمنح الاتصالات الرسمية طابعاً مؤسسياً أكثر وضوحاً.

ويشير الموقف المصري المعلن بشأن عدم وجود خلافات جوهرية إلى استعداد لتوسيع الانفتاح السياسي، لكن الانتقال إلى تبادل السفراء يظل مرتبطاً بتطور المباحثات السياسية والأمنية ومدى الاستعداد لتجاوز التحفظات القائمة.

ولذلك، سيكون هذا الملف أحد أهم المعايير التي يمكن من خلالها تقييم ما إذا كان التقارب الحالي يتجه نحو تطبيع سياسي ودبلوماسي كامل، أم سيبقى ضمن صيغة تدريجية محدودة.

حسابات إقليمية تدفع القاهرة نحو دمشق

لا يمكن فصل التقارب السوري المصري عن التحولات التي تشهدها المنطقة، خصوصاً مع عودة دمشق إلى محيطها العربي وتنامي علاقاتها مع تركيا ودول الخليج. فهذه التحولات تفرض على القاهرة إعادة تقييم موقعها في الملف السوري، بما يضمن استمرار حضورها في النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد وترتيبات الأمن الإقليمي.

 

تتجاوز دوافع التحرك المصري المصالح الثنائية إلى اعتبارات جيوسياسية ومخاوف من تراجع الدور المصري في الملف السوري، في ظل تنامي الحضور التركي والخليجي. ومن هذا المنطلق، قد تسعى القاهرة إلى تعزيز انخراطها وتقديم نفسها شريكاً سياسياً وأمنياً قادراً على المساهمة في إدارة المخاطر الإقليمية.

 

ويمنح استقرار العلاقات مع دمشق مصر فرصة لتوسيع قنوات التنسيق بشأن قضايا الأمن والاستقرار، فضلاً عن الاستفادة من الفرص الاقتصادية المرتبطة بالتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار. وفي المقابل، يمكن لسوريا أن تستفيد من توسيع علاقاتها العربية وتعزيز تعاونها مع القاهرة في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية.

 

لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة البلدين على تحويل المصالح المشتركة إلى تفاهمات مستدامة، وعدم الاكتفاء بتكثيف اللقاءات أو تبادل التصريحات الإيجابية. فالتقارب الذي تحكمه الحسابات الإقليمية يظل عرضة للتباطؤ إذا تعارضت الأولويات الأمنية والسياسية أو تعثرت معالجة الملفات العالقة.

 

من اختبار النوايا إلى علاقة أكثر استقراراً؟

 

تعكس اللقاءات الأخيرة انتقال العلاقات السورية المصرية إلى مستوى أكثر نشاطاً، مع تداخل المسارات الاقتصادية والسياسية وتزايد المؤشرات على رغبة الطرفين في توسيع التواصل. غير أن هذا الحراك لا يكفي وحده للقول إن البلدين دخلا مرحلة تطبيع سياسي كامل، إذ لا تزال هناك ملفات أمنية وتحفظات سياسية تحتاج إلى معالجة واضحة.

 

ويظل موعد زيارة بدر عبد العاطي إلى دمشق، وما قد يصدر عنها من تفاهمات، أحد أبرز الاختبارات المقبلة لمسار التقارب، إلى جانب مستقبل التمثيل الدبلوماسي وإمكانية الانتقال إلى تبادل السفراء.

 

وبين المصالح الاقتصادية والحسابات الإقليمية والهواجس الأمنية، تبدو القاهرة ودمشق أمام فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر استقراراً، لكن الوصول إلى هذه المرحلة سيحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز اللقاءات المتفرقة والتصريحات الدبلوماسية.

وعليه، فإن المسار الحالي أقرب إلى انفتاح براغماتي متدرج منه إلى تحول استراتيجي مكتمل. وستحدد نتائج الاتصالات المقبلة ما إذا كان التعاون الاقتصادي سينجح في تمهيد الطريق أمام تفاهم سياسي أوسع، أم أن التحفظات المتبادلة ستبقي العلاقة ضمن حدود التقارب الحذر خلال المرحلة المقبلة.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9

اقرأ أيضاً