دخلت حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة من الاضطراب، مع تسجيل حوادث استهداف متلاحقة لناقلات وسفن تجارية، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة تعطيل سفينة شحن اتهمتها بالتحايل على الحصار البحري المفروض على إيران. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف ناقلتي نفط وغاز، متهماً إياهما بمحاولة عبور مسارات غير مصرح بها.
وخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بوقوع حوادث شملت إصابة ناقلة نفط وسفينة أخرى بمقذوفات مجهولة المصدر، بينما تضاربت المعلومات بشأن بعض السفن التي أعلن الحرس الثوري استهدافها، إذ نفت الشركة المالكة لإحدى ناقلات الغاز تعرضها لأي هجوم.
ولا يقتصر التصعيد على الحوادث الأمنية، بل يمتد إلى حركة العبور نفسها، مع استمرار بعض السفن في استخدام المسار العُماني، وإغلاق سفن أخرى أجهزة البث والتعريف أثناء المرور، وسط ارتفاع المخاطر المحيطة بأحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
اقرأ أيضا: قذيفة مجهولة تضرب ناقلة في هرمز وتشعل حريقاً في غرفة المحركات
سفينة الشحن التي عطلتها الولايات المتحدة
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، الأحد 11 تشرين الأول، أن قواتها عطّلت يوم السبت سفينة لنقل البضائع السائبة، بعدما اتهمت طاقمها بتجاهل تحذيرات متكررة ومحاولة الالتفاف على الحصار البحري المفروض على إيران.
وبحسب بيانات ملاحية جرى تحليلها، كانت السفينة عند استهدافها صباح السبت على بُعد نحو 27 ميلاً بحرياً، أي ما يقارب 50 كيلومتراً، من ميناء الفجيرة الإماراتي. وأظهر تحليل مسارها أنها كانت تتجه لعبور مضيق هرمز، قبل أن تزيد سرعتها وتغيّر اتجاهها عائدة إلى الخلف.
ولم تتضمن بيانات السفينة أثناء إبحارها معلومات واضحة عن ميناء المغادرة أو الوجهة المقصودة، في حين أظهرت سجلاتها أن شركة مقرها الصين تتولى إدارتها.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إنها دمّرت خلال فترة الحصار عشر ناقلات مرتبطة بما وصفته بالشبكة الخفية التابعة للحرس الثوري الإيراني. ولم تتضمن المعلومات المتاحة تفاصيل إضافية عن هوية السفن العشر أو طبيعة حمولاتها.
وتأتي هذه الواقعة في سياق المواجهة البحرية المرتبطة بالحصار المفروض على إيران، وما يرافقه من اتهامات متبادلة بشأن السفن ومسارات عبورها، الأمر الذي يزيد الغموض المحيط بحركة التجارة في المضيق.
ناقلات تتعرض للاستهداف ومعلومات متضاربة
في حادثة أخرى، أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن تعرض ناقلة نفط كانت تتجه إلى الخروج من مضيق هرمز لمقذوف مجهول المصدر أصاب جانبها الأيسر، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها.
ولم تحدد الهيئة هوية الجهة المسؤولة عن الحادث أو طبيعة المقذوف، كما لم تتضمن المعلومات الأولية تفاصيل كافية بشأن حجم الأضرار أو ظروف استهداف السفينة.
وسبق ذلك إعلان الحرس الثوري الإيراني وقوع انفجار في ناقلة نفط عملاقة، قال إنها اصطدمت بلغم أثناء محاولتها عبور المضيق عبر مسار وصفه بأنه غير قانوني. ونقل التلفزيون الإيراني عن بحرية الحرس الثوري أن الناقلة كانت تعتزم الخروج عبر مسار غير مسموح به، وأنها أوقفت أنظمة الملاحة وتحديد الموقع الخاصة بها.
ولم يحدد بيان هيئة الملاحة البريطانية ولا بيان الحرس الثوري هوية الناقلة المعنية بشكل واضح. لكن القنصلية الهندية في دبي أعلنت، الأحد، إنقاذ أفراد الطاقم الهندي البالغ عددهم 22 شخصاً على متن ناقلة النفط «جيم رقم 2»، بعد حادث تعرضت له قبالة سواحل رأس الخيمة الإماراتية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن ملابساته.
وأكدت القنصلية أنها على تواصل مستمر مع السلطات الإماراتية، وأنها تعمل على تقديم المساعدة والدعم اللازمين للبحارة الهنود.
وفي حادثة منفصلة، أعلن الحرس الثوري استهداف ناقلة الغاز الطبيعي المسال «إن في صن شاين»، متهماً إياها بمحاولة عبور الجزء الجنوبي من مضيق هرمز عبر مسار غير مصرح به، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن الواقعة.
غير أن الشركة الفيتنامية المالكة لناقلة الغاز أصدرت بياناً في اليوم نفسه نفت فيه تعرض السفينة للاستهداف أو الهجوم، ما يترك روايتَي الطرفين متعارضتين بشأن الحادث.
وفي تصعيد إضافي، أعلن الحرس الثوري أن التعامل مع السفن التي يصفها بالمخالفة لن يقتصر مستقبلاً على مضيق هرمز، بل سيمتد إلى مناطق أخرى في المنطقة، في تهديد يوسّع نطاق المخاطر المحتملة على حركة الملاحة الإقليمية.
المسار العُماني يستوعب حركة العبور
انعكست التطورات الأمنية على حركة السفن داخل المضيق، إذ أظهرت عمليات الرصد استمرار العبور عبر المسار العُماني، رغم تكرار حوادث الاستهداف التي طالت سفناً في المنطقة نفسها. كما سُجل إغلاق أجهزة البث والتعريف على بعض السفن أثناء عبورها، ما حدّ من القدرة على تتبع مساراتها بصورة متواصلة.
وبحسب بيانات حركة الملاحة المرصودة، عبرت عشر سفن المضيق في الاتجاهين، من مساء السبت حتى ظهر الأحد. وشملت الحركة ناقلة غاز، وثماني سفن حاويات، وسفينة لنقل البضائع السائبة.
وضمت السفن العابرة عبر المسار العُماني ثلاث سفن شحن ترفع العلم الهندي، هي «إم إس في النوري مروة»، و«إم إس في الصفا»، و«إم إس في الحسن». وأغلقت السفن الثلاث أجهزة البث الخاصة بها خلال العبور.
وأظهرت البيانات أن سفينة «إم إس في الحسن» حددت ميناء الشارقة الإماراتي وجهة مقررة لها داخل مياه الخليج، بينما لم تكشف السفينتان الأخريان عن وجهتي وصولهما.
ووفق تحليل بيانات العبور حتى الساعة الواحدة وخمس وثلاثين دقيقة ظهراً بتوقيت الدوحة، سُجل مرور سفينتين مرتبطتين بإيران، سواء بسبب انطلاقهما من موانئ إيرانية أو توجههما إليها، أو رفعهما العلم الإيراني، أو إدارتهما من شركات مقرها إيران. ومثّل ذلك ثلث إجمالي السفن التي عبرت خلال الفترة التي شملها الرصد.
وتكشف هذه المعطيات أن حركة الملاحة لم تتوقف بالكامل، لكنها تجري في ظروف تتسم بارتفاع المخاطر، وتغيّر المسارات، وتراجع وضوح البيانات المتاحة عن بعض السفن.
أسبوع قياسي من الهجمات على ناقلات الطاقة
لم تقتصر الحوادث على اليومين الأخيرين، إذ شهد الأسبوع الماضي تصاعداً في الهجمات ومحاولات الاستهداف داخل مضيق هرمز ومحيطه، وفق بيانات نقلتها وكالة رويترز عن مصادر متخصصة في الأمن البحري.
وفي الخامس من تشرين الأول الجاري، سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية هجومين على ناقلتي نفط داخل المضيق، إلى جانب تهديد ناقلة ثالثة من جانب الحرس الثوري الإيراني. وفي اليوم التالي، أعلنت سلطنة عُمان والهند استهداف الناقلة «أون بيس»، قبل أن تسجل الهيئة، مساء السابع من تشرين الأول، هجوماً جديداً على ناقلة على بُعد نحو 51 ميلاً بحرياً شمال مدينة الشمال القطرية.
ووفق تقرير نشرته رويترز في السابع من تشرين الأول، أحصت ثلاثة مصادر متخصصة في الأمن البحري ما لا يقل عن 12 هجوماً استهدف ناقلات نفط وغاز طبيعي مسال وغاز بترولي مسال في محيط مضيق هرمز خلال أسبوع واحد، وهي أعلى حصيلة أسبوعية منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط الماضي، بحسب المصادر.
في المقابل، أظهرت بيانات المنظمة البحرية الدولية تسجيل تسع حوادث شملت سفناً خلال الفترة نفسها. وأرجعت مصادر بحرية الاختلاف بين الحصيلتين إلى أن المنظمة تحتاج إلى وقت أطول للتحقق من الوقائع قبل إدراجها رسمياً في سجلاتها.
وكانت أقرب حصيلة سابقة لهذه الوتيرة قد سُجلت خلال الأسبوع الذي بدأ في 13 تموز، عندما أحصت المنظمة البحرية الدولية ثماني حوادث.
من جهته، أشار مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي تقوده البحرية الأمريكية، في مذكرة نقلتها رويترز، إلى استمرار الهجمات ومحاولات الاستهداف والمضايقات البحرية في المضيق. وشملت الأنشطة التي أشار إليها تحليق طائرات مسيّرة فوق السفن، ومراقبتها، والتواصل معها عبر أجهزة اللاسلكي من جانب الحرس الثوري الإيراني.
واعتبر المركز أن هذه الأنشطة تعكس مساعي إيران إلى الحفاظ على حضورها في مسارات الملاحة الرئيسية ومواصلة الضغط على السفن العابرة.
لماذا تتزايد مخاطر الملاحة في هرمز؟
تتقاطع في مضيق هرمز ثلاثة مسارات للتصعيد: الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران، والتهديدات الإيرانية للسفن التي تعتبرها مخالفة لقواعد العبور التي تعلنها، واستمرار الحوادث التي لا تزال هوية المسؤولين عن بعضها غير محسومة.
وتزيد الروايات المتضاربة من صعوبة التحقق من ظروف كل حادثة، خصوصاً عندما لا تُعلن هوية السفينة بوضوح أو تُغلق أجهزة التتبع أثناء العبور، كما ظهر في حوادث ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية خلال الأيام الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار مرور السفن لا يعني أن المخاطر قد تراجعت؛ إذ يمكن أن تتواصل حركة التجارة بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التأمين والاحتياطات الأمنية واحتمالات تأخر الرحلات، فيما يبقى قطاع الطاقة والتجارة البحرية عرضة لأي توسع إضافي في المواجهة.
وبذلك، لا يواجه مضيق هرمز احتمال تعطل الملاحة فحسب، بل يواجه أيضاً حالة من عدم اليقين بشأن قواعد العبور، وهوية الجهات المسؤولة عن الاستهدافات، ومدى اتساع نطاق العمليات البحرية خلال المرحلة المقبلة.