صندوق النقد: الحرب تهدد النمو وتفاقم الضغوط الاقتصادية بالمنطقة

2026.10.16 - 09:16
Facebook Share
طباعة

تواجه اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ضغوطاً متزايدة بفعل الحرب الدائرة في المنطقة، مع اضطراب إمدادات الطاقة وتعطل طرق الشحن وتضرر البنية التحتية الحيوية. وحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار المواجهات قد يفاقم الخسائر الاقتصادية، خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على صادرات النفط والغاز أو ارتباطاً بالممرات البحرية المتأثرة.

 

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، إن الحرب أحدثت صدمة اقتصادية متفاوتة بين دول المنطقة، بينما تواجه البلدان المتضررة مباشرة ضغوطاً أشد.

 

وأوضح أزعور أن فرص التعافي ترتبط بسرعة استعادة إنتاج الطاقة والتجارة لمستوياتهما الطبيعية، إلى جانب قدرة الحكومات على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وشدد على أن مدة الحرب وحجم الأضرار التي تلحق بمنشآت الطاقة وشبكات النقل سيحددان جانباً كبيراً من الخسائر المتوقعة.

 

اضطرابات الطاقة تضغط على الأسواق

 

 

أسهمت الفوائض المتاحة قبل الحرب، ومسارات التصدير البديلة، وتعديل مستويات الطلب، والسحب من المخزونات في الحد من التداعيات الأولية للاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة، على خلفية الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن صندوق النقد الدولي.

 

لكن أزعور حذر من محدودية هذه العوامل مع تراجع المخزونات وانخفاض الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، مشيراً إلى أن الاحتياطيات المتاحة وفرت وقتاً للتعامل مع الصدمة، لكنها لن تكفي لاحتواء آثار اضطرابات جديدة.

 

وتزداد المخاطر مع اعتماد نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز في المنطقة على ممرات بحرية محدودة، بالتزامن مع تضرر منشآت للطاقة وتعطل حركة السفن والتجارة. وقد يؤدي استمرار الأزمة إلى تقلب أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، بما ينعكس على التضخم والإنفاق في الدول المصدرة والمستوردة.

 

انكماش اقتصادي متوقع خلال 2026

 

 

توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3% خلال عام 2026، بعد نمو بلغ 3.3% في 2025. ورجح انتعاشاً بنسبة 6.6% في 2027، مع تفاوت التعافي بين الدول وفق حجم الأضرار وسرعة استعادة إنتاج الطاقة وحركة التجارة.

 

وتظل هذه التقديرات مرتبطة بعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى طبيعته، وقد تتغير إذا استمرت الحرب أو تجدد استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية. كما أن استئناف الإنتاج والتصدير لن يمحو سريعاً الخسائر السابقة، في ظل تكاليف إصلاح المنشآت وتراجع الإيرادات والإنفاق الإضافي اللازم لإعادة التأهيل.

 

وتشير التوقعات إلى انكماش حاد في الدول المصدرة للطاقة والمتضررة مباشرة خلال 2026، يعقبه تعافٍ محتمل في العام التالي إذا تحسنت ظروف الإنتاج والتصدير. ومع ذلك، قد تبقى اقتصادات هذه الدول دون مستويات النمو التي كانت متوقعة قبل الحرب.

تفاوت الخسائر بين دول المنطقة

 


تظهر تقديرات الصندوق اختلافاً واضحاً في حجم الانكماش المتوقع، وفق درجة التعرض المباشر للحرب ومدى الاعتماد على صادرات الطاقة ومسارات الشحن المتأثرة.

ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الكويتي بنسبة 16.7% خلال 2026، يليه القطري بنسبة 15.6%، ثم البحريني بنسبة 11.3%، والإيراني بنسبة 7.6%، فيما يُرجح تراجع الاقتصاد الإماراتي بنسبة 3.9%.

 

تعكس الأرقام حجم الضغوط على الاقتصادات المرتبطة بإنتاج النفط والغاز وتصديرهما، خصوصاً عند تعرض المنشآت أو طرق النقل لاضطرابات مباشرة. كما تؤكد أن امتلاك موارد الطاقة لا يحمي الاقتصادات بالضرورة من الصدمات، إذا تعذر إيصال الإنتاج إلى الأسواق أو ارتفعت تكاليف التشغيل والشحن.

 

السعودية تعتمد مسارات بديلة لتصدير النفط

 

 

توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3% خلال 2026، بعدما كانت تقديراته السابقة تشير إلى نمو بنسبة 1.7%. وفي المقابل، رفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 7.9%، بافتراض تحسن الإنتاج والتصدير واستعادة حركة التجارة تدريجياً.

 

ونقلت بلومبيرغ عن أزعور قوله إن السعودية أظهرت قدرة على التعامل مع الصدمات بفضل احتياطياتها واستثماراتها في البنية التحتية، التي ساعدتها على تحويل مسار صادرات النفط عبر خط أنابيب شرق-غرب وصولاً إلى ساحل البحر الأحمر.

 


وأشار إلى أن استمرار تدفق النفط إلى الأسواق قد يتيح للمملكة الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية لتعزيز إيراداتها النفطية، مع بقاء النتائج مرتبطة بمستويات الطلب العالمي وتطورات الأسعار.

 

مصر تواجه ضغوط التضخم والحساب الجاري

 


لم يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد المصري، لكن تقديراته تشير إلى استمرار الضغوط التضخمية واتساع عجز الحساب الجاري. ورجح ارتفاع التضخم إلى 14.8% في 2027، مقارنة بـ13.3% في 2026، وزيادة عجز الحساب الجاري من 4.4% إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها.

 


وقالت تالين كورنشيليان، نائبة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن مصر أحرزت تقدماً في استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي رغم الظروف الخارجية الصعبة، لكنها تحتاج إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد.

 


وأضافت أن الصندوق سيناقش هذه الملفات مع السلطات المصرية خلال المراجعة النهائية لبرنامج القرض البالغ 8 مليارات دولار في الأسابيع المقبلة، إلى جانب تعزيز الحوكمة والشفافية.

وتؤكد مصر أنها لا تعتزم طلب تمويل جديد من الصندوق بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر المقبل. وتواجه البلاد تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الاستيراد وضغوط الأسعار واحتياجات التمويل الخارجي، وهي عوامل قد تتأثر باضطرابات أسواق الطاقة والشحن.

 


لبنان يبحث إصلاح القطاع المصرفي

 

 

تركز المناقشات بين صندوق النقد الدولي والسلطات اللبنانية على إصلاح القطاع المصرفي واستعادة ثقة المواطنين في النظام المالي، إلى جانب وضع الدين العام على مسار مستدام.

 


وقال أثناسيوس أرفانيتيس، نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن مسؤولين من المؤسسة أجروا مناقشات مع السلطات اللبنانية خلال الأسبوع، على أن تستمر المحادثات في الأسابيع المقبلة، مع التخطيط لزيارة فريق من الصندوق إلى لبنان في نوفمبر.

 


تواجه البلاد تحديات مالية ومصرفية مستمرة، في ظل الحاجة إلى معالجة الاختلالات التي تعيق استعادة الثقة بالقطاع المالي. وقد تزيد الاضطرابات الإقليمية صعوبة تنفيذ الإصلاحات إذا انعكست على التجارة والنشاط الاقتصادي وتدفقات التمويل.


العراق أمام انكماش حاد


رجح صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16% خلال 2026، مع ارتفاع التضخم إلى 3.5%، مقارنة بـ0.3% في 2025.

كما توقع اتساع عجز الحساب الجاري إلى 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.8% خلال العام السابق، في مؤشر على تفاقم الاختلالات الخارجية تحت ضغط تراجع الإيرادات واضطراب التجارة.

 


وتبرز التقديرات حساسية الاقتصاد العراقي لتطورات إنتاج النفط وتصديره، وما قد يترتب على تعطل الممرات البحرية أو تراجع الصادرات من ضغوط على الإيرادات العامة والميزان الخارجي. ويظل مسار الاقتصاد مرتبطاً بمدة الاضطرابات وقدرة البلاد على استمرار تدفق صادراتها والحد من آثار الحرب.

 

التعافي مرهون باستقرار الملاحة

 

تستند توقعات صندوق النقد الدولي إلى افتراض بدء عودة مضيق هرمز إلى العمل في مارس 2027، واستعادة حركة الشحن تدريجياً مستويات ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه. ويجعل ذلك التعافي المتوقع مرتبطاً بتحسن الأوضاع الأمنية والتجارية والالتزام بالمسار الزمني المفترض.

 


وقد يؤدي تأخر استئناف الملاحة أو تجدد استهداف منشآت الطاقة إلى مراجعة التوقعات، مع احتمال استمرار الانكماش في الاقتصادات الأكثر تضرراً وارتفاع تكاليف التعافي. كما قد يبقي اضطراب الإمدادات أسعار الطاقة والنقل تحت ضغط، بما يؤثر في الاقتصادات المستوردة للطاقة والنشاط الصناعي والتجاري.

 

 

ودعا أزعور صانعي السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، وإعادة بناء الاحتياطيات المالية، وتعزيز قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات المقبلة. كما شدد على أهمية تسريع التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي، وتعميق الأسواق المالية، وتطوير مشروعات مشتركة للبنية التحتية والربط الإقليمي.

 


وتكشف التقديرات تفاوت تداعيات الحرب بين دول المنطقة، مع امتداد آثارها إلى الإنتاج والتجارة والتضخم والتمويل والاستثمار. ورغم توقع انتعاش اقتصادي في 2027، فإن تحققه يظل مرهوناً بوقف التصعيد واستعادة حركة الشحن وتشغيل منشآت الطاقة، إلى جانب قدرة الحكومات على احتواء الاختلالات الاقتصادية الناجمة عن الحرب.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3

اقرأ أيضاً