لماذا عادت الانتخابات الفلسطينية إلى المجهول حتى 2027؟

2026.10.14 - 10:19
Facebook Share
طباعة

أعاد تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027 الجدل حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وسط تساؤلات بشأن فرص تجديد الشرعيات وتغيير موازين القوى داخل السلطة وحركة فتح. وبين المبررات المعلنة المرتبطة بالأوضاع في القدس وغزة والضفة الغربية، وقراءات سياسية تربط القرار بالحسابات الانتخابية والانقسامات الداخلية، تتجه الأنظار إلى الحوارات الوطنية المرتقبة في القاهرة، ومدى قدرتها على تجاوز الخلافات ووضع أسس واضحة لإجراء الانتخابات في موعدها الجديد.

 

 

تأجيل متوقع وسط شكوك سياسية

 

 

لم يكن قرار التأجيل مفاجئاً لكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني، إذ سادت توقعات بإرجاء الاستحقاق قبل حلول موعده المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. واستندت هذه التوقعات إلى تجارب سابقة، فضلاً عن استمرار العقبات السياسية والأمنية التي تعرقل تنظيم الانتخابات في الأراضي الفلسطينية.

 

 

على مستوى النخب السياسية والفصائلية والمدنية والأكاديمية، سادت تقديرات ترجح أن يكون التأجيل أقرب إلى الحدوث من إجراء الانتخابات. ويرى منتقدون أن القيادة المتنفذة في السلطة لن تمضي في الاستحقاق ما لم تطمئن إلى نتائجه، معتبرين أن الانتخابات قد تتحول من فرصة لتجديد الشرعية وتوسيع المشاركة السياسية إلى أداة لإعادة ترتيب النظام الفلسطيني بما يتلاءم مع تصورات إقليمية ودولية لمستقبله.

 

 

في المقابل، كان يفترض أن تتيح الانتخابات فرصة لتجديد المؤسسات التمثيلية، وتوسيع المشاركة، والحد من احتكار القرار، وإفساح المجال أمام قوى وشخصيات جديدة. كما كان من الممكن أن تشكل مدخلاً لصياغة برنامج وطني مشترك للتعامل مع تداعيات الحرب على غزة، والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.

 

 

مع اقتراب موعد الاستحقاق، تصاعدت التكهنات بشأن تأجيله، بالتزامن مع تداول مقترحات متعددة داخل الأوساط القيادية في حركة فتح. وتراوحت الخيارات المطروحة بين إرجاء قصير يرتبط بالظروف الراهنة، وتأجيل مفتوح من دون تحديد موعد بديل، وصولاً إلى محاولة إسناد مسؤولية عدم إجراء الانتخابات إلى لجنة الانتخابات المركزية.

 

 

لكن هذا المسار لم يحظَ بقبول اللجنة ورئيسها رامي الحمد الله، وفق المعلومات الواردة، ما دفع النقاش نحو البحث عن مخرج سياسي آخر يتيح تأجيل الانتخابات عبر تفاهمات بين الفصائل الفلسطينية.


الحوار الوطني بوابة لتسوية الخلافات

 


اتجهت المشاورات، وفق المعطيات المتداولة، نحو نقل النقاش إلى ساحة الحوارات الوطنية، مستفيدة من مبادرة أطلقتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل أسابيع، دعت فيها إلى إرجاء الانتخابات لإتاحة المجال أمام حوار شامل يتناول إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وفي مقدمته منظمة التحرير، وصياغة برنامج وطني لمواجهة التحديات الراهنة.

 

تحولت المبادرة إلى أساس للتحرك نحو التوافق على التأجيل، إذ قاد وفد من حركة فتح جولة من الاتصالات والحوار انتهت إلى تفاهم عام بشأن إرجاء الاستحقاق، أعقبه صدور المرسوم الرئاسي الجديد.

 

 

وأُبلغت الجهات الأوروبية والكندية الممولة للعملية الانتخابية بقرار التأجيل قبل صدور المرسوم، وقبل انعقاد اجتماعات الهيئات القيادية في حركة فتح ومنظمة التحرير، وفق المعلومات الواردة. ويثير ذلك تساؤلات بشأن توقيت اتخاذ القرار، والجهات التي شاركت في بلورته، ومدى اتساع دائرة التوافق الفلسطيني حوله.

 

 

كما يطرح الأمر تساؤلاً حول العلاقة بين المرسوم الأول، الذي صدر من دون توافق وطني واسع، والمرسوم الثاني الذي استند إلى الحاجة للحوار والتفاهم بين الفصائل. فإجراء الانتخابات لم يسبقه اتفاق سياسي شامل، بينما احتاج قرار تأجيلها إلى مشاورات وترتيبات بين القوى الفلسطينية.

 

هل ارتبط التأجيل بمخاوف الخسارة؟

 

 

يرتبط التأجيل، وفق قراءة سياسية، بمخاوف من خسارة حركة فتح والقيادة المتنفذة في السلطة للانتخابات، وما قد يترتب على ذلك من انتقال الشرعية التمثيلية إلى قوى معارضة أو شخصيات منافسة من داخل الحركة وخارجها.

ويستند هذا التقدير إلى عاملين رئيسيين. أولهما الانقسامات داخل حركة فتح، وعدم نجاح قيادتها في توحيد صفوفها وإغلاق الخلافات الداخلية. فقد أوجدت التباينات بين قيادات تاريخية وشخصيات محسوبة على تيارات مختلفة احتمال خوض الانتخابات عبر قوائم متنافسة، بما قد يؤدي إلى

توزيع الأصوات وتقليص حصة القائمة الرسمية للحركة.

 

 

تشمل الشخصيات المطروحة في سياق الخلافات الداخلية لحركة فتح مروان البرغوثي ومحمد دحلان وناصر القدوة وقدورة فارس. كما ترتبط هذه الخلافات بالتداعيات التي أعقبت المؤتمر الثامن للحركة، وبالاعتراضات التي أثارها مسار انتقال القيادة، وما صاحبه من تراجع أدوار بعض الشخصيات التاريخية وصعود أخرى.

 

أما العامل الثاني، فيتصل بتوقعات مشاركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وقوى أخرى في الانتخابات. فقد استندت بعض الحسابات السياسية إلى احتمال إحجام هذه القوى عن المشاركة، لكن استعدادها المعلن لخوض المنافسة وتشكيل قوائم انتخابية غيّر الحسابات المطروحة.

 

وتشير المعطيات إلى احتمالات نشوء تحالفات انتخابية غير تقليدية، بما في ذلك تقاطعات بين قوى وشخصيات كانت علاقاتها السياسية متباعدة. ومن شأن مثل هذه التحالفات، إذا تشكلت فعلياً، أن تؤثر في توزيع الأصوات وموازين القوى داخل المجلس التشريعي.

مع ذلك، تبقى فرضية أن الخشية من الخسارة كانت الدافع الحاسم للتأجيل قراءة سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن اعتبارها حقيقة مثبتة بمجرد صدور المرسوم. ويستدعي التحقق منها الاطلاع على مواقف الأطراف المعنية، والبيانات المتاحة، وأي استطلاعات موثوقة تتصل بالاستحقاق الانتخابي.

 

مبررات التأجيل تحت الاختبار

 


تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في أن المبررات الواردة في المرسوم الجديد لم تكن مستجدة عند صدور المرسوم الأول. فالقيود الإسرائيلية على الحركة في الضفة الغربية، والتوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين، والأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة، إضافة إلى الخلاف بشأن إجراء الانتخابات في القدس، كلها تحديات قائمة منذ سنوات.

ويستحضر السياق تجربة عام 2021، حين أُرجئت الانتخابات الفلسطينية في ظل الخلاف حول مشاركة القدس في العملية الانتخابية. ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل بشأن سبب طرح الانتخابات مجدداً قبل معالجة العقبات المعروفة، ثم الاستناد إليها لاحقاً لتبرير التأجيل.

لا ينفي ذلك وجود صعوبات حقيقية أمام إجراء الانتخابات في الظروف الراهنة، لكنه يضع مسألة التوقيت في صلب النقاش: هل اتُّخذ قرار الإرجاء استجابة لتعقيدات ميدانية تحول دون تنظيم اقتراع شامل، أم أن تلك التعقيدات وفرت غطاءً لتسوية خلافات سياسية داخلية؟

 

وتثار كذلك تساؤلات بشأن أهداف الأطراف الخارجية التي دعمت إجراء الانتخابات، إذ تشير بعض القراءات إلى أن جهات دولية تعاملت معها باعتبارها جزءاً من مسار إصلاحي لإعادة ترتيب مؤسسات السلطة وتجديد شرعيتها. لكن احتمال أن تفرز الانتخابات قيادة أو قوى لا تتوافق مع تصورات تلك الأطراف يفتح باب النقاش حول حدود الدعم الدولي للعملية الديمقراطية الفلسطينية.

 

الفصائل بين مخاطر المشاركة وشروط الحوار

 


على الرغم من اعتراضات بعض القوى على طريقة إدارة الاستحقاق، فإن استمرار الحرب في غزة، وملاحقة القيادات والكوادر الفلسطينية، ومخاطر الاعتقال والاغتيال، تضع الفصائل أمام حسابات معقدة تتصل بقدرتها على المشاركة في الانتخابات وتنظيم حملاتها وحماية مرشحيها.

في هذا السياق، يمكن تفسير ترحيب عدد من الفصائل بنتائج حوارات القاهرة والمرسوم الجديد، جزئياً، بالظروف الأمنية والسياسية التي تواجهها، وبالحاجة إلى ترتيب البيت الفلسطيني قبل الدخول في منافسة انتخابية واسعة.

غير أن قبول التأجيل يطرح سؤالاً أساسياً حول الضمانات التي تحول دون تحوله إلى تمديد جديد للواقع السياسي القائم. فالحوار الوطني لا يكتسب قيمته من انعقاده وحده، بل من شمول المشاركين، ووضوح جدول أعماله، وتحديد مهل زمنية لإنجاز مخرجاته، ووجود آليات تضمن التزام جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.

 

وتتأكد ضرورة مشاركة جميع القوى الفلسطينية من دون إقصاء، إلى جانب شخصيات وطنية تمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج. كما يمثل تفعيل الإطار القيادي الموحد لمنظمة التحرير أحد المداخل الممكنة لتوسيع المشاركة في صنع القرار وإعادة بناء المؤسسات التمثيلية.

ويظل خطر تحول الأشهر العشرة المقبلة إلى فترة انتظار مفتوحة قائماً، في حال غياب نتائج ملزمة للحوار الوطني، واستمرار الخلافات من دون معالجة، مع احتفاظ القيادة القائمة بأدوات إدارة النظام السياسي.


ماذا بعد تأجيل الانتخابات؟

 

تضع المهلة الجديدة القوى الفلسطينية أمام تحديين متوازيين: الأول يتعلق بإنجاز حوار وطني جاد يحدد مستقبل النظام السياسي ومؤسساته، والثاني يرتبط بالاستعداد المبكر للاستحقاق الانتخابي، بدلاً من انتظار الأسابيع الأخيرة قبل الموعد المحدد.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى بناء ائتلاف وطني وشعبي واسع يضم القوى السياسية والمبادرات المدنية والشخصيات المستقلة، والعمل على بلورة برنامج مشترك يحدد الأولويات الوطنية وأدوات العمل السياسي والميداني في المرحلة المقبلة.

 

كما تبرز فكرة تشكيل تيار وطني ديمقراطي مقاوم، يستوعب نشطاء ومبادرات فلسطينية في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني وشتاته، بهدف تجديد الحركة الوطنية وتطوير برامجها وآليات عملها، وإعادة صياغة المشروع الوطني بما يستجيب للتحولات التي تشهدها القضية الفلسطينية.

 

وتتجاوز هذه الرؤية مسألة استبدال قيادات بأخرى، لتشمل مراجعة بنية النظام السياسي، وتوسيع المشاركة، وتحديد قواعد واضحة للمساءلة والتمثيل، وربط الشرعية بإرادة الشعب عبر انتخابات دورية ومؤسسات فاعلة.

في المحصلة، لا يتوقف مستقبل الانتخابات الفلسطينية عند الموعد الجديد المعلن، بل يرتبط بمدى قدرة الحوارات الوطنية على معالجة الخلافات البنيوية، ووضع ضمانات تمنع تكرار التأجيل، وتهيئة ظروف تسمح بمشاركة سياسية حقيقية. وبين مخاوف تعطّل الاستحقاق مجدداً، وتحديات الحرب والقيود الإسرائيلية والانقسامات الداخلية، تبقى الأشهر المقبلة اختباراً لقدرة القوى الفلسطينية على تحويل التأجيل إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني، بدلاً من أن يصبح محطة أخرى في أزمة النظام السياسي الفلسطيني.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2

اقرأ أيضاً