تشهد مدينة الحسكة تطورات ميدانية وتفاعلاً متزايداً على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل مخاوف من أن تسهم المنشورات المتداولة والدعوات إلى الحشد في توسيع دائرة التوتر بين العرب والكرد، وسط تأكيدات على أهمية الحفاظ على السلم الأهلي والتعامل مع الخلافات السياسية والأمنية بعيداً عن الاعتبارات القومية.
وترافقت المظاهرات والاحتكاكات الأخيرة مع تداول منشورات ومقاطع مصورة تتناول رموزاً قومية ومواقف سياسية وأمنية، ما أعاد النقاش حول تأثير الخطاب الإعلامي والرقمي في اتجاهات الرأي العام، وإمكانية انتقال السجالات الافتراضية إلى الشارع، ولا سيما في المناطق التي تتداخل فيها قضايا الإدارة والأمن والخدمات مع التوازنات الاجتماعية.
وتتباين المضامين المتداولة بين مطالب سياسية وخدمية، وانتقادات للمواقف المختلفة، ومنشورات تتضمن تعميمات أو عبارات قد تُفهم بوصفها استهدافاً لمكونات اجتماعية على أساس قومي. ويجعل هذا التباين من الضروري التمييز بين التعبير عن المواقف والمطالب، وبين الدعوات التي قد تشجع على الاستفزاز أو الاعتداء أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية خلافات لا تمثل جميع أفرادها.
احتكاكات خلال مظاهرات الحسكة
وشهدت المدينة مواجهات بين عناصر الأمن الداخلي ومتظاهرين على الطريق الواصل بين دوار الصناعة ودوار الإطفائية، استخدمت خلالها قنابل الغاز المسيل للدموع، عقب محاولة المحتجين التوجه نحو الأحياء الشمالية، وسط انتشار أمني مشدد واستمرار التوتر في المنطقة.
وبالتوازي مع الأحداث، تداول مستخدمون مقاطع مصورة تضمنت مشاهد لاستهداف رموز كردية وتخريب لافتات وممتلكات. وفي المقابل، رفع مشاركون في المظاهرات مطالب تتصل بتعزيز حضور مؤسسات الدولة والأمن وتسريع تفعيل الخدمات.
وتبرز في هذا السياق أهمية التعامل مع كل واقعة وفق ظروفها وملابساتها، والتحقق من المقاطع المتداولة ومصادرها قبل استخلاص النتائج، بما يتيح الفصل بين المطالب المعلنة وأي تجاوزات قد تقع خلال الاحتجاجات، وتحديد المسؤولية عن الأفعال على أساس فردي، بعيداً عن التعميم على العرب أو الكرد.
الخلافات السياسية لا تعني صراعاً مجتمعياً
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه النقاشات بشأن ترتيبات دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، وهي قضية تتداخل فيها اعتبارات سياسية وأمنية وإدارية، إلى جانب تساؤلات تتعلق بمستقبل إدارة المنطقة وضمان حقوق سكانها بمختلف مكوناتهم.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن معالجة هذه الملفات لا تتوقف عند التفاهمات السياسية والأمنية، بل ترتبط أيضاً بمدى القدرة على احتواء المخاوف المتبادلة، وتوضيح الإجراءات المتخذة، ومعالجة المطالب الخدمية، وإيجاد قنوات للحوار تحول دون انتقال الخلافات إلى توتر اجتماعي أوسع.
وفي هذا الإطار، فإن المطالبة بتعزيز حضور مؤسسات الدولة وتطوير الخدمات لا تستلزم اتخاذ موقف من الهوية القومية لأي مكون، كما أن التعبير عن الحقوق والمطالب الكردية لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مع العرب أو مع أي جماعة أخرى. وينطبق الأمر نفسه على الخلافات السياسية والأمنية، التي لا تبرر الاعتداء على المتظاهرين أو عناصر الأمن أو الممتلكات والرموز القومية.
أقرا أيضاً: صور فضائية ترصد انحسار المياه وتوسعها في سدود درعا
مسؤولية مشتركة في مواجهة التحريض
ويثير تداول منشورات تتضمن اتهامات غير موثقة أو مقاطع مجتزأة من سياقها مخاوف من تصاعد التوتر، خصوصاً عندما تُستخدم وقائع فردية لتكوين أحكام عامة على جماعة قومية بأكملها. فالمسؤولية عن أي تحريض أو اعتداء تقع على الأشخاص الذين يثبت تورطهم فيه، ولا يصح نقلها إلى مجتمع كامل بسبب الهوية أو الانتماء.
وتتطلب معالجة هذه المخاوف التحقق من المعلومات قبل نشرها، والامتناع عن تداول المحتوى الذي يستهدف مكونات المنطقة أو يحرض على الكراهية، إلى جانب التحقيق في الوقائع والاعتداءات التي يثبت حدوثها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، من دون تمييز أو انتقائية.
كما تبرز أهمية ضمان حق التظاهر السلمي والتعامل مع الاحتجاجات وفق القواعد القانونية، بالتوازي مع حماية الأشخاص والممتلكات، بما يحفظ حقوق المشاركين في التعبير عن مطالبهم ويحد من فرص وقوع احتكاكات جديدة.
الحفاظ على السلم الأهلي أولوية
وتضع التطورات في الحسكة مختلف الأطراف أمام مسؤولية احتواء التوتر ومنع تحوله إلى انقسام قومي يصعب تجاوزه. ويتطلب ذلك خطاباً إعلامياً مسؤولاً، وتعاملاً دقيقاً مع المعلومات المتداولة، وفتح المجال أمام الحوار بشأن المطالب السياسية والخدمية والأمنية، بعيداً عن التخوين والتعميم والتحريض.
كما أن مسؤولية حماية التعايش لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تعاون المؤسسات المعنية والفعاليات الاجتماعية والإعلاميين والشخصيات العامة ومستخدمي مواقع التواصل، بما يضمن عدم توظيف الخلافات لتأجيج العداء بين السكان.
وفي ظل التنوع القومي والاجتماعي الذي تتميز به الحسكة، يبقى التحدي الأساسي هو إدارة الاختلافات من دون تحويلها إلى مواجهة بين العرب والكرد، وضمان التعامل مع الحقوق والمطالب والوقائع الأمنية على أساس القانون والمسؤولية الفردية، بما يحفظ أمن السكان وكرامتهم ويصون السلم الأهلي في المحافظة.