غانتس يعلن الانسحاب من السباق الانتخابي في إسرائيل

2026.10.19 - 22:37
Facebook Share
طباعة

أعلن رئيس حزب «أزرق أبيض» الإسرائيلي، بيني غانتس، انسحابه من الانتخابات المقبلة، في خطوة تعيد خلط الأوراق داخل المعسكر السياسي الإسرائيلي، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل تحالفات المعارضة ومصير الأصوات التي كان الحزب يأمل في حصدها. وبرّر غانتس قراره بالحاجة إلى تعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، في وقت تتصاعد فيه الخلافات السياسية بشأن شكل الحكومة المقبلة وقدرة الأحزاب المتنافسة على تشكيل ائتلاف مستقر.

 

أقرا أيضاً: نتنياهو يتمسك ببن غفير ويعيد إنتاج التطرف الإسرائيلي

 

 

 

ويأتي الانسحاب في ظل مشهد سياسي تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع الصراع على النفوذ والمناصب، فيما يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً للحفاظ على تماسك معسكره وضمان دعم حلفائه. وبينما يحاول غانتس تقديم قراره باعتباره خطوة مسؤولة لتجنب أزمة جديدة، يطرح توقيت الانسحاب تساؤلات بشأن تأثيره في موازين القوى، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات وتزايد المنافسة على أصوات الناخبين.

 

غانتس، الذي شغل سابقاً منصب رئيس هيئة الأركان ووزير الأمن، يُعد من الشخصيات التي سعت إلى تقديم نفسها بديلاً سياسياً لنتنياهو. إلا أن مسيرته السياسية اتسمت بتقلبات في التحالفات والمواقف، ما أثار خلافات بشأن جدوى خياراته ومدى قدرته على إحداث تغيير فعلي في السياسات الإسرائيلية. ويعيد انسحابه الحالي طرح أسئلة حول حدود تأثير الشخصيات العسكرية السابقة في الحياة السياسية، ومدى قدرة المعارضة على بناء بديل متماسك يتجاوز الخلافات الشخصية والحسابات الحزبية.

 

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، اتخذ غانتس قرار الانسحاب قبل عدة أسابيع، من دون تنسيق مسبق مع قادة كتلة التغيير، رغم نفيه في وقت سابق عزمه الانسحاب من السباق الانتخابي. ويشير غياب التنسيق، وفق هذه التقارير، إلى استمرار التباينات داخل المعسكر المناهض لنتنياهو، الذي يواجه صعوبة في توحيد مواقفه بشأن توزيع الأدوار وتحديد الأولويات الانتخابية.

 

كان من المقرر أن يدلي غانتس بتصريح رسمي مساء الاثنين خلال مؤتمر صحفي في القرية المكابية، مع إتاحة المجال أمام الصحفيين لطرح الأسئلة. وأشارت تقارير عبرية إلى احتمال سعيه لاحقاً إلى الترشح لمنصب رئيس الدولة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة السياسية التي يعتزم خوضها بعد التخلي عن المنافسة الانتخابية.

 

رغم تقديم غانتس الانسحاب باعتباره خطوة تهدف إلى تعزيز الوحدة، فإن هذه الخطوة لا تضمن تلقائياً تقوية المعارضة أو إضعاف فرص نتنياهو. فالأثر الفعلي يتوقف على وجهة أصوات ناخبي «أزرق أبيض»، وما إذا كانوا سينتقلون إلى أحزاب أخرى ضمن كتلة التغيير، أم سيختارون الامتناع عن التصويت أو دعم قوائم مختلفة. وتشير هذه المعادلة إلى أن الانسحاب قد يحد من تشتت الأصوات، لكنه قد يتحول أيضاً إلى فرصة ضائعة إذا لم تنجح الأحزاب الأخرى في استقطاب مؤيدي غانتس.

 

وفي هذا السياق، رحّب رئيس حزب «يشار» غادي أيزنكوت بقرار غانتس، واصفاً إياه بالمسؤول، وموجهاً الشكر إليه على سنوات إسهامه في أمن إسرائيل. وقال أيزنكوت إنه يثق باستمرار دور غانتس في المجتمع الإسرائيلي، لكنه انتقد في الوقت نفسه تصريحات نتنياهو بشأن مشاركة حزب عربي في الحكومة المقبلة، واعتبرها كذباً صادراً عن رئيس الوزراء.

ويكشف هذا التصريح جانباً من التناقضات التي تحكم الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ إذ تتنافس الأحزاب على تقديم نفسها بوصفها الأقدر على حماية الدولة وتحقيق الاستقرار، بينما تتواصل الخلافات بشأن طبيعة الشراكات السياسية وحدود مشاركة القوى العربية في الحكم. كما يعكس الجدل استمرار استخدام القضايا الأمنية والوطنية في الصراع الانتخابي، في وقت تبقى فيه السياسات الفعلية تجاه الفلسطينيين والأراضي المحتلة من الملفات الأساسية التي تستدعي مساءلة المواقف المعلنة ومقارنتها بالممارسات على الأرض.

 

من جهته، قال النائب رام بن باراك إنه يقدّر غانتس رغم اعتقاده بأنه ارتكب أخطاء في بعض قراراته السابقة، معتبراً أن الانسحاب قد يمنع إهدار الأصوات. أما رئيس المعارضة يائير لابيد، فتمنى له النجاح، مستغلاً المناسبة لتوجيه انتقاد إلى نتنياهو، قائلاً إن من يعتمد عليه ويسير معه تنتهي به الأمور على هذا النحو.

 

وتعكس ردود الفعل المتباينة محاولة قادة المعارضة الاستفادة من الانسحاب سياسياً، في وقت لا تزال فيه قدرتهم على تقديم بديل موحد موضع اختبار. فالتوافق على ضرورة منع نتنياهو من الاحتفاظ بالسلطة لا يعني بالضرورة الاتفاق على برنامج سياسي مشترك أو على شكل الحكومة البديلة، كما أن إعادة توزيع الأصوات لا تحسم وحدها نتيجة الانتخابات.

 

ويبرز كذلك سؤال بشأن الإجراءات الانتخابية اللازمة لإزالة اسم «أزرق أبيض» من أوراق الاقتراع. ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، يتعين على أعضاء الحزب، البالغ عددهم 39 عضواً، تقديم استقالاتهم من القائمة الانتخابية بحلول الأربعاء، قبل توزيع أوراق الاقتراع على مراكز التصويت. وفي حال عدم استكمال الإجراءات ضمن المهلة المحددة، قد يبقى اسم الحزب ورمزه الانتخابي ظاهرين على الأوراق، بما يثير مزيداً من التساؤلات بشأن كيفية التعامل مع أصوات الناخبين.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة الجانب الإجرائي، لأنها ترتبط بمصير قاعدة انتخابية قد تؤثر في توزيع المقاعد بين الأحزاب المتنافسة. فالأصوات التي لن تنتقل إلى قوائم أخرى قد تضعف فرص بعض أطراف المعارضة، بينما يمكن أن يستفيد منها منافسون آخرون بصورة غير مباشرة، وفق قواعد النظام الانتخابي وتوزيع الأصوات.

 

في المحصلة، لا يمثل انسحاب غانتس مجرد قرار شخصي بإنهاء المنافسة الانتخابية، بل اختباراً جديداً لقدرة المعارضة الإسرائيلية على تجاوز خلافاتها وتوحيد جهودها في مواجهة نتنياهو. وبين محاولات تقديم الانسحاب بوصفه خطوة لإنقاذ الأصوات، ومخاوف من أن يؤدي إلى مزيد من الارتباك داخل المعسكر المنافس، تبقى النتيجة مرتبطة بمدى قدرة الأحزاب على تحويل الخطوة إلى تحالف سياسي واضح، لا إلى مناورة انتخابية عابرة.

 

كما أن الحديث عن الوحدة الوطنية لا يحجب الأسئلة المتعلقة بمضمون السياسات التي ستتبناها القوى المتنافسة، ولا سيما في الملفات الأمنية والعسكرية والسياسة تجاه الفلسطينيين. فالتغيير في أسماء المرشحين أو توزيع المقاعد لا يعني بالضرورة تغييراً في النهج السياسي، ما لم يقترن بمراجعة واضحة للسياسات القائمة ومواقف محددة من الاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.

 

وبذلك، يضع انسحاب غانتس المشهد السياسي الإسرائيلي أمام مرحلة جديدة من الحسابات، لكنه لا يقدم وحده ضمانة لتغيير الحكومة أو سياساتها. فالمعيار الحقيقي لا يقتصر على من ينسحب ومن يتقدم في استطلاعات الرأي، بل يشمل طبيعة البديل المطروح، وقدرته على معالجة الأزمات الداخلية، ومراجعة السياسات التي ساهمت في تعميق الانقسام واستمرار الصراع.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4

اقرأ أيضاً