تواجه عائلات في ريفي القنيطرة ودرعا خطر فقدان مصادر رزقها، مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف الرعاة وقطعان الأغنام، وتقييد الوصول إلى المراعي والأراضي الزراعية. وبين إطلاق النار والاحتجاز وسرقة المواشي وإحراق مستودعات الأعلاف، تتزايد الخسائر التي تهدد استمرارية تربية الأغنام، في وقت تعاني فيه الأسر من ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الدخل.
أقرا أيضاً: قبل استهداف دورية أمنية.. الداخلية السورية تفكك خلية لـ«داعش»
إطلاق نار واحتجاز في ريف القنيطرة
شهد ريف القنيطرة الجنوبي، يوم الجمعة، توغلاً لعدة آليات عسكرية إسرائيلية غربي مزرعة الحانوت استمر نحو أربع ساعات، قبل أن تطلق القوات النار باتجاه رعاة أغنام في المنطقة الرعوية غربي قرية صيدا الحانوت، لمنعهم من مواصلة الرعي.
انسحبت الآليات لاحقاً عبر بوابة تل أبو الغيثار، وسط معلومات عن نفوق رأسين من الأغنام على الأقل، من دون تأكيد الحصيلة النهائية للخسائر.
وسبق الحادثة احتجاز القوات الإسرائيلية ثلاثة رعاة في مزرعة أبو مذراة بمحيط صيدا الحانوت، الأسبوع الماضي، قبل الإفراج عنهم. كما شهدت المنطقة اعتداءات بالضرب على رعاة ودهس مواشٍ بآليات عسكرية، إلى جانب إطلاق النار باتجاه أراضٍ زراعية محيطة ببلدة كودنة، من دون ورود معلومات عن إصابات.
أقرا أيضاً: سوريا تحصد قمحاً أكثر.. والجوع يطارد ملايين السكان
مراعي مغلقة ومواشٍ مسروقة
امتدت القيود على الرعي إلى محمية جباتا الخشب الطبيعية في ريف القنيطرة، حيث مُنع الرعاة من دخول المنطقة رغم اعتمادهم على أجزاء منها لتغذية قطعانهم. وبحسب معلومات من مديرية الموارد المائية في القنيطرة، تعرض الرعاة لتهديدات بإطلاق النار المباشر في حال دخول المحمية.
ويروي راعٍ من جباتا الخشب فقد خمسة رؤوس من أغنامه أن القوات الإسرائيلية المتمركزة في البرج الزراعي داخل المحمية تطلق النار باتجاه القطعان، إلى جانب منع الرعاة من الوصول إلى المنطقة.
وقال لموقع تلفزيون سوريا: «يجلسون في البرج ويتسلّون بقتل القطيع، أحياناً يطلقون النار عشوائياً لإبعادنا عن المكان، وأحياناً أخرى يوجهون الرصاص إلى الأغنام مباشرة ويقتلونها عمداً، ونحن نشاهد ولا نستطيع فعل شيء».
في ريف درعا الغربي، تتواصل الاعتداءات على الممتلكات، بالتزامن مع منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم. وخلال العام الماضي، استولت قوات الاحتلال على أغنام تعود لأحد الرعاة في منطقة حوض اليرموك واقتادتها باتجاه الجولان السوري المحتل، كما احتُجز راعٍ آخر في المنطقة قبل الإفراج عنه بعد ساعات.
وفي عام 2025، سرقت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 200 رأس من أغنام أهالي قرية العشة بريف القنيطرة الجنوبي، واقتادتها إلى الأراضي المحتلة.
أما في تشرين الأول الجاري، فتـوغلت قوات إسرائيلية في منطقة وادي الرقاد، وأضرمت النار في مستودع للأعلاف وأجزاء من منزل يعود لأحد الرعاة، عقب توجيه إنذارات إلى السكان بإخلاء المنطقة. كذلك مُنع مزارعون من الوصول إلى أراضيهم في عابدين، ما عطل أعمالهم الزراعية وهدد محاصيلهم.
خسائر تهدد معيشة العائلات
تمثل الأغنام رأس مال أساسياً لكثير من الأسر في ريفي القنيطرة ودرعا، إذ تعتمد على بيع المواشي وإنتاج الحليب ومشتقاته لتأمين احتياجاتها اليومية. كما يسهم الاحتفاظ بالإناث الصغيرة والاستفادة من ولاداتها في زيادة حجم القطيع وتوفير دخل مستقبلي.
ويؤدي نفوق الأغنام أو سرقتها إلى خسارة مباشرة يصعب تعويضها، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواشي والأعلاف. كما أن منع الرعاة من الوصول إلى المراعي الطبيعية يجبرهم على شراء الغذاء لقطعانهم، ما يرفع تكاليف التربية ويدفع بعضهم إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراتهم.
ويقول راعٍ من ريف القنيطرة الجنوبي لموقع تلفزيون سوريا إن عمله كان يبدأ بالخروج مع أغنامه صباحاً إلى الأراضي التي تتوافر فيها الأعشاب والمياه، قبل العودة إلى القرية عند المساء، لكن تكرار الاعتداءات جعله مضطراً إلى التفكير في مخاطر الطريق وإمكانية العودة بأمان.
وأوضح أن منع الرعاة من الوصول إلى المراعي لا يعفيهم من مسؤولية إطعام مواشيهم، بل يفرض عليهم نفقات إضافية، مضيفاً: «كل خسارة تؤثر في السنوات المقبلة، وليس في يوم الحادثة فقط».
وقال إن الرعاة باتوا «عالقين بين الخوف على أنفسنا والخوف على مصدر رزقنا»، مطالباً بضمان وصولهم إلى أراضيهم وحماية مواشيهم وممتلكاتهم.
وفي ريف درعا الغربي، يوضح مربٍّ آخر أن بناء قطيع قادر على توفير دخل مستقر يحتاج إلى سنوات من العمل، من خلال الاحتفاظ بالإناث الصغيرة وانتظار ولاداتها وبيع بعض الحيوانات عند الحاجة.
وقال لموقع تلفزيون سوريا: «نحن نعتني به عاماً بعد عام، ونحتفظ بالإناث الصغيرة، وننتظر ولاداتها، ونبيع بعض الحيوانات عندما نحتاج إلى المال، بهذه الطريقة نبني مصدر رزقنا تدريجياً، ونعتمد عليه في مصروف البيت وتعليم الأولاد».
وأضاف أن خسارة عدد كبير من الأغنام قد تجبر المربي على البدء من جديد، بينما يؤدي احتراق مستودعات الأعلاف أو تعذر الوصول إلى المراعي إلى مضاعفة التكاليف، سواء بسبب فقدان المخزون أو الحاجة إلى شراء بدائل.
ولا تتوقف الأضرار عند أصحاب القطعان، بل تمتد إلى أفراد أسرهم الذين يعتمدون على دخل تربية الأغنام، فضلاً عن الأنشطة المرتبطة بها، مثل تجارة الأعلاف والنقل والخدمات البيطرية وإنتاج الألبان ومشتقاتها.
المزارعون أيضاً أمام خسائر متزايدة
تؤثر القيود المفروضة على الحركة في قدرة المزارعين على متابعة أراضيهم، خصوصاً خلال مراحل الزراعة والحصاد، ما يهدد المحاصيل ومصدراً إضافياً للدخل في المناطق المتضررة.
ومع تقلص المساحات المتاحة للرعي وارتفاع تكاليف التغذية، يجد المربون أنفسهم أمام خيارات صعبة، تشمل المخاطرة بالوصول إلى المراعي، أو شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة، أو تقليص أعداد المواشي، وهو ما يهدد استمرارية عمل توارثته عائلات المنطقة عبر أجيال.
مطالب بالتعويض وتأمين مناطق آمنة
طالب رعاة تحدثوا إلى موقع تلفزيون سوريا الدولة بصرف تعويضات تغطي خسائرهم، بما يشمل المواشي النافقة أو المسروقة، وتكاليف الأعلاف التي اضطروا إلى شرائها بدلاً من الاعتماد على المراعي الطبيعية، إضافة إلى المخزون الذي فقدوه جراء إحراق المستودعات.
كما دعوا قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» إلى التدخل للتوصل إلى آلية تتيح لهم مواصلة الرعي بأمان، عبر تخصيص مناطق رعوية آمنة تشرف عليها القوة الأممية.
ويأمل الرعاة أن تضمن هذه الخطوة وصولهم إلى المراعي والعودة منها دون التعرض لإطلاق النار أو الاحتجاز، بما يحمي حياتهم وقطعانهم ويحافظ على مصدر رزق تعتمد عليه عائلاتهم منذ سنوات.