تكثّف إيران تحركاتها الدبلوماسية تجاه لبنان، في مسعى لإدارة الخلافات مع الحكومة اللبنانية والحفاظ على قنوات التواصل مع مؤسسات الدولة، بالتزامن مع سعي طهران إلى إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة، وسط استمرار التوترات الإقليمية والخلاف بشأن سلاح حزب الله ودور إيران في الشؤون اللبنانية.
أقرا أيضاً:قانون خفض العقوبات يفجّر مواجهة دستورية في لبنان
في أحدث خطوات التواصل بين الجانبين، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إن طهران تختلف مع الحكومة اللبنانية في وجهات النظر بشأن كيفية معالجة القضايا اللبنانية، لكنه شدد على وجود اتفاق حول أهمية الاهتمام بالعلاقات الثنائية والعمل على تطويرها.
وصف عراقجي، في تصريحات للصحفيين في بغداد نشرتها قناته الرسمية، لقاءه بنظيره اللبناني يوسف رجي بأنه كان محترماً وصريحاً وجاداً. وجاء الاجتماع، الذي عُقد السبت على هامش اجتماعات مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، عقب زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده إلى بيروت.
أقرا أيضاً: الاحتلال يدمّر أراضي الجنوب ويكبّد الزراعة اللبنانية 530 مليون دولار
من جهتها، أفادت وزارة الخارجية اللبنانية بأن اللقاء المطول تناول مختلف الملفات العالقة بين البلدين وسبل معالجتها، في مؤشر على استمرار التواصل الدبلوماسي رغم التباينات السياسية القائمة.
غير أن المواقف التي عبّر عنها رجي خلال اجتماع المنظمة في بغداد أظهرت عمق الخلاف بين الطرفين. فقد طالب إيران بوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية اللبنانية، وعدم تحدي قرارات الحكومة، إلى جانب وقف إمداد حزب الله بالأسلحة والأموال. كما أدان الاعتداءات الإسرائيلية على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، مؤكداً تمسك بلاده بالقرار الدولي 1701 وبالمسار الدبلوماسي لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة.
تأتي التحركات في وقت تحاول فيه طهران منع اتساع الخلاف مع بيروت وتحويله إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، خصوصاً بعد تصاعد الجدل بشأن وضع السفير الإيراني لدى لبنان. وكان خطيب زاده قد أعلن وجود مقترحات لمعالجة الملف، مؤكداً أن الأزمة يمكن احتواؤها من خلال الحوار والقنوات الدبلوماسية.
تتوزع أهداف زيارة خطيب زاده على مسارين متوازيين؛ أولهما إقليمي يرتبط بموقع لبنان في المفاوضات الإيرانية الأميركية، وثانيهما ثنائي يهدف إلى إدارة الخلافات بين طهران وبيروت والحفاظ على التواصل مع مؤسسات الدولة اللبنانية.
تتمثل الأولويات الإيرانية في منع إسرائيل من تحويل مكاسبها العسكرية إلى وقائع سياسية وأمنية دائمة، والحفاظ على موقع لبنان ضمن المعادلات الإقليمية، إلى جانب تعزيز العلاقات مع المؤسسات الرسمية اللبنانية، رغم الاختلاف بشأن ملفات داخلية، وفي مقدمتها سلاح حزب الله.
بدأ خطيب زاده زيارته إلى بيروت الأربعاء الماضي بلقاء نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، حيث بحثا الأوضاع اللبنانية، ولا سيما التطورات في الجنوب، ورؤية طهران للمرحلة المقبلة في ضوء المفاوضات مع الولايات المتحدة، وفق بيان صادر عن المجلس.
كما التقى الخميس رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، مؤكداً أهمية مواصلة تبادل وجهات النظر وتعزيز التنسيق بين البلدين. وشملت الزيارة أيضاً مباحثات مع مسؤولين في وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة، وصفها المسؤول الإيراني بأنها جيدة، مشيراً إلى أن هدفها تقريب وجهات النظر في إطار المشاورات الثنائية.
احتل ملف السفير جانباً من التحرك الإيراني، بعدما طُرح سابقاً خلال لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في نيويورك. وأوضح خطيب زاده أن هناك مقترحات لاختيار مسار يحظى بقبول الطرفين، معرباً عن اعتقاده بأن الخلاف ما كان ينبغي أن
يصل إلى مستوى الأزمة التي بلغها.
رغم عدم الكشف عن تفاصيل المقترحات أو آليات تنفيذها، فإن طرح الملف ضمن سلسلة اللقاءات يشير إلى رغبة طهران في إبقاء الخلاف ضمن الإطار الدبلوماسي، وتفادي انعكاسه على مجمل العلاقات بين البلدين. بالتوازي، تسعى إيران إلى الحفاظ على علاقاتها مع حزب الله وحركة أمل، مع استمرار التواصل مع المؤسسات الرسمية التي تختلف معها بشأن بعض القضايا، وفي مقدمتها مسألة السلاح وصلاحيات الدولة.
يبرز الملف اللبناني أيضاً ضمن حسابات طهران في التفاوض مع واشنطن. فقد أكد خطيب زاده أن لبنان من القضايا الرئيسية المطروحة في النقاشات الإيرانية الأميركية، مشدداً على ترابط تطورات المنطقة وتمسك بلاده بشمول لبنان في أي اتفاق محتمل.
اتهم المسؤول الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل بانتهاك مذكرة تفاهم إسلام آباد عبر الهجمات على إيران ولبنان، كما انتقد المسار الذي تتبناه واشنطن بشأن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وتعكس هذه التصريحات رغبة إيرانية في ربط أي تسوية إقليمية أوسع بالتطورات اللبنانية، بدلاً من حصر التفاهمات المحتملة في وقف الهجمات على الأراضي الإيرانية وحدها.
يعكس الإصرار الإيراني على شمول لبنان في أي تفاهم محتمل مع واشنطن رغبة في منع التوصل إلى اتفاق يوقف الهجمات على إيران، بينما يستمر الضغط العسكري والسياسي على لبنان. لكن من الضروري التمييز بين التفاوض بشأن وقف الهجمات والتهدئة الإقليمية، وبين الترتيبات الداخلية المتعلقة بسلاح حزب الله وصلاحيات الدولة اللبنانية.
لا تستطيع إيران إبرام اتفاق ملزم نيابة عن الدولة اللبنانية بشأن التزامات داخلية تتعلق بالسلاح أو بسلطة المؤسسات الرسمية، إذ تستلزم معالجة هذه الملفات مشاركة الجهات اللبنانية المعنية. لذلك، فإن إدراج لبنان في المفاوضات الإيرانية الأميركية لا يعني بالضرورة امتلاك طهران القدرة على حسم الملفات الداخلية اللبنانية، بل يعكس سعيها إلى التأثير في المسار الإقليمي الذي ينعكس على الوضع في لبنان.
على المستوى الأمني، تجمع التصريحات الإيرانية بين الدعوة إلى التهدئة والاستعداد لاحتمالات التصعيد. فقد قال خطيب زاده إن معظم جهود بلاده عبر القنوات الدبلوماسية والوسطاء تستهدف منع اندلاع الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على استعداد إيران لسيناريوهات مختلفة إذا تجددت المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة.
حذر المسؤول الإيراني من أن أي هجوم جديد على بلاده سيقابل بتغيير ميزان القوى في المنطقة. ويعكس الموقف الجمع بين الرغبة السياسية في إنهاء الحرب والاستعداد لاحتمال فشل المفاوضات وعودة المواجهة، مع توجيه رسالة ردع مفادها أن الضغط العسكري لن يؤدي بالضرورة إلى تقديم تنازلات سياسية إيرانية.
مع ذلك، لا تكفي التصريحات العلنية وحدها للاستنتاج بأن طهران اتخذت قراراً بالعودة إلى الحرب أو أجرت تغييرات محددة في انتشارها العسكري، إذ ينبغي التمييز بين التلويح بالاستعداد للمواجهة واتخاذ قرار فعلي بالتصعيد.
في المحصلة، يتحرك المسعى الإيراني تجاه لبنان على أكثر من مستوى، تشمل احتواء الخلاف الدبلوماسي بشأن السفير، والحفاظ على العلاقات مع القوى السياسية اللبنانية، وإبقاء لبنان ضمن حسابات التفاوض مع الولايات المتحدة، إلى جانب منع تحوّل الضغوط الإسرائيلية إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد. لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بقدرة طهران وبيروت على إدارة خلافاتهما، ومدى استعداد إيران للتعامل مع مواقف الدولة اللبنانية بشأن السيادة وحصرية السلاح، فضلاً عن مسار المفاوضات الإقليمية واحتمالات التصعيد.