وثائق غائبة ومخاوف متزايدة
تواجه سوريات في تركيا صعوبات متزايدة بسبب غياب بطاقة الحماية المؤقتة المعروفة باسم «الكمليك»، أو تعقيدات مرتبطة بأوضاعهن القانونية، ما ينعكس على قدرتهن على الوصول إلى الخدمات الصحية والمطالبة بحقوقهن في سوق العمل، وسط مخاوف من مراجعة المؤسسات الرسمية وعدم وضوح الإجراءات المترتبة على ذلك.
وتكشف شهادات من مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا عن تداعيات هذه المشكلات على الحياة اليومية، إذ قد تدفع المخاوف المرتبطة بالوثائق بعض النساء إلى تأخير طلب العلاج، فيما تواجه أخريات صعوبات في المطالبة بالتعويضات عند التعرض لإصابات العمل.
وتبرز هذه الحالات جانباً من التحديات التي تواجه بعض السوريات، حيث لا تقتصر المعاناة على نقص الوثائق أو تعقيدات استكمالها، بل تمتد إلى الشعور بعدم الأمان عند التعامل مع المؤسسات الصحية والإدارية، وإلى مخاوف تتعلق بمصادر الدخل والحقوق المهنية.
اقرأ أيضاً: "سوريا بلا مخيمات".. تحذيرات من عودة النازحين إلى مناطق مدمّرة
الخوف يؤخر العلاج
في مدينة غازي عنتاب، واجهت لاجئة سورية موقفاً صعباً عندما ارتفعت حرارة طفلتها الرضيعة إلى 40 درجة، وبدأ لون شفتيها يتغير. ورغم حاجة الطفلة إلى تقييم طبي عاجل، ترددت الأم في التوجه إلى مستشفى حكومي قريب، خشية مطالبتها بإبراز وثائقها وما قد يترتب على وضعها القانوني من إجراءات.
وتوضح اللاجئة أنها كانت تدرك ضرورة طلب المساعدة الطبية، لكنها خشيت الدخول في إجراءات لا تعرف مسارها أو نتائجها، في ظل قلقها على طفلتها.
وتشير إلى أن هذه المخاوف دفعتها أحياناً إلى محاولة التعامل مع الأعراض البسيطة في المنزل، أو الاستعانة بالصيدليات، إلى جانب طلب المشورة من أحد أقاربها العاملين في المجال الطبي. غير أن هذه الخيارات لا تغني عن الرعاية الطبية المباشرة عندما تستدعي الحالة تدخلاً عاجلاً.
وتعكس هذه الحالة كيف يمكن للمخاوف المرتبطة بالوثائق والإجراءات الإدارية أن تؤثر في القرارات الصحية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية سريعة.
ما حقوق المرضى؟
يعيش ملايين السوريين في تركيا ضمن نظام الحماية المؤقتة، في حين لا تتوافر إحصائية رسمية دقيقة ومعلنة عن عدد السوريين الموجودين في البلاد من دون بطاقة حماية مؤقتة.
وتختلف الحالات القانونية والإدارية من شخص إلى آخر؛ فهناك من لم يستكمل إجراءات التسجيل، ومن فقد بطاقته أو يحتاج إلى تحديث بياناته، ومن يواجه توقفاً في التغطية الصحية، فضلاً عن أشخاص لا يملكون وضعاً قانونياً سارياً. وينعكس هذا الاختلاف على الإجراءات المطلوبة وطبيعة الخدمات التي يمكن الحصول عليها.
وفي هذا السياق، توضح حقوقية ومحامية سورية أن غياب بطاقة الحماية المؤقتة لا يعني بالضرورة سقوط حق الطفل في الحصول على العلاج الإسعافي.
وتشير إلى ضرورة التوجه إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية أو الاتصال برقم الطوارئ 112 عند الحاجة العاجلة، مع متابعة الإجراءات الإدارية اللازمة وفقاً لكل حالة.
كما توضح أن قواعد التغطية الصحية للسوريين في تركيا شهدت تعديلات اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2026، وتتيح، بحسب شرحها، طلب تقييم الحالة من إدارة الهجرة في الولاية المعنية عند تعذر تحمل تكاليف العلاج أو توقف التغطية الصحية.
وترى المحامية أن الصعوبات الإدارية قد تترك آثاراً مباشرة على الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية، خصوصاً الأطفال، مشددة على أهمية مراعاة مصلحتهم وحقهم في الصحة عند التعامل مع أوضاعهم القانونية.
وتنص المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل على حق الأطفال في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه والحصول على خدمات الرعاية الصحية. كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اللاجئين والمهاجرين قد يواجهون عوائق قانونية واقتصادية وإدارية تحد من وصولهم إلى الخدمات الصحية.
إصابة عمل بلا تعويض
لا تتوقف آثار تعقيدات الوثائق عند أبواب المستشفيات، بل تمتد إلى سوق العمل، حيث قد تواجه بعض العاملات في القطاع غير الرسمي صعوبات في الإبلاغ عن الانتهاكات أو المطالبة بحقوقهن، خاصة عندما يخشين فقدان مصدر رزقهن أو التعرض لمشكلات مرتبطة بوضعهن القانوني.
وتروي لاجئة سورية كانت تعمل في ورشة خياطة بمدينة غازي عنتاب لإعالة والدتها المريضة، قبل أن تتعرض لإصابة خطيرة في يدها أثناء العمل.
وبحسب روايتها، علقت يدها بإحدى الآلات داخل الورشة، ما تسبب بتهتك في أصابعها، لكنها تقول إن صاحب العمل امتنع عن نقلها إلى المستشفى أو الإبلاغ عن الحادث، خشية مواجهة مشكلات مرتبطة بوضعها القانوني.
وتضيف اللاجئة أن صاحب العمل أرسلها إلى صيدلية لوضع الضمادات، قبل أن تفقد وظيفتها، مشيرةً إلى أنها لم تتمكن من المطالبة بتعويض عن إصابتها.
وتسلط هذه الشهادة الضوء على المخاطر التي قد تواجهها العاملات السوريات في الأعمال غير الرسمية، حيث تتداخل ظروف العمل غير المستقرة مع الخوف من خسارة الدخل أو تعقيد الوضع القانوني.
وتشير تقارير حقوقية وتقارير متخصصة في شؤون العمل إلى أن العمال السوريين في تركيا، ولا سيما العاملين خارج الأطر الرسمية، يواجهون تحديات تتعلق بالأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية. وقد تجعل هذه الظروف الإبلاغ عن إصابات العمل أو المطالبة بالتعويضات أكثر صعوبة.
بين تنظيم الإقامة وضمان الحقوق
يهدف نظام التسجيل وبطاقات الحماية المؤقتة في تركيا إلى تنظيم إقامة الأجانب وإدارة الخدمات المقدمة لهم، لكن تعثر إجراءات التسجيل أو تحديث الوثائق يثير تساؤلات بشأن قدرة المتضررين على معرفة حقوقهم والوصول إلى الجهات المختصة.
وتكشف الحالتان عن صورتين مختلفتين للمشكلة: الأولى تتعلق بتردد لاجئة في طلب العلاج خوفاً من الإجراءات، والثانية بصعوبة مطالبة لاجئة بحقوقها بعد إصابة مهنية. وفي الحالتين، يظهر أثر المخاوف القانونية والإدارية على قرارات تمس الصحة والاستقرار المعيشي.
وتبرز الحاجة إلى توضيح الإجراءات المتاحة للأشخاص الذين فقدوا وثائقهم أو يواجهون مشكلات في استكمالها، وتعريفهم بالجهات التي يمكنهم مراجعتها للحصول على الخدمات الأساسية أو تقديم الشكاوى، مع مراعاة الاختلاف بين الأوضاع القانونية لكل حالة.