من أزمة البنزين إلى عقود النفط.. ما الذي ينتظر رئيس «السورية للبترول» الجديد؟

2026.10.18 - 22:24
Facebook Share
طباعة

ملفات مفتوحة أمام الإدارة الجديدة
يتولى ماهر خليل الحسن رئاسة الشركة السورية للبترول خلفاً ليوسف قبلاوي، بموجب مرسوم رئاسي، في وقت تواجه فيه الشركة ملفات متراكمة تتعلق بأزمة البنزين المخالف للمواصفات، وتحقيقات في عقود نفطية، وتقديرات مالية لا تزال قيد التدقيق، فضلاً عن مشروعات استثمارية وتشغيلية تحتاج إلى متابعة.
ولا يقتصر التحدي أمام الرئيس التنفيذي الجديد على إدارة المؤسسة، بل يمتد إلى استكمال التحقيقات، وتوضيح المسؤوليات، وضمان تعويض المتضررين، وتعزيز الشفافية في التعاقدات، والتمييز بين المشروعات المعلنة وتلك التي دخلت فعلياً مرحلة التنفيذ.
وكانت وزارة الطاقة السورية قد أعلنت في 13 تشرين الأول الجاري انتهاء التحقيق الفني في أزمة البنزين، موضحة أن شحنة غير مطابقة للمواصفات اختلطت، نتيجة خطأ تشغيلي، بكميات سليمة، ووصل جزء من الخليط إلى السوق المحلية، ما تسبب بأضرار في عدد من المركبات. وكُلّفت الشركة بوضع آلية لتعويض المتضررين والإعلان عن تفاصيلها، على أن يجري التعويض على مراحل.
ويأتي تعيين الحسن، بموجب المرسوم رقم 190 لعام 2026، في وقت أصبحت فيه هذه الملفات اختباراً مباشراً لقدرة الإدارة الجديدة على معالجة الاختلالات وتحسين الرقابة على قطاع حيوي لـ الاقتصاد السوري.

اقرأ أيضاً: ت من أوروبا وروسيا ومصر تعزز إمدادات الطاقة السورية


من التموين إلى قطاع النفط
يصل الحسن إلى منصبه الجديد بعد توليه مسؤوليات في التجارة الداخلية وحماية المستهلك. فقد شغل منصب وزير التجارة الداخلية السوري في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير بين كانون الأول 2024 وآذار 2025، قبل انتقاله إلى منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة، حيث تابع ملفات التموين والأسواق والمؤسسة السورية للتجارة وتطوير الخدمات الرقمية للسجلات التجارية.
وتشمل خلفيته المهنية أيضاً خبرة في قطاع النفط؛ إذ حصل على إجازة في الهندسة البترولية عام 2010، وعمل في إدارة العمليات الإنتاجية بشركة حيان للنفط بين أواخر عام 2011 ومطلع عام 2013، قبل أن يتولى الإشراف على حقول نفط شرقي حمص، وفق معلومات منشورة عن سيرته المهنية.
كما شغل مناصب إدارية وخدمية، بينها منصب معاون وزير الاقتصاد والموارد في حكومة الإنقاذ منذ عام 2018، قبل انتقاله إلى العمل ضمن الحكومة التي تشكّلت عقب سقوط النظام السابق.
وقبل أيام من تعيينه، استعرض الحسن في مؤتمر صحفي ملفات استلام القمح وتطوير المطاحن والمخابز ودعم الخبز وتعزيز الرقابة التموينية. لكن انتقاله إلى قيادة الشركة النفطية يضعه أمام تحديات مختلفة، تتطلب الجمع بين الخبرة الفنية والإدارية والقدرة على متابعة الملفات الرقابية والتعاقدية.
أما قبلاوي، فتشير سيرته المهنية المنشورة إلى خبرة تقارب ثلاثة عقود في قطاع النفط والغاز وإدارة مشروعات الطاقة، ويحمل إجازة في الهندسة الميكانيكية من جامعة حلب وماجستير في الطاقة المتجددة وأنظمة الاستدامة من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية.

اقرأ أيضاً: الاحتلال الإسرائيلي يوسّع تحركاته في القنيطرة.. حاجز بالصمدانية وتوغل بالحرية


أزمة البنزين.. التعويض أولاً
تُعد أزمة البنزين المخالف للمواصفات أبرز الملفات التي سبقت التغيير الإداري مباشرة. ففي 13 تشرين الأول، أعلنت وزارة الطاقة انتهاء التحقيق الفني في الأضرار التي أصابت مركبات مواطنين، موضحة أن شحنة غير مطابقة للمواصفات أُفرغت في مستودعات الشركة، قبل أن يؤدي خطأ تشغيلي أثناء نقلها عبر شبكة الأنابيب إلى اختلاطها ببنزين مطابق للمواصفات ووصول جزء من الخليط إلى السوق.
وقالت الوزارة إن نتائج التحقيق ستترتب عليها إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، كل بحسب مسؤوليته، إلى جانب معالجة الخلل في منظومة التشغيل والرقابة لمنع تكرار الحادثة.
وكُلّفت الشركة بوضع آلية لتعويض المواطنين المتضررين والإعلان عن تفاصيلها، على أن تُنفّذ العملية على مراحل. إلا أن الإعلان لم يحدد قيمة التعويضات أو عدد المستفيدين منها، كما لم يسمِّ قبلاوي بوصفه المسؤول الشخصي عن الخطأ.
ولا يتوقف حسم الملف عند تحديد الخلل التشغيلي، بل يتطلب حصر الكميات التي وصلت إلى الأسواق، وتحديد المحطات المعنية، وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمركبات، ووضع آلية واضحة لتقديم المطالبات وصرف التعويضات.
كما تبرز الحاجة إلى مراجعة مراحل فحص المحروقات منذ وصولها إلى الموانئ، مروراً بالتخزين والنقل، وصولاً إلى محطات الوقود، وتحديد الإجراءات التي كان يفترض أن تمنع اختلاط الشحنة المخالفة بالكميات السليمة.


عقود النفط.. أرقام تحتاج إلى تدقيق
قبل أزمة البنزين، أثارت عقود الشركة السورية للبترول نقاشاً واسعاً بعد تداول أرقام تتعلق بأضرار مالية وإجراءات رقابية بحق بعض الشركات المتعاقدة.
وفي 29 أيلول، أوضح رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، أن نحو 104 ملايين دولار تمثل قيمة حجز احتياطي على أموال بعض الشركات التي تخضع للتحقيق، وليست أموالاً ثبت اختلاسها. وبيّن أن الإجراء يهدف إلى حماية حقوق الدولة إلى حين استكمال التحقيقات.
وكانت الشركة قد ذكرت في بيان سابق أن مبلغ 110 ملايين دولار المتداول إعلامياً يمثل تقديراً أولياً للأضرار في ملفات قيد التدقيق، وليس قيمة أموال ثبت فقدانها أو اختلاسها.
ويعكس الرقمان مسارين مختلفين: الأول يتعلق بإجراء تحفظي على أموال شركات قيد التحقيق، والثاني بتقدير أولي للأضرار المحتملة. ولذلك، لا يصح التعامل معهما بوصفهما حصيلة نهائية لفساد مثبت، في ظل استمرار الإجراءات الرقابية والقانونية.
وتشمل الأسئلة المطروحة أيضاً مدى كفاءة الشركات المتعاقدة وملاءتها المالية، وآليات اختيارها، وكيفية التحقق من التزامها بالشروط الفنية والمالية. ويظل حسم هذه المسائل مرتبطاً بنتائج التحقيقات والوثائق التي تكشف طبيعة العقود والأضرار المحتملة.


حقول دير الزور تحت الرقابة
وسبق الجدل بشأن العقود إعلان الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في آب الماضي، نتائج أولية لتحقيقات في عدد من حقول النفط بدير الزور، تناولت التعاقدات والصيانة والنقل والإدارة، بعد أعمال رقابية استمرت ثلاثة أشهر بمشاركة 22 مفتشاً.
وبحسب البيانات المعلنة آنذاك، تجاوزت التقديرات الأولية للأضرار ثمانية ملايين دولار في ملفات مرتبطة بالتعاقدات والصيانة وسوء الإدارة، إضافة إلى نحو 20 مليون دولار من فروق الأسعار في عقود نقل النفط الخام.
كما أعلنت الهيئة كفّ يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء لاستكمال التحقيقات، إلى جانب اتخاذ إجراءات تتعلق بفسخ عقود والحجز الاحتياطي. وأكدت الشركة دعمها لعمل الجهات الرقابية وتقديم الوثائق والبيانات المطلوبة.
ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام تقديرات وإجراءات أولية، ولا تعادل أحكاماً قضائية نهائية تحدد المسؤوليات وحجم الضرر بصورة قاطعة. ومن أبرز الملفات التي تنتظر الإدارة الجديدة متابعة نتائج التحقيقات، وضمان تنفيذ الإجراءات القانونية، وتقديم معلومات واضحة عن العقود التي خضعت للتدقيق.


إرث قبلاوي والجدل حول العقود
دافع قبلاوي خلال فترة توليه المنصب عن أداء الشركة والعقود المبرمة مع شركات، من بينها «ستار بترونوفا» و«غولكون» و«تعزيز»، نافياً وجود فساد في تلك التعاقدات، ومؤكداً كفاءة الشركات لتنفيذ الأعمال المطلوبة.
وأوضحت الشركة في حينه أن ظروف التعاقد تختلف من ملف إلى آخر؛ إذ ارتبطت بعض الإجراءات، بحسب تبريرها، بظروف استثنائية استدعت حماية منشآت وآبار نفطية، بينما أُبرمت عقود أخرى بعد طلب عروض ودراستها من الناحيتين الفنية والمالية.
كما نفت الشركة آنذاك الأنباء المتداولة عن توقيف رئيسها التنفيذي أو طلب إحالته إلى التحقيق.
لكن الجدل لم يقتصر على العقود، إذ أثارت تصريحات لقبلاوي انتقادات بعد استخدامه تشبيه «القطيع» في حديث عن متابعة السوريين للأخبار عبر «فيس بوك». ونشر لاحقاً تسجيلاً مصوراً اعتذر فيه عن العبارة.
ولا يربط مرسوم تعيين الحسن بين مغادرة قبلاوي والمناظرات التي أثارتها تصريحاته، كما لا يتضمن حكماً بشأن المسؤوليات الشخصية في ملفات العقود أو أزمة البنزين. ومن ثم، يبقى تقييم تلك الملفات مرتبطاً بنتائج التحقيقات والإجراءات الرسمية، لا بمجرد تغيير القيادة التنفيذية.


مشروعات واستثمارات بانتظار المتابعة
على الرغم من الأزمات والتحقيقات، شهدت الشركة خلال إدارة قبلاوي أعمال صيانة وتشغيل ومباحثات استثمارية. ففي حزيران الماضي، دخل المرجل البخاري الصربي الخدمة في مصفاة حمص، بطاقة معلنة تبلغ 25 طناً من البخار في الساعة، بهدف دعم عدد من الوحدات الإنتاجية.
وفي الشهر نفسه، بحث قبلاوي مع وفد من شركة «شيفرون» الأميركية تحويل مذكرة تفاهم تتعلق بالاستكشاف البحري في البلوك رقم واحد إلى عقد تنفيذي، إلى جانب فرص التعاون في مشروع لنقل النفط العراقي عبر سوريا.
وفي 7 تشرين الأول، نُقلت تصريحات عن قبلاوي تفيد بأن اتفاقاً مع العراق لنقل النفط الخام بالشاحنات عبر الأراضي السورية أوشك على الاكتمال، مع توفير خزانات في بانياس تمهيداً لإعادة تصدير النفط بحراً.
لكن هذه الملفات ليست في المرحلة نفسها؛ فبعضها دخل حيز التشغيل، فيما بقي بعضها الآخر في إطار المباحثات أو التوقعات المعلنة. ولذلك، يتطلب تقييم تقدمها الكشف عن مراحل التنفيذ الفعلية، والجداول الزمنية، والشروط التعاقدية، والنتائج الاقتصادية المتوقعة.


صلاحيات تنفيذية ومسؤولية رقابية
أُحدثت الشركة السورية للبترول بموجب المرسوم رقم 189 لعام 2025، بوصفها شركة عامة قابضة تتولى أنشطة تتصل بالاستكشاف والتنمية والتسويق وإدارة الأصول النفطية والغازية، لتحل محل مؤسستي النفط والتكرير في الحقوق والالتزامات المعنية.
ويرأس وزير الطاقة مجلس إدارة الشركة، الذي يتولى اعتماد الخطط والموازنات والاستراتيجيات وعقود الشراكة، في حين يُعيّن الرئيس التنفيذي بمرسوم رئاسي. ويعني ذلك أن تعيين الحسن يمثل تغييراً في القيادة التنفيذية، ولا يعني بحد ذاته تغيير رئاسة مجلس الإدارة أو حسم الملفات المفتوحة.
وتتطلب معالجة التحديات المطروحة تعزيز التدقيق المستقل للعقود، وتفعيل الرقابة الداخلية والخارجية، ووضع معايير واضحة للمناقصات، إلى جانب نشر المعلومات التي تسمح بتقييم أداء الشركة ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت المخالفات.


اختبار الشفافية واستعادة الثقة
تبدأ مهمة ماهر الحسن في مؤسسة تواجه استحقاقات متزامنة: تعويض أصحاب المركبات المتضررة من أزمة البنزين، واستكمال التحقيقات في العقود وحقول النفط، وتوضيح الفروق بين التقديرات المالية والإجراءات التحفظية والنتائج القضائية، فضلاً عن متابعة المشروعات الاستثمارية المعلنة.
ولا يكفي تغيير الرئيس التنفيذي وحده لإغلاق هذه الملفات؛ إذ يتوقف التقدم على نتائج قابلة للتحقق، وآليات تعويض واضحة، وشفافية في التعاقدات، وإعلان مراحل تنفيذ المشروعات بصورة دقيقة.
وبين الحاجة إلى حماية المال العام وضمان استقرار إمدادات الطاقة، سيكون أداء الإدارة الجديدة موضع اختبار في قدرتها على تحويل الوعود والإجراءات الأولية إلى نتائج ملموسة تعزز الثقة بالشركة السورية للبترول. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4

اقرأ أيضاً