هل تنجح الضمانات الأميركية في تثبيت الانسحاب الإسرائيلي من لبنان؟

2026.10.10 - 10:53
Facebook Share
طباعة

تتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة في مدينة تامبا الأميركية، وسط احتمالات بعقدها خلال الشهر الجاري أو تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وهو السيناريو الأرجح وفق المعطيات الواردة. وتطرح الجولة تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق تقدم فعلي نحو الانسحاب الإسرائيلي، بدلاً من الاكتفاء باستمرار المحادثات من دون نتائج ملموسة على الأرض.


أقرا أيضاً: القوات اللبنانية تنفي تعرض جعجع لحادث سير وتوضح التفاصيل

 

 

فمع استمرار الاحتلال وتعثر عودة الأهالي إلى مناطقهم، لا يكفي انعقاد الاجتماعات للحديث عن تقدم في المسار التفاوضي. وتبقى أهمية جولة تامبا مرتبطة بما يمكن أن تحققه من التزامات واضحة، ومواعيد محددة، وخطوات عملية تقود إلى استعادة الأراضي اللبنانية.

 

 

المناطق التجريبية في صلب الخلاف

 

 

تتمثل إحدى أبرز العقد في العلاقة بين الإجراءات التي ينفذها الجيش اللبناني والالتزامات الإسرائيلية المقابلة. فإذا استكمل الجيش المهام المطلوبة منه داخل منطقة تجريبية، يفترض أن تكون المرحلة التالية واضحة من حيث آلية التحقق من التنفيذ، والجهة المخولة بتقييمه، والموعد المحدد للانسحاب الإسرائيلي المقابل.

 

 

أما إبقاء الانتقال بين المراحل رهناً باعتراضات إسرائيلية متجددة، فقد يؤدي إلى استمرار تنفيذ لبنان التزاماته من دون ضمانات واضحة بشأن استعادة بقية الأراضي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية مشتركة تمنع تحول التقييم الأمني إلى شرط مفتوح يمكن استخدامه لتأجيل الانسحاب.

 

 

وتزداد أهمية هذه المسألة مع تداول اتهامات إسرائيلية بشأن ما تصفه بفشل المناطق التجريبية. فقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية «كان» مزاعم عن استمرار وجود عناصر من «حزب الله» في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، وممارستهم أنشطة استخباراتية تحت غطاء مدني، إلى جانب اتهامات للجيش اللبناني بالتقصير في التعامل مع البنية العسكرية للحزب.

 

 

تبقى هذه الادعاءات بحاجة إلى تحقق مستقل، ولا تكفي وحدها للحكم على نتائج الإجراءات التي نفذها الجيش اللبناني. كما لا تتوافر معطيات تثبت أن نشر هذه الرواية يندرج ضمن حملة منسقة تمهيداً لجولة تامبا، وإن كان من الممكن توظيفها في النقاش التفاوضي لتبرير الاعتراض على الانتقال إلى مراحل جديدة من الانسحاب.

 

 

التحقق المستقل لمنع تعطيل الانسحاب

 

تفرض هذه المعطيات ضرورة مناقشة الأدلة ومعايير التقييم خلال الجولة المقبلة، بما يشمل طبيعة الأنشطة التي جرى رصدها، ومواقعها، ومدى التحقق منها، والإجراءات المطلوبة من الجيش اللبناني لمعالجتها.


أقرا أيضاً:ترامب يلغي قيوداً جوية على لبنان وعون يرحب بالقرار

 


فالحديث عن استمرار وجود «حزب الله» لا يكفي وحده لتحديد طبيعة النشاط المقصود، إذ يجب التمييز بين الحضور السياسي والاجتماعي والنشاط العسكري. ويقتضي أي تقييم أمني دقيق تحديد الوقائع والأدلة المرتبطة بها، بدلاً من الاعتماد على اتهامات عامة قد تُستخدم لتبرير تأجيل الخطوات المتفق عليها.

 

 

وتشير النسخة المنشورة من الملحق الأمني إلى آلية تقوم على تنفيذ الجيش اللبناني إجراءات ميدانية، والتحقق منها عبر طرف ثالث متفق عليه، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بإنجاز مراحل محددة وقابلة للتحقق.

ويضع هذا الترتيب مسألة التحقق في صلب مفاوضات تامبا، خصوصاً لجهة تحديد ما إذا كان تقييم التنفيذ سيستند إلى الآلية المشتركة، أم أن الاعتراض الإسرائيلي وحده قد يكون كافياً لتعليق المرحلة التالية. فغياب معايير واضحة ومتفق عليها يترك مسار الانسحاب عرضة للخلافات المتكررة.

 

 

بيروت مطالبة بتثبيت الالتزامات المتقابلة

 

 

تتمثل مصلحة لبنان في ربط كل إنجاز ميداني بخطوة إسرائيلية مقابلة، من خلال تقديم عرض موثق لما نفذه الجيش، وتحديد العقبات التي واجهته، والمطالبة بجدول زمني واضح للانسحاب في كل مرحلة.

 


ومن شأن هذا النهج أن ينقل المفاوضات من النقاش العام بشأن الأداء الأمني إلى بحث الالتزامات المحددة ونتائج تنفيذها. كما يتيح للوفد اللبناني المطالبة بتوضيحات بشأن أي اعتراض إسرائيلي، وتحديد الإجراءات اللازمة لمعالجته ضمن مهلة زمنية معلومة.

 

 

ولا يمكن تقييم تنفيذ الالتزامات اللبنانية بمعزل عن الجانب الإسرائيلي. فالقيود المفروضة على الحركة، حيثما استمرت، والاعتداءات الإسرائيلية تؤثر في قدرة الجيش على الانتشار وفي ظروف عودة السكان إلى مناطقهم. لذلك، ينبغي أن تشمل المراجعة مجمل الالتزامات المتبادلة، لا أن تقتصر على الإجراءات التي ينفذها لبنان.

 

 

ويفقد تقييم المناطق التجريبية توازنه إذا جرى احتساب الخطوات اللبنانية وحدها، من دون النظر إلى أثر التصرفات الإسرائيلية في الاستقرار الميداني. فعودة الجيش والأهالي تتطلب ظروفاً تسمح باستمرار وجودهم وممارسة حياتهم بصورة طبيعية وآمنة.

 

 

الضمانة الأميركية أمام اختبار عملي

 

 

تكتسب الرعاية الأميركية أهمية خاصة في هذه المرحلة، إذ يتوقف نجاحها على قدرتها على معالجة الخلافات ومنع استخدامها لتعطيل التنفيذ إلى أجل غير محدد. ولا يكفي استمرار الوساطة أو تحديد مواعيد جديدة للاجتماعات ما لم يقترن ذلك بآلية تضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

 

فإذا أنجز لبنان مرحلة ميدانية وثبت اكتمالها وفق المعايير المعتمدة، يفترض أن يقابلها التزام إسرائيلي واضح. أما غياب النتائج العملية، فيبقي المفاوضات قائمة من دون تقدم موازٍ على الأرض، ويطرح تساؤلات بشأن فاعلية الضمانات المقدمة للأطراف المعنية.

 

ويزداد ضغط الوقت مع اقتراب موعد الانتقال الدولي في الجنوب ومستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، إذ يثير أي تأخير في مسار الانسحاب الحاجة إلى ضمانات تحافظ على المراقبة والتنسيق والاتصال الميداني، وتمنع حدوث فراغ أمني خلال المرحلة الانتقالية.

 

نتائج الجولة تحدد مسار المرحلة المقبلة


قد تؤثر التطورات الإقليمية في استعداد الأطراف لتقديم تنازلات، لكن ذلك لا يعني أن جولة تامبا محكومة بالفشل مسبقاً. وحتى في حال تعذر التوصل إلى تسوية شاملة، يمكن تحقيق تقدم محدود عبر الاتفاق على معايير مشتركة للتحقق، أو تحديد منطقة إضافية للانسحاب، أو وضع مهلة واضحة لمعالجة الاعتراضات الأمنية.

 

وتتوقف قيمة هذه الخطوات على قابليتها للتنفيذ، وعلى وجود مواعيد محددة وآلية واضحة لحسم الخلافات. فنجاح الجولة لا يُقاس بمجرد انعقادها أو صدور مواقف إيجابية عنها، بل بقدرتها على نقل الالتزامات من مستوى التفاهمات إلى إجراءات ملموسة.

 

يدخل لبنان مفاوضات تامبا أمام استحقاق أساسي يتمثل في تحويل المسار التفاوضي إلى تقدم فعلي نحو استعادة الأرض. ويتطلب ذلك منع تجدد الشروط الأمنية مع كل مرحلة، وتثبيت التزامات متقابلة، وتحديد موعد للانسحاب وآلية لمعالجة أي خلاف.

 

ويبقى السؤال الأهم أمام الوفد اللبناني: ما الخطوة التي ستنفذها إسرائيل مقابل كل مرحلة يستكملها الجيش اللبناني، ومتى يتمكن الجيش والسكان من استعادة وجودهم الكامل على الأراضي اللبنانية؟

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5

اقرأ أيضاً