مضيق هرمز يستنزف ثروات الخليج ويهدد أسواق النفط

2026.10.17 - 08:54
Facebook Share
طباعة

تفرض الزيادة الحادة في تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين ومكافآت مخاطر الحرب في مضيق هرمز أعباء متصاعدة على صادرات النفط الخليجية، وسط تراجع المزايا التنافسية للخام القادم من المنطقة وارتفاع كلفة وصوله إلى الأسواق العالمية. وتتزامن الضغوط مع تصاعد المخاطر الأمنية التي تهدد منشآت الطاقة ومسارات التصدير، ما يدفع الدول المنتجة إلى البحث عن بدائل لوجستية تقلل اعتمادها على المضيق.


أقرا أيضاً: مضيق هرمز في دائرة الخطر.. قذيفة تستهدف ناقلة نفط هندية

 


بحسب تقرير نشرته منصة «وور بريف لايف» (WarBrief Live) في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ارتفعت أجور ربابنة الناقلات العابرة للمضيق إلى 100 ألف دولار شهريًا، إلى جانب مكافأة مخاطر تبلغ 50 ألف دولار للرحلة، فيما وصلت أقساط التأمين إلى ما بين 7.5% و10% من قيمة السفينة.

تزامنت الزيادة مع قفزة في إيجارات الناقلات وأسعار الوقود. وذكرت منصة «بي أو إي ريبورت» (BOE Report)، في تقرير نشرته يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول، أن عوائد ملاك الناقلات العملاقة بلغت 1.3 مليون دولار يوميًا للرحلة المزدوجة من الخليج عبر مضيق هرمز إلى آسيا، مقارنة بنحو 55 ألف دولار في عام 2025، بينما وصلت كلفة نقل البرميل إلى آسيا إلى 34 دولارًا.


أقرا أيضاً: من الحدود إلى هرمز.. إيران توسّع أوراق الضغط على خصومها

 


في مواجهة المخاطر، تسعى دول الخليج إلى تعزيز مرونتها اللوجستية وتقليل الاعتماد على المضيق. وأفادت منصة «جي كابتن» (gCaptain)، في تقرير نشرته يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول، بأن السعودية تعتزم رفع قدرة خطوط أنابيب النفط التي تنقل الخام إلى خارج الخليج إلى 10 ملايين برميل يوميًا خلال 3 أعوام، وفق وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، عبر تطوير خط «شرق-غرب» باتجاه ينبع وتحويل أحد خطوط الغاز إلى نقل النفط الخام بالتعاون مع شركة أرامكو.

 

 

خصومات سعرية تستنزف عوائد النفط

 

 

تنعكس الاختناقات البحرية مباشرة على اقتصاديات تصدير النفط الخليجي، إذ ترتفع نفقات استئجار الناقلات وأجور البحارة وأقساط التأمين، فضلًا عن المكافآت الإضافية المدفوعة مقابل عبور الممرات عالية المخاطر.

وأوضح الخبراء أن كلفة استئجار ناقلة عملاقة بسعة مليوني برميل ارتفعت من نطاق يتراوح بين 25 ألفًا و50 ألف دولار يوميًا قبل عام إلى ما بين مليون ومليون و250 ألف دولار يوميًا حاليًا.

 

لا تقتصر الأعباء على تكاليف التشغيل، بل تمتد إلى قدرة المنتجين على المنافسة في الأسواق العالمية، خصوصًا الدول التي تفتقر إلى أساطيل ناقلات كافية أو شبكات أنابيب بديلة تتيح استمرار التصدير عند تعطل المسارات البحرية.

يكشف تفاوت تراجع الصادرات عن فجوة واضحة في البنية التحتية بين دول المنطقة. فقد أظهر تقرير نشرته مجلة «ذا ماريتايم إكزيكتيف» (The Maritime Executive) في 11 أكتوبر/تشرين الأول أن صادرات العراق هوت بنسبة 82% والكويت بنسبة 81% خلال ذروة إغلاق

المضيق، مقابل انخفاض بنسبة 38% في السعودية و40% في الإمارات، بفضل وجود مسارات بديلة، أبرزها خط ينبع السعودي وخط الفجيرة الإماراتي.

 

يواجه العراق تحديات أكبر، إذ لا يمتلك ناقلات نفط، مقارنة بالسعودية التي تملك 109 ناقلات، وفق طه. ويدفع ذلك بغداد إلى تقديم خصومات تصل إلى 37 دولارًا للبرميل عند البيع تسليمًا على ظهر السفينة، لجذب المشترين المستعدين لتحمل مخاطر النقل والتأمين.

 

تحرم الخصومات العراق من الاستفادة الكاملة من ارتفاع الأسعار العالمية، إذ تضطره كلفة الشحن والمخاطر إلى التنازل عن جزء من عائداته للحفاظ على تدفق الصادرات.

مع ذلك، لا يستبعد طه تراجع أسعار النفط إذا توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى تفاهمات بشأن زيادة الإنتاج، بما قد يضغط على الأسعار ويخفف كلفة الطاقة على المستهلكين. كما يرجح احتمال انحسار الأزمة بنهاية العام الحالي، سواء عبر تسوية سياسية أو تطورات ميدانية، بما يسمح بتحسن نسبي في حركة التجارة.

 

 

ارتفاع النفط يضغط على هوامش التكرير والتضخم

 

 

لا تتوقف التداعيات عند الدول المصدرة، بل تمتد إلى الاقتصادات المستوردة التي تواجه ارتفاع تكاليف النقل وتراجع هوامش التكرير وزيادة الضغوط التضخمية.

 

وكشفت الوكالة الدولية للطاقة، في تقرير نشرته يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول، أن ارتفاع أجور الناقلات القياسية زاد كلفة تسليم الخام وضغط على هوامش التكرير في أوروبا وآسيا. وتراجعت هوامش تكرير الديزل الأوروبية من 100 دولار للبرميل في سبتمبر/أيلول إلى 60 دولارًا مطلع أكتوبر/تشرين الأول، في حين ارتفع سعر خام بحر الشمال المؤرخ بنسبة 43% ليصل إلى 134 دولارًا.

 

وحذّر مراقبون من أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على مؤشر أسعار المستهلكين، ويزيد الضغوط التضخمية، خصوصًا في أوروبا، عبر رفع تكاليف إنتاج السلع ونقلها، بما يشمل المنتجات الزراعية والغذائية. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية وإبطاء النمو الاقتصادي وإضعاف القدرة التنافسية للشركات.

 

 

هرمز يعيد رسم خريطة استيراد النفط

 

 

تتزايد المخاطر مع استمرار التهديدات العسكرية في مضيق هرمز، إذ قد تصل أجور استئجار الناقلات العملاقة إلى 130 ألف دولار، بينما تبلغ كلفة التأمين 20 مليون دولار.

تعزز التقارير البحرية المخاوف بشأن سلامة حركة السفن. فقد أفادت صحيفة «الغارديان»، في تقرير نشرته يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول، بغرق سفينتي الحاويات «جي إف إس برايد» و«كيب داو» قرب مضيق هرمز، وإصابة 24 سفينة خلال أسبوعين حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول. كما أعلن الحرس الثوري الإيراني أن غرق إحدى السفينتين نجم عن لغم بحري في مسار وصفه بأنه «غير قانوني»، من دون إذن طهران.

 

في ظل الظروف الراهنة، يلجأ العراق إلى الخصومات السعرية بدلًا من تحميل المشترين كامل أعباء التأمين والشحن المرتفعة. وقدّر المشهداني الخسائر المحتملة بنحو 100 مليون دولار يوميًا عند مستوى تصدير يبلغ 3 ملايين برميل، ما يزيد الضغوط على الموازنة العراقية التي تواجه عجزًا مخططًا يتجاوز 30 مليار دولار.

 

تواجه الكويت والبحرين وقطر والإمارات أيضًا ضغوطًا للحفاظ على حصصها السوقية من خلال تقديم خصومات سعرية، وإن كانت أقل حدة من الخصومات العراقية. ويحذر المشهداني من أن استمرار ارتفاع كلفة الإمدادات الخليجية ومخاطرها قد يدفع المستوردين إلى تنويع مصادر الشراء والاتجاه إلى منتجين آخرين، بينهم الجزائر ونيجيريا وجنوب السودان وكندا.

 

ارتفاع إيجارات الناقلات وتبدّل مسارات التجارة

 


يتزامن ارتفاع تكاليف النقل مع استنزاف الأسطول العالمي وتغير أنماط تشغيله. وذكر تقرير نشرته منصة «هيلينيك شيبينغ نيوز» (Hellenic Shipping News) في 15 أكتوبر/تشرين الأول أن عقود التأجير السنوية للناقلات العملاقة ارتفعت من نحو 130 ألف دولار يوميًا قبل الحرب إلى أكثر من 210 آلاف دولار، بالتزامن مع اضطرار بعض السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح وتكثيف عمليات النقل المكوكي.

تشهد خريطة استيراد النفط بدورها تحولات ملحوظة، بعدما أتاحت الخصومات الروسية، التي تراوحت بين 20 و35 دولارًا للبرميل، فرصًا للهند والصين لزيادة مشترياتهما من النفط والغاز الروسيين على حساب بعض الإمدادات العراقية والسعودية.

 

التحولات تعكس سعي الشركات والمستوردين إلى تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب، عبر تنويع مصادر الشراء والاستفادة من مسارات النقل البحرية وشبكات الأنابيب البديلة. وقد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تغييرات طويلة الأمد في علاقات التوريد وحصص المنتجين داخل الأسواق الآسيوية.

 

مخاطر التصعيد تهدد إمدادات الطاقة العالمية

 

 

لا تزال فرص التهدئة غير واضحة في ظل استمرار الصراع وغياب مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة وإيران للتنازل عن شروطهما، بحسب المشهداني، الذي يتوقع استمرار المواجهات بصورة متقطعة واحتمال تصاعد الاستهدافات خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع اقتراب الشتاء وارتفاع الطلب على الوقود للتدفئة وتوليد الكهرباء وتشغيل الطائرات.

تشير تقارير الملاحة إلى اتساع نطاق التهديدات البحرية. فقد أفادت منصة «ريفييرا ماريتايم ميديا» (Riviera Maritime Media)، في تقرير نشرته يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول، باستهداف 21 سفينة تجارية منذ 28 سبتمبر/أيلول، بينها الناقلة «بترو دولفين» التي تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة قرب ميناء صحار العماني. كما أشارت إلى توسيع إيران «قائمة عدم الامتثال» لتشمل 100 سفينة مهددة بالمصادرة.

 

تواجه حركة الملاحة معضلة متزايدة، في ظل مخاطر الألغام في المسارات العمانية، وصعوبة الحصول على موافقات أميركية للعبور عبر المسار الإيراني، إلى جانب احتمال فرض رسوم أو إتاوات إيرانية ترفضها واشنطن. ويحذر المشهداني من أن تصاعد القيود على حركة السفن قد يؤدي إلى إغلاق المضيق مجددًا، بما يهدد بحدوث نقص حاد في إمدادات الطاقة العالمية.

 

في السيناريو الأكثر خطورة، قد ترتفع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل، وربما تصل إلى 150 دولارًا، وفق تقديرات المشهداني. ومن شأن ذلك أن يفاقم الاضطرابات الاقتصادية العالمية والضغوط التضخمية، ويزيد الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية، خصوصًا في أوروبا وبريطانيا، للتحرك من أجل إنهاء الحرب.

 

تُظهر المعطيات أن كلفة اضطراب مضيق هرمز لا تقتصر على ارتفاع أسعار النفط، بل تشمل تآكل عوائد المنتجين بفعل الخصومات وأعباء الشحن والتأمين، وتراجع القدرة التنافسية للصادرات الخليجية، فضلًا عن اضطراب مسارات التجارة العالمية. وستتحدد الخسائر النهائية بمدى استمرار التهديدات الأمنية وقدرة دول المنطقة على تنويع طرق التصدير وتقليل اعتمادها على المضيق.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8

اقرأ أيضاً