نافي بيلاي.. قاضية تلاحق جرائم إسرائيل وتواجه غضب ترامب

2026.10.10 - 12:53
Facebook Share
طباعة

من أحياء ديربان الفقيرة في جنوب أفريقيا، حيث عاشت التمييز العنصري وحرمان النساء من التعليم، إلى أروقة المحاكم الدولية التي تنظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، صنعت المحامية والقاضية نافي بيلاي مسيرة امتدت لعقود، جعلت من القانون الدولي وسيلة لمواجهة السلطة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.

 

 

لم تكن بيلاي مجرد شاهدة على التحولات السياسية والقانونية التي شهدها العالم، بل شاركت في محطات مفصلية في تطور العدالة الدولية، بدءاً من الدفاع عن معارضي الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مروراً بالمحاكمات المرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا، وصولاً إلى عملها في الأمم المتحدة ورئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة.

 

 


في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح بيلاي جائزة نوبل للسلام، تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ودورها في دعم ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وجاء القرار ليعيد تسليط الضوء على مسيرتها المهنية، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بشأن دور المؤسسات القانونية الدولية وقدرتها على مساءلة الدول والقادة الذين يمتلكون نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً.

 

 


أثار الاختيار ردود فعل متباينة؛ إذ رحبت به شخصيات ومؤسسات حقوقية، في مقابل انتقادات إسرائيلية مرتبطة بمواقف بيلاي من الحرب على غزة، فيما عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استيائه من عدم حصوله على الجائزة. وهكذا، لم يقتصر التكريم على الاحتفاء بمسيرة قانونية طويلة، بل أعاد قضية استقلال العدالة الدولية في مواجهة الحسابات السياسية إلى صدارة النقاش.

 

 

من عائلة فقيرة إلى رائدة في المحاماة

 

 

وُلدت نافانيثيم «نافي» بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لعائلة من أصول هندية تاميلية عاشت في ظل نظام الفصل العنصري، الذي فرض تمييزاً قانونياً واجتماعياً على السكان غير البيض، وقيّد فرصهم في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

 

 

كان والدها يعمل سائق حافلة، فيما عانت أسرتها من محدودية الإمكانات والتمييز الذي طال قطاعات واسعة من المجتمع. ولم تكن ظروفها العائلية منفصلة عن واقع اجتماعي أوسع، حُرمت فيه نساء كثيرات من فرص التعليم والاستقلال الاقتصادي، بينما فرض النظام العنصري قيوداً على حركة السكان وإقامتهم وحقوقهم الأساسية.

 

 

ساهم سكان الحي الذي نشأت فيه بيلاي في تمويل تعليمها، في صورة من صور التضامن المجتمعي التي أتاحت لها مواصلة دراستها. واختارت القانون مساراً مهنياً، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز الشخصيات القانونية التي انتقلت من مواجهة الفصل العنصري داخل بلدها إلى مواقع التأثير في المؤسسات القضائية الدولية.

 

 

في عام 1967، افتتحت مكتبها الخاص للمحاماة في إقليم ناتال، لتصبح أول امرأة غير بيضاء تؤسس مكتباً للمحاماة في الإقليم. ولم يكن دخولها المهنة خطوة مهنية فحسب، بل تحدياً لواقع قانوني واجتماعي وضع النساء غير البيض أمام حواجز متعددة.

 

بدأت بيلاي الدفاع عن معارضي الفصل العنصري والمعتقلين السياسيين، وعملت على كشف الانتهاكات التي تعرض لها السجناء، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة. كما ساهمت في الدفاع عن حقوق المعتقلين، بينهم سجناء سياسيون في جزيرة روبن، التي ارتبط اسمها باحتجاز نيلسون مانديلا وعدد من أبرز المعارضين لنظام الفصل العنصري.

 

واكتسبت تجربتها أهمية إضافية بسبب معرفتها الشخصية بتأثير القوانين القمعية في حياة الأفراد؛ إذ سُجن زوجها غابي بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وقد أظهرت هذه التجربة كيف يمكن للتشريعات أن تتحول إلى أدوات لتقييد الحريات وملاحقة المعارضين، وهو ما عزز اهتمامها باستخدام القانون للدفاع عن الحقوق ومواجهة الانتهاكات.

 

لم تنظر بيلاي إلى القانون باعتباره نصوصاً جامدة أو مجالاً مهنياً منفصلاً عن الواقع، بل تعاملت معه بوصفه ساحة للصراع على الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق، ارتبطت مسيرتها بمحاولة تغيير القواعد التي تسمح بالتمييز والإفلات من العقاب، والعمل على ضمان أن تشمل الحماية القانونية الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات.


من القضاء في جنوب أفريقيا إلى محاكمات رواندا

 

 

بعد انتهاء نظام الفصل العنصري وبدء التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا، عُيّنت بيلاي عام 1995 قاضية في المحكمة العليا، لتصبح أول امرأة غير بيضاء تتولى هذا المنصب في البلاد. ومثّل تعيينها تحولاً في مسيرتها، من الدفاع عن الحقوق أمام مؤسسات الدولة إلى المشاركة في العمل القضائي داخلها.

 

لكن مسارها لم يتوقف عند القضاء الوطني. فقد انتقلت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي أُنشئت لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الإبادة الجماعية عام 1994، عندما قُتل مئات الآلاف من الروانديين، غالبيتهم من التوتسي، إلى جانب هوتو معتدلين وغيرهم.

واجهت المحكمة تحديات قانونية كبيرة، من بينها تحديد المسؤولية الجنائية عن الجرائم الجماعية، وإثبات الصلة بين الأفعال المرتكبة والقصد إلى تدمير جماعة محمية، فضلاً عن التعامل مع الجرائم الجنسية التي استُخدمت خلال النزاع على نطاق واسع.

 

برز دور بيلاي في قضية جان بول أكايسو، عمدة بلدة تابا، التي أصبحت من المحطات المهمة في تطور القانون الجنائي الدولي. ففي عام 1998، خلصت المحكمة إلى أن الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن يشكّلا أفعالاً من أفعال الإبادة الجماعية، عندما يرتكبان بقصد تدمير جماعة محمية كلياً أو جزئياً.

 

لم تقتصر أهمية الحكم على إدانة مسؤول عن جرائم ارتُكبت خلال الإبادة الجماعية، بل امتدت إلى الاعتراف بأن العنف الجنسي قد يكون جزءاً من استراتيجية تستهدف تدمير جماعة، وليس مجرد جريمة منفصلة عن سياق الإبادة. كما أتاح الحكم تطوير فهم قانوني أوسع للجرائم التي تستهدف النساء والفتيات خلال النزاعات المسلحة.

 

أصبح أكايسو أول شخص يُدان بالإبادة الجماعية أمام محكمة دولية. وأسهمت القضية في ترسيخ مبدأ أن المسؤولية عن الجرائم الجماعية لا تقتصر على من ينفذون عمليات القتل بصورة مباشرة، بل يمكن أن تشمل مسؤولين مدنيين أو سياسيين تثبت مسؤوليتهم الجنائية وفق الأدلة والقواعد القانونية المعمول بها.

 

تولت بيلاي رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بين عامي 1999 و2003، في مرحلة شهدت مواصلة التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بواحدة من أكثر الجرائم الجماعية دموية في التاريخ الحديث. وعكست تجربتها هناك انتقال اهتمامها من حماية الأفراد في مواجهة نظام تمييزي إلى العمل على محاسبة المسؤولين عن انتهاكات واسعة النطاق.


المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة

 

 

بعد عملها في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، انضمت بيلاي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث عملت قاضية بين عامي 2003 و2008. وتختص المحكمة بالنظر في جرائم دولية محددة، من بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفق نظامها الأساسي وشروط اختصاصها.

 

مثّل الانتقال إلى هذه المؤسسة مرحلة جديدة في مسيرتها، إذ أصبحت جزءاً من منظومة قضائية دولية تسعى إلى محاسبة الأفراد عن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي. وتعمل هذه المنظومة في بيئة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع التعاون السياسي والدبلوماسي، خصوصاً عندما تتعلق القضايا بمسؤولين أو أطراف يتمتعون بنفوذ كبير.

 

في عام 2008، تولت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واستمرت فيه حتى عام 2014. وخلال هذه الفترة، دافعت عن عالمية حقوق الإنسان، مؤكدة أن حماية الحقوق لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدول أو تتأثر بهوية الحكومات ومواقفها السياسية.

وتعاملت المفوضية خلال ولايتها مع ملفات متعددة، شملت النزاعات المسلحة والتمييز والقيود المفروضة على الحريات والانتهاكات التي تطال الفئات المهمشة. كما ارتبطت مواقفها بالدفاع عن استقلال المؤسسات الحقوقية، وضرورة أن تخضع الحكومات للمساءلة عن انتهاكاتها، بما فيها الحكومات الغربية والديمقراطيات التي تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان.

 

لم تكن هذه المهمة خالية من التحديات؛ فالمفوضية تعتمد في عملها على التعاون مع الدول، بينما تتطلب وظيفتها في الوقت نفسه توثيق الانتهاكات وانتقاد السياسات التي تتعارض مع القانون الدولي. ويضع هذا التوازن المسؤولين الأمميين أمام ضغوط سياسية متكررة، لا سيما عندما تتعلق التحقيقات بحلفاء دول نافذة أو بملفات ذات حساسية استراتيجية.

 

بعد انتهاء ولايتها، واصلت بيلاي حضورها في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان، بما في ذلك المشاركة في أعمال قانونية دولية. وأصبحت خبرتها في القضاء والتحقيقات الحقوقية جزءاً من مسارها الممتد بين القانون الوطني والمؤسسات الدولية.

 

غزة.. الملف الذي وضعها في مواجهة إسرائيل

 

 

اكتسب اسم بيلاي حضوراً واسعاً في النقاش الدولي بشأن الحرب على غزة، عندما تولت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل.

في 16 سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت اللجنة نتائج تقرير خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. واستند التقرير إلى تحليل أفعال قالت اللجنة إنها تندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وإلى أدلة وتصريحات رأت أنها تدعم الاستنتاج بوجود قصد إلى تدمير الفلسطينيين في القطاع، كلياً أو جزئياً، بوصفهم جماعة محمية.

 

وحددت اللجنة أربعة من الأفعال الخمسة التي تتناولها اتفاقية الإبادة الجماعية، وهي القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بأفراد الجماعة، وفرض ظروف معيشية يُقصد بها إهلاك الجماعة كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخلها. كما تناول التقرير مسؤولية السلطات الإسرائيلية عن عدم منع الإبادة أو معاقبة مرتكبي الأفعال ذات الصلة، وفق ما خلص إليه التحليل القانوني للجنة.

 

ويستند عمل لجنة التحقيق إلى جمع المعلومات والأدلة وتحليل الوقائع والتصريحات في ضوء القانون الدولي. ومع ذلك، فإن استنتاجاتها لا تمثل حكماً قضائياً نهائياً صادراً عن محكمة مختصة، بل نتائج تحقيق أممي تستند إلى منهجية اللجنة وما توفر لديها من أدلة.

رفضت إسرائيل تقرير اللجنة واتهامات الإبادة الجماعية، ووصفت التحقيق بأنه منحاز، مؤكدة رفضها للاستنتاجات الواردة فيه. في المقابل، قالت اللجنة إن النتائج التي توصلت إليها تستند إلى تحليل قانوني وأدلة مرتبطة بالأفعال التي وقعت في غزة والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين.

 

لم يكن الخلاف حول التقرير مجرد سجال بشأن توصيف قانوني، بل امتد إلى دور لجان التحقيق الدولية وحدود صلاحياتها، ومدى تأثير نتائجها في المساءلة الدولية. فمصطلح الإبادة الجماعية يحمل تبعات قانونية وسياسية كبيرة، ويتطلب إثبات أفعال محددة إلى جانب القصد الخاص إلى تدمير جماعة محمية، كلياً أو جزئياً.

 

وبالنسبة إلى بيلاي، جاء الملف الفلسطيني امتداداً لمسيرتها في التعامل مع الجرائم الدولية، وإن كان قد وضعها في قلب مواجهة سياسية شديدة الحساسية. فالتقرير تناول سلوك دولة في نزاع مستمر، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع علاقات التحالف والنفوذ الدولي.

 

نوبل للسلام تثير غضب إسرائيل وترامب

 

 

عندما أعلنت لجنة نوبل النرويجية فوز بيلاي بالجائزة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، لم يقتصر الاهتمام على محطات مسيرتها القانونية، بل امتد إلى انعكاسات القرار على الجدل الدائر بشأن الحرب على غزة ومستقبل المؤسسات الدولية.

أعربت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن رفضها منح الجائزة لبيلاي، واعتبرت القرار دليلاً على ما وصفته بالتحيز ضد إسرائيل، في موقف ارتبط مباشرة بدورها في لجنة التحقيق الأممية والاستنتاجات التي خلصت إليها بشأن غزة.

 

في المقابل، رحبت شخصيات حقوقية ودولية بالتكريم، ورأت فيه تقديراً لمسيرة طويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز المساءلة عن الجرائم الدولية. كما اعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن الجائزة تمثل انتصاراً جماعياً للعاملين في مجال حقوق الإنسان والعدالة، مشدداً على أهمية المؤسسات القانونية الدولية في مواجهة الانتهاكات.

 

أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد عبّر عن استيائه من عدم فوزه بالجائزة، وانتقد قرار لجنة نوبل. ويأتي ذلك في سياق انتقاداته المتكررة للمؤسسات الدولية، ولا سيما المحكمة الجنائية الدولية، التي فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين فيها خلال إدارته.

وتتقاطع هذه المواقف مع خلاف أوسع بشأن دور القضاء الدولي في التعامل مع النزاعات التي تشمل دولاً حليفة للولايات المتحدة أو أطرافاً تتمتع بنفوذ كبير. فبينما يرى المدافعون عن استقلال المؤسسات القضائية أن تطبيق القانون يجب ألا يتأثر بالقوة السياسية، تعتبر حكومات منتقدة

لبعض هذه المؤسسات أن إجراءاتها قد تتجاوز حدود اختصاصها أو تفتقر إلى الحياد.

 

ولا يعني منح نوبل لبيلاي أن لجنة الجائزة أصدرت حكماً قضائياً بشأن الحرب على غزة، لكنه يسلط الضوء على مسيرتها في الدفاع عن القانون الدولي، بما في ذلك عملها في ملف أثار خلافاً حاداً بين إسرائيل ومؤسسات أممية.

 

نورمبرغ.. رمزية العدالة في لحظة التكريم

 

كانت بيلاي في مدينة نورمبرغ الألمانية لحضور مؤتمر قانوني عندما أُعلن فوزها بالجائزة. وتحمل المدينة رمزية خاصة في تاريخ العدالة الدولية، إذ ارتبط اسمها بالمحاكمات التي جرت عقب الحرب العالمية الثانية لقادة النظام النازي، وأسهمت في ترسيخ مبادئ المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية.

 

تلقت بيلاي خبر فوزها وسط أجواء احتفالية، وأعلنت أنها ستخصص الجائزة للناجين من الجرائم الدولية والمدافعين عن العدالة. وجاء موقفها منسجماً مع مسيرتها التي ركزت على حقوق الضحايا، وعلى ضرورة ألا تتحول الجرائم واسعة النطاق إلى وقائع بلا مساءلة.

وتتجاوز رمزية وجودها في نورمبرغ المصادفة الجغرافية؛ فالتاريخ القانوني للمدينة يرتبط بفكرة أن المناصب السياسية والعسكرية لا تمنح أصحابها حصانة مطلقة من المسؤولية عن الجرائم. وقد تطور هذا المبدأ عبر عقود من العمل القانوني والمؤسسي، رغم استمرار الخلافات بشأن

تطبيقه وحدود الاختصاص القضائي الدولي.

 

وفي هذا السياق، تعكس مسيرة بيلاي إيماناً بأن المؤسسات الدولية، على الرغم من قصورها وصعوبات عملها، تظل ضرورية لتوثيق الجرائم وتحديد المسؤوليات القانونية، ولتوفير مسارات للمساءلة لا تعتمد حصراً على قرارات الحكومات أو توازنات القوى.

 

القانون الدولي بين المبادئ وموازين القوة

 

لم تخفِ بيلاي انتقادها لضعف النظام الدولي في مواجهة بعض الأزمات، ولا سيما عندما يعطل استخدام حق النقض في مجلس الأمن التحرك الجماعي. وتبرز هذه المشكلة في النزاعات التي تتباين فيها مواقف الدول الكبرى، إذ يمكن للخلافات السياسية أن تحد من قدرة المؤسسات الدولية على اتخاذ إجراءات مشتركة.


أقرا أيضاً: عام على هدنة غزة.. لماذا لا يزال الاتفاق متعثراً؟

 


أقرا أيضاً: مئات المتظاهرين في نيويورك يطالبون بحل وكالة الهجرة

 

 

لكنها دافعت عن إصلاح النظام الدولي وتعزيز أدواته القانونية، بدلاً من التخلي عنه. ويقوم هذا الموقف على أن وجود المؤسسات الدولية، رغم محدودية قدرتها على التنفيذ في بعض الحالات، يوفر إطاراً لتوثيق الانتهاكات وتطوير المعايير القانونية ومطالبة الدول بالوفاء بالتزاماتها.

 

وتظل فعالية القانون الدولي مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها اختصاص المحاكم، وتوافر الأدلة، وتعاون الدول، وإمكانية تنفيذ القرارات والأحكام. كما أن التحقيق في الجرائم الدولية لا يعني تلقائياً صدور حكم قضائي أو تنفيذ عقوبة، إذ تمر المساءلة بمراحل قانونية تتطلب إجراءات وأدلة ومعايير إثبات محددة.

وتكشف التجارب التي شاركت فيها بيلاي عن التوتر المستمر بين هذه المبادئ والواقع السياسي. ففي جنوب أفريقيا، واجهت نظاماً استخدم القانون لترسيخ التمييز، وفي رواندا شاركت في منظومة سعت إلى محاسبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية، وفي الأمم المتحدة عملت على الدفاع عن حقوق الإنسان في مواجهة حكومات ذات مواقف متباينة.

 

أما ملف غزة، فقد وضعها أمام اختبار آخر يتعلق بمدى استعداد المؤسسات الدولية لمواجهة اتهامات بالغة الخطورة عندما تكون الدولة المعنية مدعومة من قوى كبرى. وقد أدى تقرير اللجنة إلى مواجهة سياسية، لكنه أعاد أيضاً النقاش بشأن التزامات الدول بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، ومسؤوليتها في منع الجرائم ومعاقبة مرتكبيها.

 

مسيرة تتجاوز جائزة نوبل

 

 

من مكتب محاماة في ديربان إلى المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، ومن محاكمات رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وصولاً إلى لجنة التحقيق بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، امتدت مسيرة نافي بيلاي عبر محطات أسهمت في تشكيل حضورها بوصفها واحدة من الشخصيات القانونية البارزة في مجال العدالة الدولية.

 

وتجمع هذه المحطات فكرة أساسية تتمثل في ضرورة إخضاع السلطة للقانون، وعدم التعامل مع الانتهاكات الجسيمة باعتبارها شأناً سياسياً يعفي المسؤولين من المساءلة. غير أن تحويل هذا المبدأ إلى واقع عملي يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات على التحقيق المستقل، وضمان المحاكمات العادلة، وتنفيذ الأحكام، ومقاومة الضغوط التي قد تعرقل عملها.

 

يأتي فوز بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وفق إعلان لجنة نوبل، لكنه يعيد أيضاً طرح مسألة التوتر بين مبادئ العدالة وموازين القوة السياسية. وقد أظهرت ردود الفعل الإسرائيلية والأميركية على التكريم حجم الخلاف بشأن دور المؤسسات الدولية في التحقيق بالانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.

 

وبين تجربتها في مواجهة الفصل العنصري، وإسهاماتها في تطوير القانون الجنائي الدولي، ومواقفها من الحرب على غزة، تبرز مسيرة بيلاي نموذجاً للصراع المستمر حول استقلال العدالة الدولية وقدرتها على حماية الضحايا. ويظل التحدي الأبرز أمام النظام الدولي متمثلاً في ضمان تطبيق القواعد القانونية على الجميع، من دون تمييز بين الدول تبعاً لنفوذها السياسي أو قوتها العسكرية.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7

اقرأ أيضاً