أزمة تتجاوز أكوام القمامة
تتفاقم أزمة النفايات في سوريا مع تفاوت خدمات النظافة بين المحافظات، وتراكم المخلفات في الشوارع، وانتشار المكبات العشوائية، وسط نقص الآليات والعمال والمحروقات وتهالك أجزاء من البنية التحتية.
وفي وقت تعمل فيه وزارة الإدارة المحلية والبيئة على استراتيجية لإغلاق نحو 1400 مكب عشوائي، تبرز تساؤلات حول التمويل والقدرات التنفيذية والرقابة البيئية، ومدى قدرة الخطط على تقديم حلول مستدامة تتجاوز حملات التنظيف المؤقتة.
اقرأ أيضاً: كم سيدفع المزارعون لعصر الزيتون في إدلب؟ قرار يحدد الأجور والنسب
تفاوت في الخدمات
تتفاوت أوضاع النظافة بين المحافظات، إذ يشكو سكان في دمشق وريفها وحلب من تأخر جمع النفايات وتكدسها قرب الحاويات والأسواق والأحياء المكتظة. وفي الرقة، يقتصر التحسن على بعض الساحات ومراكز المدينة، بينما تستمر التراكمات في مناطق من دير الزور.
وفي السويداء، يعرقل نقص المحروقات وصيانة الآليات انتظام الخدمة، فيما تواجه بلديات درعا نقصاً في العمال والمعدات وقدم الآليات. أما في طرطوس، فتنتشر مكبات على أطراف بعض البلدات، مع لجوء بعض السكان إلى حرق النفايات، ما يزيد تلوث الهواء والمخاطر الصحية.
ولا تقتصر المشكلة على تأخر الترحيل، بل تشمل تحول مواقع الرمي المؤقتة إلى مكبات دائمة، بسبب بعد المطامر النظامية وارتفاع تكاليف النقل. ويطالب السكان بزيادة الحاويات، وانتظام الجمع، وتشديد الرقابة على مواقع التخلص من المخلفات.
اقرأ أيضاً: الساحل السوري أمام تحدي انتشار "النمر الآسيوية".. مطالب بمكافحة فعّالة
خطة لإغلاق المكبات
تتضمن مسودة الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة إغلاق نحو 1400 مكب عشوائي، وتطوير عمليات الجمع والترحيل والمعالجة، وتأهيل البنية التحتية، والتوسع في الفرز وإعادة التدوير.
وقال مدير النظافة وإدارة النفايات في الوزارة، أسعد علبي، إن ضعف إمكانات البلديات يرتبط بسنوات من نقص الاستثمار وتقادم الآليات ونقص الحاويات والعمال والسائقين، إلى جانب صعوبات تأمين الوقود وقطع الغيار. كما تعرضت محطات ترحيل ومراكز معالجة ومطامر للتخريب أو توقفت عن العمل، فيما تعمل منشآت أخرى بطاقة محدودة.
وأشار علبي إلى أن الوزارة طلبت من المحافظات تحديد احتياجاتها لعام 2027، بهدف توجيه شراء الآليات وفق الأولويات الفعلية. لكن التحدي لا يقتصر على شراء المعدات، بل يشمل تكاليف تشغيلها وصيانتها وتأمين الكوادر والوقود.
الاستثمار يحتاج إلى رقابة
تدرس الوزارة مقترحات استثمارية لإدارة النفايات في دمشق وريفها وحلب وطرطوس، إلى جانب أفكار لتحويل المخلفات إلى طاقة. ويشترط علبي أن تستند المشاريع إلى دراسات حول كميات النفايات وتركيبها وتكاليف المعالجة والجدوى الاقتصادية والاشتراطات البيئية.
كما تعمل الوزارة على مشروع قانون جديد واستراتيجية وطنية ومخطط توجيهي لتحديد احتياجات المحافظات، ضمن خطتها للفترة 2026-2030. وتشمل الإجراءات المقترحة إنشاء قاعدة بيانات للآليات والحاويات والمكبات والمطامر ومحطات المعالجة.
الفرز والتدوير.. حلول مؤجلة
يرى الخبير في تقييم الأثر البيئي حسين جنيدي أن تحسين إدارة النفايات يتطلب فرزها من المصدر، وتوفير حاويات منفصلة، وتوعية السكان، ودعم مشاريع التدوير، وإنشاء مراكز فرز أولية. لكنه يشدد على ضرورة منع خلط النفايات مجدداً بعد جمعها وتوفير أسواق للمواد القابلة للتدوير.
ويحذر جنيدي من أن الحرق العشوائي قد يطلق ملوثات خطرة، بينما يمكن لتسرب السوائل الناتجة عن النفايات تلويث التربة والمياه الجوفية. كما تتطلب معالجة المكبات عزلاً هندسياً وإدارة للغازات والعصارة، والتعامل الآمن مع النفايات الطبية والخطرة.
وتختلف كلفة تأهيل المطامر بحسب حجم المواقع ومستوى التلوث والتقنيات المستخدمة، فيما تحتاج مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة إلى استثمارات مرتفعة ودراسات دقيقة لتركيب المخلفات ورطوبتها.
التنفيذ هو الاختبار الحقيقي
يبقى نجاح الاستراتيجية مرهوناً بتمويل مستدام، وتحديث البنية التحتية، وتحديد المسؤوليات، ومراقبة العقود، وتطبيق معايير بيئية واضحة. فإغلاق المكبات العشوائية لن يكون كافياً ما لم تتوافر بدائل آمنة ومستدامة، وتتحول الخطط المعلنة إلى خدمات منتظمة ونتائج ملموسة في حياة السكان.