تتجه أزمة الكهرباء في لبنان نحو مرحلة جديدة مع طرح خطة استثمارية قطرية واسعة تستهدف إعادة هيكلة القطاع وزيادة قدرته الإنتاجية، من خلال إنشاء محطتين جديدتين لتوليد الكهرباء بالغاز الطبيعي، وتوقيع اتفاق طويل الأمد لتوريد الغاز المسال، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء وتعزيز الربط مع الدول المجاورة.
أقرا أيضاً: إنترنت غير شرعي وهدر بالملايين.. مطالبات بمحاسبة المسؤولين في لبنان
وبحسب وثيقة اطلعت عليها وكالة «رويترز»، يتضمن المقترح برنامجاً متكاملاً للاستثمار في الطاقة، يمتد تنفيذه على مدى 3 سنوات، شريطة استكمال الموافقات الرسمية المطلوبة. ومن شأن الخطة، في حال انتقالها إلى التنفيذ، أن تشكّل تحولاً مهماً في قطاع الكهرباء اللبناني الذي يعاني منذ سنوات نقص الإنتاج وارتفاع كلفة الطاقة والاعتماد الواسع على المولدات الخاصة.
محطتان جديدتان بقدرة 1650 ميغاواط
تشكّل محطتا توليد الكهرباء بالغاز محوراً أساسياً في الخطة القطرية، إذ يُقترح إنشاء محطة في دير عمار وأخرى في الزهراني، بقدرة إنتاجية تبلغ 825 ميغاواط لكل محطة، ليصل إجمالي القدرة الجديدة إلى 1650 ميغاواط.
ومن المقرر أن تعمل المحطتان بنظام الدورة المركبة، الذي يتيح الاستفادة من الحرارة الناتجة عن عملية التوليد لزيادة كفاءة إنتاج الكهرباء، بما يساعد على تحسين استهلاك الوقود مقارنة ببعض تقنيات التوليد التقليدية.
غير أن إنشاء المحطتين وحده لا يكفي لضمان استقرار التغذية الكهربائية، إذ يرتبط نجاح المشروع بتأمين إمدادات الغاز بصورة منتظمة، وتطوير البنية التحتية اللازمة لنقله، فضلاً عن استكمال المتطلبات الفنية والتمويلية والتشغيلية.
اتفاق غاز لمدة 20 عاماً
تتضمن الخطة المقترحة إبرام اتفاق طويل الأمد بين شركة «قطر للطاقة» ولبنان لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاماً، في خطوة تستهدف توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الإنتاج الجديدة وتعزيز استقرار الإمدادات.
أقرا أيضاً: من أزمة السفير إلى مفاوضات واشنطن.. لماذا تتحرك إيران لبنانياً؟
وتشمل الترتيبات إنشاء منظومة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال عبر وحدة عائمة للتخزين وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، بسعة تبلغ 3.5 ملايين متر مكعب يومياً. كما تقترح الخطة الاستفادة من خط الغاز العربي الممتد عبر سوريا، بقدرة نقل تصل إلى 4.5 ملايين متر مكعب يومياً.
يضع هذا الجانب من المشروع البنية التحتية للغاز في صلب معالجة أزمة الكهرباء اللبنانية، إذ يتطلب توفير الوقود تنسيقاً فنياً وتجارياً مع الأطراف المعنية، إلى جانب التوصل إلى ترتيبات واضحة بشأن النقل والتوريد والتكاليف.
وتبرز هنا أهمية المسار السوري، الذي قد يتيح للبنان الاستفادة من خطوط نقل الغاز الإقليمية، لكنه يظل مرتبطاً بجهوزية البنية التحتية اللازمة والاتفاقات المطلوبة لضمان وصول الإمدادات بالكميات المحددة.
الطاقة المتجددة والتخزين ضمن الخطة
لا تقتصر المبادرة على محطات الغاز، بل تشمل إضافة 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية و440 ميغاواط من طاقة الرياح، إلى جانب مشروعات لتخزين الكهرباء باستخدام البطاريات وربط الشبكة اللبنانية بشبكات إقليمية.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، مع الاستفادة من الطاقة المتجددة في تلبية جزء من الطلب المحلي. كما يمكن لأنظمة التخزين أن تساعد في إدارة التفاوت بين الإنتاج والاستهلاك، خصوصاً مع تغير إنتاج الطاقة الشمسية والرياح بحسب الظروف الجوية وساعات اليوم.
وتطرح الخطة كذلك خيار استيراد الكهرباء من سوريا، على أن تبدأ الإمدادات بقدرة إجمالية تبلغ 300 ميغاواط عبر مسارين منفصلين. ومن شأن هذه الخطوة، إذا نُفذت وفق الترتيبات المقترحة، أن تضيف مورداً جديداً إلى منظومة الكهرباء اللبنانية، بالتوازي مع تطوير قدرات الإنتاج المحلية.
تمويل خاص لتخفيف الضغط على الخزينة
تحمل المبادرة اسم «البرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة»، وقد أُعدّت بمساهمة من الحكومتين اللبنانية والقطرية، وفق الوثيقة التي لا تزال بحاجة إلى الموافقة النهائية، مع احتمال إدخال تعديلات على تفاصيلها.
ويستهدف البرنامج جذب استثمارات خاصة وتمويل مخصص للمشروعات، من دون تحميل الموازنة اللبنانية إنفاقاً رأسمالياً مسبقاً. لكن هذا التوجه لا يعني بالضرورة غياب الأعباء المالية عن الدولة، إذ لا تزال التزامات الدفع والضمانات وآليات توزيع المخاطر بين الأطراف المعنية موضع تفاوض.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الأعباء التي راكمها قطاع الكهرباء على المالية العامة اللبنانية خلال العقود الماضية. فنجاح أي خطة إصلاحية لن يتوقف على تأمين التمويل الأولي فحسب، بل يتطلب أيضاً تحديد كلفة شراء الطاقة والغاز، وشروط التعاقد، والجهات التي ستتحمل المخاطر المالية في حال تأخر التنفيذ أو تراجع الإيرادات.
زيارة قطرية ومؤشرات على توسيع التعاون
جاء الإعلان عن الخطة بعد زيارة رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى لبنان الأسبوع الماضي، إذ أعلن استعداد بلاده للمساهمة في إعادة تنشيط قطاع الكهرباء، من دون الكشف حينها عن التفاصيل الكاملة للمبادرة.
وتندرج الخطة ضمن تحرك قطري أوسع في قطاع الطاقة بالمنطقة، ولا سيما في سوريا، حيث حصلت مجموعة «باور إنترناشيونال هولدينغ» القطرية على عقود مرتبطة بإنتاج 5000 ميغاواط من الكهرباء، إلى جانب مشروعات في مجالات النفط والغاز وخطوط الأنابيب.
يمنح هذا الحضور الإقليمي مشروعات الطاقة المقترحة بعداً يتجاوز تلبية الاحتياجات اللبنانية، إذ تقوم الخطة على الجمع بين الإنتاج المحلي وإمدادات الغاز والربط الكهربائي الإقليمي، بما يجعل التنسيق بين البنية التحتية في لبنان وسوريا عنصراً مهماً في مسار التنفيذ.
3 سنوات أمام اختبار التنفيذ
تواجه مؤسسة كهرباء لبنان صعوبات مستمرة في توفير التغذية على مدار الساعة، ما يدفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي تزيد الأعباء المعيشية، في ظل ارتفاع كلفة الطاقة واستمرار الاختلالات المالية والتشغيلية في القطاع.
وبحسب مصدر مطلع، يمكن تنفيذ الخطة القطرية خلال 3 سنوات إذا صدرت الموافقات المطلوبة بسرعة. غير أن هذا الإطار الزمني يبقى مشروطاً باستكمال الاتفاقات النهائية، وتأمين التمويل، وإقرار الترتيبات القانونية، وتوفير البنية التحتية اللازمة لتشغيل المحطات وربطها بشبكات النقل والتوزيع.
كما يتطلب نجاح المشروع معالجة التحديات المرتبطة بإدارة القطاع، وضمان شفافية العقود، وتحديد الالتزامات المالية بصورة واضحة، بما يحول دون تكرار الاختلالات التي ساهمت في تعميق أزمة الكهرباء.
وفي حال اعتماد البرنامج والبدء بتنفيذه، فقد يشكل أحد أكبر المشروعات المقترحة لإعادة بناء قطاع الكهرباء اللبناني منذ سنوات، عبر الجمع بين محطات الغاز والطاقة المتجددة والتخزين واستيراد الكهرباء. لكن الأثر الفعلي للمبادرة سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على تحويل المقترحات إلى عقود نافذة ومشروعات قابلة للتنفيذ، وضمان انعكاس الاستثمارات على ساعات التغذية وكلفة الطاقة والأعباء التي يتحملها المواطنون.