رغم تسجيل تحسن ملحوظ في إنتاج القمح خلال موسم 2026، لا تزال سوريا تواجه تحديات متفاقمة في تأمين الغذاء لملايين السكان، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض المساعدات الإنسانية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية وتراجع فرص العمل.
أقرا أيضاً:لماذا لا يعود اللاجئون السوريون؟ 10 عقبات تكشف حجم التحديات
وتتوقع شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة «FEWS NET» استمرار أوضاع الأزمة الغذائية في شمال شرقي سوريا وشمال غربيها حتى كانون الثاني 2027، مع تراجع مصادر الدخل الموسمية وارتفاع النفقات المرتبطة بالشتاء والاستعداد للموسم الزراعي.
وبحسب البيانات الأممية الواردة في التقرير، يحتاج نحو 13.3 مليون شخص في سوريا إلى مساعدات غذائية وزراعية، بينما يواجه نحو 7.1 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتكشف هذه الأرقام اتساع الفجوة بين تحسن الإنتاج الزراعي وقدرة السكان على الحصول على الغذاء، إذ لا يرتبط الأمن الغذائي بتوافر المحاصيل وحده، بل يتأثر أيضاً بالدخل والأسعار واستقرار الإمدادات وإمكانية الوصول إلى الأسواق.
إنتاج أعلى لا يعني تراجع الجوع
توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» وصول إنتاج القمح السوري إلى نحو 2.7 مليون طن خلال موسم 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2020، بعد تحسن الأمطار وتعافي المحاصيل مقارنة بموسم الجفاف السابق.
أقرا أيضاً:قبل استهداف دورية أمنية.. الداخلية السورية تفكك خلية لـ«داعش»
لكن المنظمة قدّرت احتياجات استيراد القمح بنحو مليوني طن خلال السنة التسويقية الممتدة من تموز 2026 إلى حزيران 2027، ما يشير إلى استمرار الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الطلب المحلي.
ويختلف الموسم الحالي عن عام 2025، عندما تراجع إنتاج القمح إلى ما يقدر بنحو 900 ألف إلى 1.1 مليون طن، نتيجة الجفاف الذي تزامن مع نقص مستلزمات الإنتاج وتضرر البنية التحتية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
رغم التحسن المسجل، لا تصل فوائد زيادة الإنتاج بالقدر نفسه إلى جميع الأسر. فبعض المزارعين يحتاجون إلى استخدام عائدات الحصاد لسداد الديون المتراكمة خلال مواسم الجفاف، بينما يفتقر نازحون وعائدون إلى الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والأصول التي تمكنهم من الاستفادة المباشرة من تحسن المحصول.
ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل يفاقمان الأزمة
يرى المهندس المتخصص في ميكانيكا التربة والمحاصيل الحقلية، مراد قرة مصطفى، أن أزمة الأمن الغذائي في سوريا ترتبط بتداخل ضعف الإنتاج الزراعي مع محدودية القدرة على استيراد الغذاء وشرائه محلياً.
ويوضح أن الجفاف الذي ضرب البلاد خلال عامي 2024 و2025 أضعف إنتاج القمح، فيما تحدّ مشكلات توفر القطع الأجنبي من القدرة على تغطية الاحتياجات عبر الاستيراد، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع فرص العمل، ولا سيما في القطاع الزراعي.
تظهر مؤشرات «الفاو» حجم الضغط الذي تواجهه الأسر؛ إذ أفادت نشرة آب 2026 بأن الحد الأدنى لأجور القطاع العام في حزيران كان يغطي نحو 47% من سلة الحد الأدنى للإنفاق، ونحو 75% من مكونها الغذائي، في وقت ارتفعت فيه كلفة السلة بأكثر من 30% على أساس سنوي.
كما سجلت أسعار دقيق القمح والأرز ارتفاعاً بنحو 34% و32% على التوالي، ما قلّص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، ودفع بعض العائلات إلى تقليل كميات الطعام أو الاستغناء عن وجبات أو اللجوء إلى خيارات أقل قيمة غذائية.
تقليص المساعدات يزيد الضغوط على الأسر
تتزامن الصعوبات الاقتصادية مع تراجع المساعدات الإنسانية. ففي 13 أيار 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة 50%، من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص، بسبب نقص التمويل، مؤكداً أن التخفيض لا يرتبط بانخفاض الاحتياجات.
كما أوقف البرنامج دعم الخبز الذي كان يوفر الدقيق المدعوم لأكثر من 300 مخبز، ويساعد على توفير الخبز المدعوم لما يصل إلى أربعة ملايين شخص يومياً. وتقلص نطاق تغطية عملياته من المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع محافظات.
ووفق موجز البرنامج لشهر آب، ارتفعت أسعار الخبز بأكثر من 18% عقب سحب الدعم، الأمر الذي أضاف أعباء جديدة على الأسر التي تعتمد عليه بوصفه من الأغذية الأساسية اليومية.
ولا تقتصر تداعيات تقليص المساعدات على انخفاض كمية الغذاء المتاحة، بل تمتد إلى نوعيته وتنوعه. فاللجوء إلى تقليل الحصص الغذائية أو تناول وجبات أقل قيمة غذائية يرفع مخاطر سوء التغذية، خصوصاً لدى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
الشتاء يهدد مصادر الدخل والقدرة على الإنفاق
تحذر توقعات «FEWS NET» من تراجع قدرة الأسر على تغطية نفقاتها ابتداءً من تشرين الأول، مع انحسار بعض فرص العمل الموسمية وتزايد تكاليف التدفئة والتعليم والاستعداد للموسم الزراعي.
وتتوقع الشبكة استمرار الأوضاع المصنفة ضمن المرحلة الثالثة، أي «الأزمة»، في مناطق من شمال شرقي سوريا وشمال غربيها، مع احتمال مواجهة بعض الأسر الأشد فقراً أوضاعاً تندرج ضمن المرحلة الرابعة، أي «الطوارئ». ولا تعني هذه التوقعات إعلان وقوع مجاعة، لكنها تشير إلى استمرار الضغوط الحادة على قدرة السكان على تأمين الغذاء.
مع ارتفاع النفقات الشتوية، تجد الأسر نفسها أمام مفاضلة صعبة بين شراء الغذاء وتغطية الاحتياجات الأساسية الأخرى، مثل الوقود والتدفئة والتعليم والرعاية الصحية. ويزداد الوضع تعقيداً لدى العائلات التي فقدت مصادر دخلها أو أصولها الزراعية، أو تعتمد على أعمال موسمية محدودة.
أضرار البنية التحتية تعرقل تعافي الزراعة
تواجه الزراعة السورية مشكلات تتجاوز نقص الأمطار، تشمل تضرر شبكات الري، ونقص البذار والأسمدة، وضعف الدعم الفني، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، إضافة إلى تلوث بعض الأراضي بالألغام ومخلفات الحرب.
وتشير دراسة لمنظمة «الفاو» صدرت عام 2017، بعنوان «احتساب التكلفة: الزراعة في سوريا بعد ست سنوات من الأزمة»، إلى أن الأضرار والخسائر الزراعية بين عامي 2011 و2016 بلغت نحو 16 مليار دولار، شملت خسائر الإنتاج والأصول والبنية التحتية المتضررة أو المدمرة.
كما أن تأخر حصول المزارعين على مستحقات شراء القمح يحد من قدرتهم على تمويل الموسم التالي، إذ يحتاج المنتج إلى السيولة لشراء البذار والأسمدة والوقود وصيانة المعدات وتجهيز الأراضي.
ويرى مراد قرة مصطفى أن استعادة الإنتاج تتطلب تحسين العائد الاقتصادي للمزارعين، عبر تحديد أسعار شراء مجزية للمحاصيل، وتوفير مستلزمات الإنتاج في التوقيت المناسب، لأن تأخر البذار أو الأسمدة عن موعد الزراعة قد يؤدي إلى ضياع الموسم أو انخفاض مردوده.
ويدعو كذلك إلى تعزيز إنتاج البذار محلياً، وتطوير أصناف تتحمل الجفاف وتتلاءم مع الظروف المناخية والتربة السورية، مع إخضاع البذار المستوردة للفحوص اللازمة والتأكد من ملاءمتها للبيئة الزراعية المحلية.
استثمارات مطلوبة لإعادة تنشيط القطاع الزراعي
تطرح خطة «الفاو» للطوارئ والتعافي في سوريا للفترة 2025-2027 تصوراً يجمع بين الاستجابة للاحتياجات العاجلة واستعادة الإنتاج الزراعي، وتطلب تمويلاً قدره 286.7 مليون دولار لتأهيل شبكات الري والبنية التحتية، وتوفير البذار والمدخلات والأدوات، ودعم المحاصيل والثروة الحيوانية، وتحسين الوصول إلى الأسواق وإدارة الموارد.
ولا تمثل هذه القيمة الكلفة الكاملة لإعادة بناء القطاع الزراعي السوري، بل التمويل المطلوب لتنفيذ تدخلات محددة ضمن إطار زمني معين.
وتبرز أهمية توجيه الاستثمارات إلى المشروعات التي تحقق زيادة مستدامة في الإنتاج والدخل، مع مراعاة كلفة المياه والموارد ومدى استفادة صغار المزارعين والأسر التي فقدت أصولها.
ومن بين التدخلات المقترحة تحسين كفاءة الري، وتقليل الاعتماد على الري بالغمر حيثما أمكن، والتوسع في أنظمة الرش والتنقيط وفق طبيعة الأرض واحتياجات المحاصيل، إلى جانب تطوير مشروعات حصاد مياه الأمطار والاستفادة من المياه المتاحة خلال فترات الوفرة لمواجهة مواسم الشح.
كما يشير قرة مصطفى إلى أهمية تنويع المحاصيل وإدخال البقوليات في الدورات الزراعية، لما يمكن أن تحققه من تحسين خصوبة التربة وتقليل الحاجة إلى الأسمدة النيتروجينية. ويقترح دراسة زراعة محاصيل مثل فول الصويا والفول السوداني والمحاصيل الورقية، وفق ملاءمتها للظروف المحلية والاحتياجات السوقية والجدوى الاقتصادية والمائية.
الأمن الغذائي يحتاج إلى الزراعة والحماية الاجتماعية
لا يمكن معالجة أزمة الغذاء في سوريا من خلال زيادة المحاصيل وحدها، كما لا يمكن الاعتماد على المساعدات الإنسانية باعتبارها حلاً دائماً. فاستعادة الإنتاج تحتاج إلى استثمارات ووقت، بينما لا تستطيع الأسر التي فقدت أراضيها أو وظائفها أو مصادر دخلها انتظار نتائج التعافي الزراعي.
تتطلب المرحلة المقبلة الجمع بين استمرار المساعدات الغذائية للفئات الأكثر هشاشة، وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، ودعم المزارعين، وتحسين فرص العمل والدخل، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
ويشدد مراد قرة مصطفى على ضرورة ربط المساعدات الإنسانية ببرامج التعافي الزراعي، بما يسمح بتلبية الاحتياجات الغذائية العاجلة بالتوازي مع استعادة مصادر رزق الأسر المنتجة. كما يدعو إلى بناء مخزون غذائي استراتيجي ضمن خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة تقلبات الإنتاج وتعطل الإمدادات.
وتكشف التجربة السورية أن تحسن محصول القمح يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الجوع. فالأمن الغذائي يتطلب غذاءً متاحاً في الأسواق، وأسعاراً تستطيع الأسر تحملها، ودخلاً مستقراً، وقطاعاً زراعياً قادراً على الإنتاج والاستمرار، إلى جانب منظومة حماية تضمن عدم ترك الفئات الأكثر ضعفاً لمواجهة الأزمة بمفردها.